“ثوب أزرق بمقاس واحد”.. عن امرأة تحاول القفز من النافذة
رواية "ثوب أزرق بمقاس واحد"

هيفا نبي/alriwaya- عرفتُ أني سأكتب، اليوم أو غداً أو قبل موتي بقليل. لا أعرف كيف سَرى هذا الاعتقاد كقناعة في داخلي، أو منذ متى تعاملت مع الكتابة كبديهة. ومع أني لم أقم بجهد واعٍ يُذكر في أغلب سنوات حياتي لأتجه بجدية نحو الكتابة الروائية إلا أني كنت على قناعة بأني سأكتب رواية يوماً ما.

لا تعني تلك الثقة في الكتابة أني كنت مدفوعة بأمنية أن أكون يوماً ما كاتبة، ولا أني وجدت جاذبية في حياة الكتابة أو الكُتّاب، أو أن الكتابة لاحت كنتيجة مباشرة لقراءاتي. ففي طفولتي لم أحظ بالكتب، والمكتبة المدرسية الفقيرة التي استعرت منها كتباً في سنوات الدراسة الأولى لم تؤسس لشغف القراءة بل ربما كانت محاولاتي الأولى في كتابة الشعر هي التي دفعتني نحو القراءة عامةً. وعدا بعض القصائد التي كتبتها في فترة مبكرة وألقيت بعضها في الأمسيات الشعرية في حلب/ سوريا وصفحات قليلة من رواية لا أتذكر شيئاً منها سوى أني كتبتها باللغة الكردية، لم أقترب جدياً ككاتبة من عالم السرد. مع سنوات الدراسة الأكاديمية، الماجستير والدكتوراه، حققتُ شروط العزلة والقراءة بشرعية كاملة وتعلمت عن فن الرواية ما لا يمكن أن يقدمه لي أي نتاج ذاتي.

لم أخطُ نحو كتابة الرواية بجدية سوى قبل نحو سبع سنوات. كانت القراءة نمط حياة، وكنت غارقة كلياً في إعداد بحث الدكتوراه في الأدب الفرنسي، متشبّعة بالنقد الأدبي ودراسة النصوص الأدبية- وهو المجال الذي أحب الإبحار فيه يوماً-، إلى جانب غوصي في إشكالية علاقة الأنا بالآخر والتي كانت موضوع رسالتي. ثم بدأت الرغبة في الكتابة تلحّ بعد قراءة أهم أعمال ميلان كونديرا: كينونة لا تُحتمل خفتها. كتبت مقالة حولها وأنا جالسة في مطبخي ذي النوافذ المضيئة، وعلمت أن وقت الكتابة الروائية بالنسبة لي قد حان.

لكن حين بدأت أعي أن الكتابة تلوح كقدر تولد عائق آخر، بأية لغة أكتب: الكردية، العربية أم الفرنسية؟ الكردية هي لغتي الأم، ولا أتحدث إلا بها. أقرأ بالكردية أيضاً بين الحين والآخر، لكني لا أمتلك هذه اللغة إلى حد الكتابة بها بحرّية كما أكتب باللغة العربية. كأقلية في سوريا، كانت كل المظاهر الثقافية والخصوصية للكُرد، وأولها اللغة الكردية، ممنوعة تماماً. والمرة الأولى التي تمكنت فيها من حمل كتاب مكتوب بالكردية كنت في السنة الأولى من دراستي في الجامعة. ببساطة لأن دولة البعث قررت أننا لا ننتمي لهذه البلاد إلا وفق شروطها، والتي تتمحور بالمختصر حول إقصاء كل خصوصية لنا ككُرد. إلى ذلك كان إدخال الكتب باللغة الكردية أو حول الكرد إلى البلاد خاضعاً لرقابة كاملة من الدولة وخوض هكذا مغامرة كان يتطلب سرية وجرأة كبيرة.

لا يعني ذلك أن أمر كتابة الرواية بالكردية مستحيل، الأمر يتطلب وقتاً وجهداً مضاعفين مني، وقد أكتب يوماً ما برضى وحرية بلغتي الأم كما أكتب بالعربية.

أما العربية فهي اللغة التي بدأت بتعلمها بدءًا من سن الدخول إلى المدرسة. أتحدث بالعربية بلا عائق وأعبر من خلالها بحرّية، كما أنها لغة قراءتي وقناتي المعرفية الأولى. لكن الحاجز اللغوي ظل قائماً لأني في النهاية أفكر بالكردية ولا أتخذ العربية كلغة لحياتي اليومية؛ فهي ليست اللغة التي أخاطب بها طفلي أو أحادث بها أمي.

الفرنسية كانت ستكون اللغة الممكنة للكتابة دون إدّعاء سهولتها. وإمكانيتها تعود إلى أني عشت الفرنسية بشكل مباشر من خلال الكتابة والكتب، وكتبت رسالتي الماجستير والدكتوراه بدون عوائق كبيرة بالفرنسية.

أخيراً اخترت العربية تحت إلحاح الكتابة.

روايتي التي صدرت عن دار جدل/الكويت بعنوان “ثوب أزرق بمقاس واحد” ليست تجربتي الروائية الأولى، لكنها التجربة الأولى المُنجزة. لدي مسودتان لروايتين بعيدتين من حيث المضمون عن الموضوع المركزي في “ثوب أزرق بمقاس واحد” وقد بقيتا في الخلف عندما ألحّت روايتي الصادرة مؤخراً علي بالكتابة والاهتمام بها. وأقول ألحّت لأنها نشأت بالفعل وكُتبت وانتهت بهذه الهيئة. وذلك لا يناقض مسألة أني كتبتها بمنتهى الوعي بها والرغبة الكاملة فيها؛ فكتابة هذا العمل تندرج بالنسبة لي ضمن اللحظات الحقيقية التي عشتها، وأعني بها تلك التي لم اخترها بجزء عقلي أو عاطفي مني، بل عشتها بكُلّي.

كانت الرواية موجودة كاملةً داخلي منذ وقت غير قريب، كانت تبني نفسها داخلي بإصرار بينما أكتب أنا حول أشياء أخرى بعيدة. قرار الكتابة كان أشبه بقرار طفل التحدث أخيراً بعد أن جمع عدداً لا بأس به من الكلمات وأطلق لسانه بعد صمته الأولي المولود به. حين كتبت كان الأمر أقرب لفعل محاكاة، كانت الرواية تكتب نفسها بنفسها.

لم أختر لروايتي هذه الثيمة (ثيمة اكتئاب ما بعد الولادة) بغرض الحديث عن قضية مسكوت عنها، أو بدافع التطرّق لموضوعٍ لم يُعالج روائياً بشكل كاف، بل كنت مدفوعة بشيء أكبر من الإرادة. كنت مندفعة كمطرود من داره، عليه فعل أي شيء ممكن للعودة إليه أخيراً، وثمن هذه العودة هو الكتابة.

الكتابة عن ماذا؟ عن امرأة تحاول القفز من النافذة.

وأنا راضية عن اندفاعي لأني أرى أن الانطلاق في الكتابة بنيّة تناول قضية ما من القضايا هو زعزعة استباقية للعمل. في الرواية، ليس على الروائي -برأيي- أن يقلق بشأن وجود القضايا من عدمها بل بشان الحكاية المُتخيَّلة بالدرجة الأولى. القضايا لا تغيب عن الرواية، ببساطة لأن كل حكاياتنا تتمحور حول قضايانا. وقد ألصق نُقّاد الأدب مئات القضايا بجسد حكاية غريغور سامسا الذي أستفاق ذات يوم فوجد نفسه وقد تحوّل إلى حشرة عملاقة، وخطى النقاد خطوات أبعد في تأويل الحكاية العادية لجوزيف ك الذي استيقظ على أمرٍ بالقبض عليه، بينما أمات النقد الأدبي كل تلك الروايات التي كانت معالجة قضية ما من القضايا في مقدمة أولوياتها.

شرعتُ في الكتابة بعد جمع عددٍ لا بأس به من المعلومات وقراءة العديد من الكتب والمقالات حول المرض أو حول حياة المرضى المصابين بالاكتئاب. فسنوات العمل الأكاديمي علمتني أنك لا ولن تكون الأول في أي شيء، ولأنك لست الأول عليك كخطوة أولى البحث عما قاله غيرك، وضمناً عم عاشه غيرك. فنحن إن كنا نفترق في أي شيء، نشترك في أمرٍ واحد أساسي، وهو تجربتنا الإنسانية. ولربما كان الاكتئاب التجربة الانسانية الأكثر أصالة من حيث ضربها عمق الجانب الواعي وغير الواعي فينا. ربما نختلف في تعاملنا مع آلام الشقيقة، لكننا أمام ضربات الاكتئاب نتشابه إلى حدٍ بعيد. الرواية بمحتواها هذا تتوافق تماماً مع اهتماماتي في الفلسفة وعلم النفس، من هنا أتت، حسب اعتقادي، الحركة الحرة واليسيرة للكتابة. إضافة إلى ذلك أعتقد أن عيني المُوجّهة إلى الداخل، باستعارة العبارة من الكاتب الراحل حسن مطلك، سهّلت كثيراً خوض التجربة النفسية للبطلة من الداخل دون جهد كبير.

أعطيتُ لروايتي شكل المذكرات، ووجدت أنها الشكل الأنسب للتعبير عن الصراعات الداخلية التي تتبدل وتتغير تبعاً لصعود أو هبوط نوبات الألم. إلى ذلك كانت المباشرة والبعد عن التنميق والتجميل يتماشيان جنباً إلى جنب مع رغبة البطلة في الكتابة عن ألمها، وهي قد حددتْ منذ البدء هدفها: إنها تكتب لترى لم صار العالم شبحياً فجأة.

ما إن بدأت الكتابة لم أستطع التوقف عنها أو عدم التفكير فيها، وقد يكون سبب قدرتي على الاندماج في كتابتها إلى درجة أنستني كل حكم أو رأي خارجي، أني كنت أشبه نفسي جداً فيها، من حيث الأسلوب أو الأفكار أو المزاج المصاحب للكتابة، كنت نفسي كما لم أكن يوماً. المرحلة الوحيدة التي توقفت عندها كثيراً كانت عند اختيار طريقة الموت، فرغم أن النافذة كانت منذ البداية مبعث الخوف بالنسبة لبطلة الرواية، إلا أني قررت في لحظة ما أن القفز من النافذة مؤلم أكثر من اللازم. ولفترة طويلة بقيت أتأمل مع بطلتي من خلال شرفتها الأرض والمساحات الشاسعة المحفورة والمُعدّة للبناء وقررت أنه يجب أن يكون لموتها صلة ما بهذا المكان، عليها أن تفعل شيئاً لتموت على الأرض، وخاصة في هذا المكان الذي تُقام فيه الأبنية الجديدة.

لكن رغم الرغبة العارمة في الكتابة كان هناك أحياناً إحجاماً عنها، عزوته تارةً للخوف المتأتي من الحكاية نفسها؛ فقد كنت أتحاشى مثلاً الكتابة ليلاً عن السيدة ذات الرداء الأسود، وكنتُ أفزع منها أشد الفزع وأشعر بنفخ ريح نفسها خلف أذني كلما ظهرت لبطلة روايتي. عزوت إحجامي عن الكتابة كذلك لخوفي من ألا أسرد حكاية تستحق أن تُحكى؛ فكل النوايا والأفكار تتشتت عندما تجد نفسك وجهاً لوجه أمام حكاية شخصيات أنت خالقها. ربما كان إحجامي عن الكتابة ببساطة خوفاً من الفشل، وهو خوف مُبرر في كل تجربة أولى نقوم بها.

لم تكن رحلة النشر سهلة، كونها أول عمل لي من ناحية، ولأني أبقيت نفسي بعيدة قدر الإمكان من ناحية أخرى. إذ أردت للرواية أن تُقنع أحداً ما بها دون أن تكون لي شخصياً صلة مباشرة برفضها أو قبولها، ولذلك لم أطلب المساعدة في نشرها من أحد رغم كثرة الأصدقاء والداعمين. بل إني لم أخبر أحداً، حتى المقرّبين من العائلة، عن مشروع الكتابة نفسه قبل أن أكتب آخر كلمة من الرواية. أنهيت الرواية كاملة في آب/2020 وصدرت في آب/2022.

ليس لدي أيّ تصور واضح عن تلقّيها ولا أدّعي أنها قد تلقى القبول أينما حلّت، فهذه قطعية لا تنتمي لعالم الأدب وللذائقة الأدبية المتنوعة لدرجة لا يمكن حصرها. من ثم فإن عملية التلقي تخضع لمعايير خارجة تماماً عما يعتقد الأديب أنه يقدمه؛ فهناك دائماً فاصل بين ما أراده الكاتب وما أظهره، بين ما قصد الكتابة عنه وما تمكّن أخيراً من تصويره في سطوره. كل كتاب مُنجز هو القسم الظاهر من جبل الجليد، وفي التلقّي والتأويل أمامنا جبل الجليد بكليته.

أخيراً أردت أن أقدم في الرواية إهداء للأمهات، ثم تراجعت إذ فكرت أن عملاً يتحدث عن الجانب المظلم للأمومة ليس عليه التوجه للأمهات فحسب، بل أن يُهدى للجميع وأن يقع في كل يد، خاصة في يد من في حياتهم أماً؛ أمهاتهم، أمهات أطفالهم أو أية امرأة أخرى تخوض تجربة الأمومة للمرة الأولى أو السابعة.

ـــــــــــــ

هيفا نبي – كاتبة وروائية كردية من سوريا مقيمة في ألمانيا.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

رواية “ثوب أزرق بمقاس واحد”

أترك تعليق

مقالات
صدر مؤخراً عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة و منظمة الصحة العالمية دليل إرشاد فني عالمي؛ وفق وصف المنظمتان الأمميتان للدليل. تحسين جمع البيانات الإدارية بشأن العنف ضد المرأة واستخدامها: الإرشاد الفني العالمي Improving the collection and use of administrative data on vilence against women: ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015