آخر «نظام أمومي» في أوروبا!.. «جزيرة كينو» التي تحكمها النساء
جزيرة كينو آخر «نظام أمومي في أوروبا»

sasapost- وُصِفت بأنها مملكة النساء المعزولة، والنظام الأمومي الوحيد في أوروبا. نُسجت عنها القصص والأساطير، وذاعت شهرتها في العالم بأنها «جزيرة تحكمها النساء»، ويعملن فيها كل المهن. إنها «جزيرة كينو» في دولة إستونيا ذات الطبيعة البكر، والتي تقع في منطقة بحر البلطيق، وتنتشر بها الغابات الكثيفة الرائعة، والبيوت الريفية الملونة، وأخيرًا تتميز بوفرة النساء، وهذا هو بالتحديد سبب شهرتها الواسعة. لكن ما القصة وراء الجزيرة التى تقطنها وتحكمها النساء؟ هذا ما سنعرفه في السطور القادمة.

كينو: جزيرة عذراء في منطقة بحر البلطيق

تبلغ مساحة جزيرة كينو 16.4 كيلومترات مربعة، بطول سبعة كيلومترات وعرض ثلاثة كيلومترات، تقع الجزيرة داخل خليج ريجا في منطقة بحر البلطيق في دولة إستونيا، والتي كانت واحدة من دول الاتحاد السوفيتي في السابق، وهي سابع أكبر جزيرة ضمن ألفي جزيرة عذراء في دولة إستونيا.

تتمتع الجزيرة بطبيعة بكر خلابة، تملؤها غابات كثيفة، ومساحة داخلية رملية، وساحل صخري يتكون من أكثر من 50 جزيرة تشكل مكانًا مهمًّا للحياة البرية، خاصة لتعشيش الطيور والبرمائيات، كما تمتلئ الجزيرة بالأشجار المثمرة والبيوت الريفية ذات الألوان الزاهية والرائعة.

تشتهر جزيرة كينو بأنها مكان سياحي هادئ لكنه من عصر قديم، فقد أدرجت الجزيرة على قائمة اليونسكو للتراث العالمى الثقافي غير المادي عام 2003، وكُرمت النساء في كينو بوصفهن أوصياء وحراسًا على الإرث الثقافي الذي تشتهر به الجزيرة، والذي يتضمن الحرف اليدوية والملابس التقليدية المميزة، والتي لا تزال تُرتدى بشكل شائع حتى يومنا هذا، ويشمل التنانير الملونة المخططة والتى تسمى «كورت»، والسترات الصوفية الرجالية المنقوشة والتي يطلق عليها «تروي»، والقفازات المتماسكة للصيد والحماية من برد الشتاء، إذ إنه من الشائع جدًّا أن تنظم الشابات في جزيرة كينو لقاءات مسائية ترفيهية للقيام بالأشغال اليدوية.

كما أدرجت أنواع من الطعام المحلي لجزيرة كينو على قائمة الإرث الثقافي، مثل خبز الجاودار مع البطاطس أو دهن الخنزير، وطبق الرنجة البلطيقية المضافة إلى العجين، وطبق حساء ثعبان البحر من إعداد الصيادين، وحساء اللبن الحلو وهو طبق مهم في الأعراس والحفلات، إلى جانب الرقصات والألعاب القديمة والموسيقى، والتي تعد جزءًا مهمًّا من ثقافة سكان جزيرة كينو، إذ إنه من المعتاد سماع الغناء في أي وقت وأي مكان هناك.

يستمتع السياح بالطبيعة الساحرة لجزيرة كينو، وكافة الأنشطة التي تحدث فيها ومنها حفلات الغناء والرقص الفلكلوري، إلى جانب الاستمتاع أيضًا بركوب الدراجات والتنزه في الغابات والشواطئ، ويستقطب نمط الحياة المميز هذا نحو 30 ألف سائح سنويًّا، نصفهم من إستونيا والنصف الآخر من أوروبا وآسيا، وفي ظل  غياب الفنادق والمطاعم على أرض الجزيرة؛ يستقبل سكان الجزيرة هؤلاء الضيوف في منازلهم، إلا أن السياحة لا تزدهر إلا في فصل الصيف.

جزيرة كينو: «لا رجال في وظائف هذه المدينة»

توصف جزيرة كينو بأنها آخر «نظام أمومي في أوروبا» وآخر نظام محكوم ومدعوم بشكل أساسي بقوة المرأة، ولكن لماذا؟ هل لا يوجد رجال هناك؟ نعم، لا يوجد رجال هناك، فقد اعتاد سكان جزيرة كينو على صيد الفقمات والأسماك في الماضي بوصفه مصدر للرزق، فكان الأغلب يعمل في مهنة الصيد.

ومع بداية القرن التاسع عشر بدأ رجال جزيرة كينو في الخروج إلى رحلات صيد طويلة في أعالي البحار، مما جعل الجزيرة دون رجال لفترات طويلة، ومعظم أوقات السنة، وهنا توسع دور المرأة في هذه الجزيرة الإستونية ليتجاوز الأدوار التقليدية للجنسين، وشمل كل جانب من جوانب الحياة حتى حكم الجزيرة، وسريعًا ما عمدت النساء إلى ممارسة الحياة اليومية في الجزيرة بشكل طبيعي وأصبحن حاكمات للجزيرة وحاميات للتراث الثقافي.

نجحت نساء جزيرة كينو في عمل توازن بين مسؤوليات الزراعة وتخزين الغذاء، وتربية الأطفال والحياة اليومية، والواجب الموروث المتمثل في الحفاظ على تقاليد الأجداد، وقد علقت السيدة ماي آف مدير متحف كينو على هذا التوازن في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2019 قائلة: 

«ما الذي لم تفعله امرأة كينو؟ لدينا قائمة بجميع الوظائف الضرورية التي نتذكرها، نساء كينو عملن في كل شيء في غياب الرجال، من إصلاح محركات الجرارات الزراعية، إلى أداء الخدمات الكنسية عندما لم يكن القس الروسي الأرثوذكسي متاحًا، وحتى الآن، لم يكن هناك سوى وظيفة واحدة لا يمكن لأحد المطالبة بها، ربما حفر القبور، ولكن حتى هذا الأمر مشكوك فيه».

إرث مهدد وثقافة تختفي

يسكن الجزيرة في الوقت الحالي ما يقارب 500 شخص منهم رجال وأطفال بنسبة أقل كثيرًا من النساء، أما أغلب السكان فهم من كبار السن والجدات، لكن ولسوء الحظ فإن الجزيرة بالكامل مهددة بخطر التلاشي من الوجود، كل شيء بما في ذلك الأكلات التقليدية والغابات والبيوت والأزياء وأسلوب حياتها الفلكلوري الملون، مهدد بسبب تناقص عدد السكان، إذ لا يوجد مواليد حديثة ومن ثم قد يأتي وقت لا نجد فيه جيلًا جديدًا لجزيرة كينو.

ويعود تقلص عدد السكان بسبب رئيسي إلى نقص الوظائف، مما أدى إلى هجرة البعض بحثًا عن الرزق، فالتغيرات في صناعة صيد الأسماك – المصدر الأساسي للدخل في الجزيرة – أدت إلى ضغوط جديدة، فعاد بعض الرجال إلى منازلهم لفترات أطول من الوقت مقارنة بالماضي، مما خلق أزمات أكبر في الوظائف.

تحاول النساء جاهدات الحفاظ على الجزيرة وسكانها وإرث الأجداد، عبر إطلاق مبادرات، وحملات توعية للسياح، وإنشاء مؤسسات اجتماعية، فهناك مؤسسة كينو المخصصة لتعزيز وحماية تاريخ وتقاليد سكان الجزر من خلال إقامة الأحداث والمهرجانات والمبادرات التعليمية، والتي تعمل بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو، وفي تصريح صحفي للسيدة مارية ماتاس مديرة «مؤسسة كينو للتاريخ والتقاليد» حول استمرار الحياة في كينو، قالت: 

«نناقش كلنا يوميًّا ونحن جالسون على طاولة المطبخ موضوع استمراريتنا، نحاول تأمين حاجاتنا من المواد الغذائية من خلال تربية الحيوانات وزراعة الأرض، إلى جانب شغل الصوف والحياكة وهي وسيلة تقليدية لكسب العيش، لكنها لم تعد مجدية على الصعيد الاقتصادي، كل هذه الأمور التي كانت مهمة في الماضي لم تعد كذلك الآن، أما الرجال؛ فقد غادر الكثير من الصيادين بحثًا عن عمل في النرويج وفنلندا».

ترحب نساء جزيرة كينو بالسياحة، فهي السبيل الوحيد لبقاء الجزيرة وسكانها في الوقت الحالي، لكنهن في الوقت نفسه لا يرحبن بأي نوع من أنواع (السياحة والمال)، فهن يكرهن السياحة الجماعية القائمة على الربح مقابل المتعة، ويريدن نوعية خاصة من السياحة الفردية الاستكشافية التي تحترم ثقافة الآخر، وقد أوضحت السيدة ماي آف مدير متحف كينو تلك النقطة في مقابلتها مع صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2019 قائلة:

«هناك تسلسل هرمي واضح في كينو، وهو الأطفال، والمجتمع، وأخيرًا الرجال، لدينا عقليات مختلفة تمامًا عن الناس في البر الرئيسي، تريد نساء كينو دائمًا أن يفعلن ما هو أفضل للعائلة، وخاصة الأطفال. ومع ذلك، الجزيرة ليست للجميع، ولا تريد النساء أن يزورها الجميع، تشتهر نساء كينو بصراحتهن، والجزيرة لا تقبل الإساءة، السياحة الجماعية ليست جيدة، نريد سياحة ثقافية، أشخاصًا مهتمين حقًّا بثقافتنا ونمط حياتنا وكيف نعيش، إذا كانوا مهتمين، فهم مرحب بهم».

تحاول الجدات في كينو، الحفاظ على جزيرتهن الصغيرة وإرثها العريق، وسط تخوفات من ضياع الجزيرة إلى الأبد، وما زالت الجدات يرحبن بالسياح المهتمين بالإرث العريق الذي بتن أمينات عليه جيلًا بعد جيل حتى وقتنا الحالي، على أمل عودة الحياة لطبيعتها في جزيرة كينو الصغيرة.

جزيرة كينو آخر «نظام أمومي في أوروبا»

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
لطيفة زهرة المخلوفي/alittihad – ولدت الكاتبة النسوية، وعالمة الاجتماع المغربية، فاطمة المرنيسي، سنة 1940 بفاس، تابعت دراستها بالرباط ثم درست العلوم السياسية في جامعة السوربون في فرنسا، فجامعة برانديز في الولايات المتحدة، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه، وبدأت التدريس الجامعي منذ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015