اهربي الى الأمام يا عزيزتي!
صورة تعبيرية/ انترنت

أمل الحارثي/khateera- لم تكن أميمة، الشابة العربية التي حاولت بكل الطرق الهروب من القهر الذي تعانيه في أسرتها تدرك أن الحياة أعدت لها سيناريو جميل وأن المستقبل ينتظرها فاتحاً لها بابه وكل ما عليها هو الإستعداد، يُقال “النجاح يأتي عندما تلتقي الفرصة بالاستعداد” وهي لم تكن تدرك أن هوايتها هي تلك النافذة التي تطل على الشمس بعد كل سنوات الظلام التي عاشتها مع أهلها.

حُرمت أميمة من الحياة لأنها فتاة، وفُرض عليها زي لا تريده، وأبلغتها والدتها أنه لا أمل لها بالتعليم الجامعي، وبدأت تهيئها لمصير شبيه بمصير أختها التي تزوجت قبل الثانوية العامة ، إلا أنها كانت تطمح لحياة أخرى، كانت تنظر لأختها الأم المنهكة التي لم تبلغ العشرين بعد، وتخبر نفسها كل ليلة “لا أريد نفس المصير”.

كانت في كل مرة تتمرد على قوانين العائلة تُعنف وتُحبس بلا رحمة، حاولت الهروب مرة ولكنها عادت بعد أن أدركت أن لا بيت من بيوت العائلة الممتدة سيستقبلها دون أن يعيدها إلى أسرتها صاغرة، وحتى الشرطة التي كلمتها من بيت صديقتها شاكية من عنف أسرتها تواطأت مع أهلها وأرجعتها بعد أن أعطت الشرطية لأميمة محاضرة عن احترام الأهل وتقديرهم.

في لحظة وجدت نفسها عالقة في مكان لا تستطيع الفكاك منه. سجينة لا أمل لديها بالخروج، إلا أن ساعات تفكيرها الطويل وتأملها في حياتها وحياة من حولها جعلها تصل لطريقة مبتكرة في الهروب. الجسد سجين لكن العقل حر، يفكر كما يشاء. يذهب إلى أبعد نقطة في هذا الكون ويعود، يشك، يتأمل، يتعلم، وحده عقلها قادر على إخراجها من سجن الجسد، وعليها أن تطلق له العنان، طريق العقل طويل وشاق ويحتاج لجهد عظيم واستعداد وتخطيط، والأهم يحتاج لعامل كان متوفراً لدى أميمة بكثرة …الوقت.

كانت أميمة منبهرة بالثقافة اليابانية منذ طفولتها. كانت تتابع برامج الأطفال اليابانية المدبلجة باللغة العربية وتقارنها بالنسخة الأصلية، حتى أصبحت تفهمها. قررت أن تسير على هذا الطريق وتنمي معرفتها بالدراسة، في الوقت الذي كانت أختها تتابع المسلسلات التركية المدبلجة وتعيش خيالات وهمية عن الحب تخرجها دقائق من مستنقع حياتها، كانت أميمة تدخل على برامج وتطبيقات تعلم اللغة اليابانية، ومنها إلى منتديات وصفحات يديرها يابانيون. بعد أن أنهت الثانوية العامة استطاع أحد أساتذتها أن يساعدها في منحة لتعلم اللغة اليابانية في طوكيو. نعم سافرت أميمة لطوكيو وبدأت هناك رحلة جديدة لم تكن لتتخيلها حين كانت تبكي في غرفتها المظلمة قبل سنوات.

قصص كثيرة مبهرة موجودة في الحياة كقصة أميمة ، تعطي أملاً عظيماً لملايين الفتيات والسيدات اللواتي يواجهن القمع ولا يرين النور في آخر النفق. النور موجود، ولكل امرأة مقموعة هناك مستقبل مشرق ينتظرها، لكن مفتاحه بيدها هي، وحدها المرأة تعرف موهبتها وشغفها الذي يجب عليها تطويره، وكل ما أستطيع فعله عندما تسألني امرأة “ماذا أفعل؟ ” هو أن أجيبها بكل أمانة “الحل في الهروب إلى الأمام “.

تظلم المرأة المقهورة نفسها عندما يصبح شغلها الشاغل قتل الوقت لا استغلاله، فتجدها تقف ساعة أمام الشباك تنظفه وتنظر له من بعيد ثم تعيد تنظيفه حتى يصبح غير مرئي. أو تجلس في المطبخ ساعات طويلة بلا هدف، أو قد تقتل وقتها في متابعة المسلسل التركي ذو المائتين حلقة والذي يستهدف بالمناسبة النساء أكثر من أي شرائح أخرى، ثم تنتقل إلى المسلسل اللبناني والسوري ثم المصري. وتتابع بين المسلسلات، الداعية الشاب الذي يعطيها جرعة من المهدئات التي تصبرها وتعدها بالجنة، ثم تُحضّر للجلسة النسائية في آخر الأسبوع، حيث تتبارى النسوة على صناعة الحلويات والمعجنات، وتجد كل امرأة قيمتها في ما تسمع من تعليقات مادحة واطراءات قد تتحول إلى انتقادات في الخفاء بعد أن تنفضّ الجلسة.

لو عرفت المرأة ما لها وما عليها لما أضاعت دقيقة من هذا الوقت الثمين في جلسات لا هدف منها أو على شاشات التلفاز، فالمرأة حتى تلك الراضية بحياتها قد تنقلب عيشتها في لحظة، وقد تجد نفسها مسؤولة عن نفسها وعن أولادها في عالم لا تعرف أن تخطو فيه خطوة.

الوقت يُستغل ولا يُقتل. ومن تقتل وقتها، تقتل نفسها تدريجياً. الهروب ليس سيئاً إذا كان هروبا إلى المستقبل. استغلال الوقت وكل الإمكانات المتاحة، هو تحضير وتجهيز الذات حتى تصبح مستعدة لانتهاز الفرص الآتية. الفرص التي ستأتي لا محالة، ولا يقتنصها إلا المستعدون. ولهذا فنصيحتي لكل فتاة تسأل “ساعدوني ماذا أفعل؟ ” هي: “اهربي إلى الأمام يا عزيزتي”.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

صورة تعبيرية/ انترنت

أترك تعليق

مقالات
كيف تتعامل الأماكن العامة مع أجساد النساء؟ وكيف يُعاد إنتاج الجندر والهوية الجندرية من خلال المكان؟ وكيف يُعاد خلق الثنائيات وتطهير ممارسات الأفراد من خلال الفصل والجمع والتقريب والمباعدة بين أجسادهم المختلفة؟ تقدّم الباحثة والمخطّطة المدينية جنى نخّال قراءة نسويّة لإنتاج المكان في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015