وثائقي “قوية” لسليم صعب: رسائل فن الشارع والنسوية
Forteّ قويّة

جودي الأسمر/ almodon- ضمن فاعليات مهرجان “كرامة-بيروت لأفلام حقوق الإنسان”، عرضت سينما متروبوليس/بيروت مساء الثلاثاء الفيلم الوثائقي “قوية- Forte” للمخرج والاعلامي اللبناني-الفرنسي سليم صعب، الّذي يدلف مجدّداً إلى الشاشة الكبيرة من بوابة المدن العربية بعد فيلمه Beirut Street (انتاج 2017) حيث تناول فنّ الـHip Hop في بيروت.

في عمله الأخير، يحافظ صعب على استمرارية موضوعاتية تشكّلت من عمله كمضيف إذاعي لفنانات وفنانين عرب في إذاعة مونت كارلو الدولية. إنّما يطرحها ضمن نطاق جغرافيّ أوسع في بيروت وتونس والكويت وجدّة. وتتعدّد أيضاً أنواع فنون الشارع (Street Art)، ضامّاً إلى الهيب هوب، البريك دانس والغرافيتي والفنون القتالية ونقش التاتو.

الجديد، والجوهريّ، في طرحه اليوم هو نساءُ تلك المدن في قلب هذه الحِرف التي ترهنها الصّور المنمّطة للذكور، وكذلك الواقع، لكنّه آخذ في الانحسار. وهذا بالتحديد ما يسعى المخرج لإبرازه بإسناد بطولة وثائقي نصف الساعة، لثماني فنانات عربيات “قويّات” في هذا المجال، و”ليس فقط لكون هؤلاء سيّدات”، على حدّ تنويهه بأداء كلّ من أبرار اللهو (الكويت)، حنان كمال (جدة)، نوال بن كريّم (تونس)، ومن بيروت كريستال حرب، لانا رمضان، ليلي غندور، ماري-جو أيوب، ومروى الشريف.

تناوب سمعي-بصري

في التقنية، هَيكَل صعب فيلمه على أسئلة استقطبت مساهمات الفنانات، فتعدّدت الأصوات ضمن كل جزء. تحدّثت الفنانات عن تفاصيل سيريّة، والتفاعل الذاتي والعام مع مزاولتهنّ هذه المهن، وأفردَ حيّزاً مهمّاً لأسئلة في صلب النشاط النسويّ في المجتمعات، فتنقّلت الكاميرا برشاقة بين المتحدّثات، تتناوب عبرها الصور وزوايا الصور والأصوات، تنفي الملل عن المُشاهد. في قلب هذا التنويع، تحقّقت لُحمة الفيلم في ظهور، بفترات متقطّعة، فنّانة تتلاعب بجزعها ويديها بحلقة وهي تتابع رقصاً ايمائياً على سطوح إحدى البنايات في كادر تتداعى في خلفيته الصوتية ضوضاء مدينة، كأنما تتهادى من كلّ المدن مجال الفيلم، فضلاً عن رمزية الحلقة الّتي تبرع الراقصة في تشعيب مراقصتها بنجاح، توحي بخيار حياة تحكم قبضتها عليها من خلال رقصها الّذي يحرّك وجودها، إن لم يختصره. هذا المشهد، عزّز المحتوى الفني للفيلم، وأضاف مسحةً من الغموض ترافق ترقّب المشاهد الذي ينتظر ما ستقول الراقصة، لنفهم في النهاية، بأنها اكتفت بالرقص وحده؛ للتعبير عن رأيها فيه.

النسوية: نقد ذاتي

في المضمون، يبدو أنّ سليم صعب لم يسعَ لخلق أسطورة فرديّة خاصة بكل فنّانة، بقدر ما توجّه لرسم صورة جماعيّة لتردّ “شبهة” فنون الشارع في المجتمعات العربية. فجميع هؤلاء الفنانات، إلى قوّتهنّ، حظين بدعم مجتمعهنّ الضيّق والأوسع، بدءاً بالأهل، وليس انتهاءً بالأصدقاء والجيران، وصولاً للأمن. ألا يمثّلن الاستثناء الّذي يحجب القاعدة؟

يقول صعب لـ”المدن” منطلقاً من حوافز الفيلم الّتي راكمتها لقاءاته بالجمهور الفرنسي حول فيلمه الأول. كان هذا الجمهور يستبعد، حدّ الانكار، احتراف نساء عربيات لفنّ الشارع. هذه النمذجة لا ترقى لعكس الواقع برمّته، لكنها تخرق جدار التّعميم الّذي لمسه المخرج. إزاء الأفكار التعميمية، أعطى الوثائقي “حقّ الرد” لآراء تبارز نسويّة الغرب وتنفي بعض مثالياتها. يأتي في مقدّم البراهين، مثال التفاوت في الأجور بين السيدات والرجال في فرنسا، والذي (كما قيل) لا تواجهه المرأة العربية.

في “قويّة”، نحن أمام سيّدات عربيّات يعشن تقدّميّة متنوّرة، غير خاضعة للمفهوم الشمولي للنسويّة وتقاطعها غير الموفّق، في حالات عديدة، مع البطريركية في مدننا. في هذا الحيّز من الفيلم تنفتح الجدليات الأدق: فنانات يتمتعن ببنية جسدية صلبة ترفض إحداهنّ ما تسميه “المبالغة” في النسوية الّتي لا تراعي التمايز البيولوجي بين الجنسين، ووظيفة الولادة المنوطة بالمرأة وحدها، فيما تسعى النسوية المتطرّفة لمعاكسة الطبيعة ومطالبة الرجل بها.

في سياق المشاركة الاقتصادية إياه، فنّانة تستشهد ببيل هوكس في مؤلّفها “النظرية النسوية: من الهامش إلى الوسط” حيث تقول إنّ العمل لا يحقّق بالضرورة فاعلية المرأة القصوى، بالأخص في المجتمعات حيث وظائف المرأة بدائية أو هامشية، وأن تكون المرأة، والحال هذه، مربّية وربّة منزل، يضعها في موقع أقوى تأثيراً. كلامٌ يحتمل الكثير من الجدل، بالطبع، لا سيما استبطانه لقيم ذكورية إنما بشكل معاصر وبلا خرق كبير “للصواب السياسي”، لكنه رأي من آراء الفيلم، ولعله، مع آراء أخرى، يحفّز نقاشاً أوسع.

رسائل لأي جمهور؟

جال الوثائقي حتى الساعة في مهرجانات فرنسا، وسويسرا، وبلجيكا، وبريطانيا، والأردن، ومعاهد فرنسية في لبنان. حول الأثر المباشر، يشير المخرج صعب لـ”المدن” إلى أنّ “الجمهور الفرنسي فُوجئ بفنّانات غرافيتي في مدن الخليج”، مضيفًا “ورود هذه الأمثلة في الفيلم ساعدني في كسر بعض النمطيات”.
الفيلم، في راهنيّة إشكاليته وتفاعله مع نمطيّات المجتمعات الغربية والعربية على حدّ سواء، مهيّأ للوصول للجمهورين. إنّما نزعت عديد من الفنّانات إلى الكلام باللغة الإنكليزية، وترافق في مواضع عديدة، كلامهنّ الإنكليزي بترجمة انكليزيّة أسفل الصفحة، الأمر الّذي يُعيق وصول المعنى لشريحة واسعة من جمهور عربي غير ناطق بالإنكليزية، ويعيش في مجتمع حاضن لنمطيات جندرية عديدة تؤكّد حاجته للتعرّف لهذه النماذج الفنية المخالفة للسائد. فهل يتعمّد المخرج تصويب رسالته لجمهور أنغلوفونيّ فقط؟
سؤال تجيبنا عليه نسخة الفيلم الجديدة (إن حُرّرت) وقنوات انتشاره لاحقاً.
*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.  
Forteّ  قويّة

Forteّ قويّة

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015