جمعية “تعدد الزوجات” في اعزاز تُثير جدلاً بين السوريّات والسوريين
"جمعية تعدد الزوجات"

وكالات محلية وعالمية- تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، يوم أمس الاثنين، صوراً قيل إنها لجمعية افتتحت مؤخراً بإعزاز جمعية “تعدد الزوجات”، في ريف حلب الشمالي. وويظهر في إحدى الصور أعلام “الثورة السوريّة”، فيما حمل شعار الجمعية لوحة لرجل ومن حوله أربعة نساء. كما تظهر في صورة أخرى؛ مديرة الجمعية (أم عبد الله سعود) وفقاً لصحيفة القدس العربي، وأشارت الصحيفة في خبرها إلى أنها “حاولت الحصول على توضيح من الجمعية يشرح أهداف المكتب وآلية العمل المتبعة، لكن مديرة الجمعية أم عبد الله سعود، اكتفت خلال حديثها لـ»القدس العربي» بالإشارة إلى أن الإعلان عن كل التفاصيل سيكون عند افتتاح المكتب بشكل رسمي، بانتظار استكمال الترخيص من الجهات الرسمية.”

ولعل ما أثار الاستياء هو طريقة تقديم الجمعية لنفسها، من الشعار الذي يظهر ظلاً لرجل ضخم محاطاً بأربع نساء، مع أعلام المعارضة السورية. فقد أثارت أنباء افتتاح جمعية “تعدد الزوجات” في اعزاز شمالي حلب، جدلاً واسعاً، وسط تباين في الآراء بين قسم مرحب بالفكرة، وآخر اعتبر أن الهدف من الفكرة هو الربح المادي (مكتب خطابة).

الإعلامية “غصون أبو الذهب” شبهت جمعية “تعدد الزوجات”، بـ«المكاتب المخصصة للزواج والخطوبة». وترى الكاتبة في حديثٍ لها مع (الحل نت)، أن «المرأة بحاجة إلى تمكين اجتماعي واقتصادي ومهني وليست بحاجة إلى مكاتب زواج تستغل حاجتها من أجل لقمة العيش».

مُشيرةً إلى أن الجمعية «ليست حلاً للأرامل والمطلقات»، إن كان هذا هو الهدف منها. وتتمنى “أبو الذهب” لو أن هدف الجمعية كان ضمن مشروع دعم فئة الشباب المقبلة على الزواج ومساعدتهم بتأمين مصاريف الزواج. وخاصةً بهذه الظروف، نظراً لوجود نسبة كبيرة من الشباب غير قادرين على الزواج، على حد تعبيرها.

وتعتقد الإعلامية غصون أنه ليس من مهام الجمعيات والمؤسسات، أن تعمل عمل «الخطابين»، باعتبار أن هذا الأمر هو «حرية شخصية».

من جانبها، “ثريا حجازي”، عضوة في الحركة السياسية النسوية السورية، تؤكد لـ(الحل نت)، أن الزواج هو «مسألة شخصية للمرأة والرجل على حدِ سواء». أما خبر افتتاح جمعية “تعدد الزوجات” بإعزاز، لم يكن مُفاجئ بقدر ما كان مضحك، على حدِ تعبيرها. فيما شكّلت ردود الأفعال المؤلمة للنساء عبر التعليقات بالنسبة لـ”حجازي”، صدمةً أكثر من الحدث نفسه.

مُشيرةً إلى أنه عندما تطرح الجمعبة موضوع تعدد الزوجات، فهو يخص «نساء الشهداء والمعتقلين». وتابعت، «تلك النساء بالتحديد هن أكتر النساء اللواتي يستحقن أن نحافظ على كرامتهن، ونسعى جاهداً بأن لا يكن بحاجةٍ لأي شيء».

وتستغرب الناشطة النسوية كيف يتم تمويل مثل هذه الجمعيات. ويبدو أن الحاجة المادية التي أثرت على معظم السورييّن، قد يدفع بعض النساء لأن يكن زوجة ثانية أو ثالثة أو ربما رابعة، وهذه الجمعية «تستغل ظروف تلك النساء»، على حدِ وصف “حجازي”.

معتبرةً أن الجمعية «تجعل المرأة كسلعة، وأهانوها عندما سمحوا لنفسهم بتشكيل جمعية تنادي لـ”ستر” المرأة بهذا الشكل، تحت عباءة الأعمال الخيرية».

وأكدت أن الجميعة تخالف أهداف أعمال الحركات النسوية القائمة على تأمين حقوق المرأة وحفظ كرامتها وتحقيق استقلاليتها، وخاصة الاستقلال الاقتصادي. وذلك، من خلال إتاحة فرص عمل للنساء للعيش بظروف معيشية أفضل، بعيداً عن الأفكار النمطية التي يتم التسويق لها في المجتمع السوري.

الكاتب وليد بركسية؛ عبّر بدوره في مقالةٍ نشرها اليوم موقع جريدة (المدن) الإلكترونية قائلاً: “جمعية الأورجي الحلال” هي العبارة الأكثر فكاهة في “فايسبوك” و”تويتر” لوصف “جمعية تعدد الزوجات” التي تم إنشاؤها في إعزاز بريف حلب شمال سوريا، وانتشرت صور لها وشعاراتها بين السوريين المنقسمين سياسياً ليس فقط بين موالين ومعارضين بل دينياً أيضاً بين محافظين وليبراليين كتصنيفات فضاضة قد تكون غير دقيقة أصلاً لعدم وجود هامش من الحريات السياسية في البلاد قبل الثورة وبعدها، يجعل الأراء المكتوبة تتعدى خيبات الأمل من واقع البلاد المزري.

وأضاف على موقع (المدن): “لعل ما أثار الاستياء هو طريقة تقديم الجمعية لنفسها، من الشعار الذي يظهر ظلاً لرجل ضخم محاطاً بأربع نساء، مع أعلام المعارضة السورية. ولا تأتي خيبة الأمل بالتالي من وجود الجمعية أو تعدد الزوجات، لأن ذلك يبقى طبيعياً في دول الشرق الأوسط التي يتداخل فيها الدين بالسياسة، بل تأتي فقط من فقدان الشعور بالانتماء لهذه الشعارات “التجارية” التي باتت مرتبطة بأيديولوجيا إسلامية عطفاً على استخدامها من قبل مليشيات معارضة مسلحة غلب عليها الطابع الجهادي أو حتى الشخصيات السياسية في الهيئات “الرسمية” كالائتلاف المعارض وغيرها، ممن صدروا أفكاراً شديدة المحافظة لا تشبه دعوات التحرر السياسي/الاجتماعي التي كانت عنواناً للثورة السورية قبل 10 سنوات.”

ويتابع بركسية في موقع (المدن): “ربما تشكل هذه النوعية من الجمعيات، بالتوازي مع طيف من الذكريات المرتبطة بلافتات رفعت مراراً وتكراراً حول حشمة النساء وشرف العائلة وغيرها، رداً من قبل الهيئات المعارضة أو مليشيات نافذة وغيرها على الجمعيات النسوية التي تتواجد في شمال سوريا وتعاني من قمع متواصل، كان آخرها في شهر آب/أغسطس الماضي في خطبة بمدينة إعزاز نفسها ألقاها رئيس المجلس الإسلامي السوري الشيخ أسامة الرفاعي، شن فيها هجوماً على النساء السوريات العاملات في منظمات المجتمع المدني، واصفاً إياهن بـ “المجندات من الأمم المتحدة ومراكز الكفر والتضليل لإفساد الشباب والنساء”، بموازاة حملة شارك فيها أعضاء في الائتلاف المعارض ضد الناشطات السوريات أيضاً.”

يضيف بركسية: “وطوال سنوات تم استهداف الناشطين المدنيين في مناطق المعارضة سواء بالاغتيال أو الاعتداءات الجسدية والاعتقال وتشويه السمعة. ولا يمكن نسيان ما تفوه به الحقوقي السوري من خطاب معيب بحق الناشطة المغيبة قسرياً منذ سنوات، في حزيران/يونيو الماضي، والتي دافعت عن حقوق الإنسان في البلاد بغض النظر عن أي انتماءات أيديولوجية وسياسية، وأصبح وصفها بأنها امرأة متحررة، شتيمة للانتقاص منها، من باب أنها يجب أن تلتزم بحدود المقبول في البيئة المحافظة دينياً، حتى لو كانت ناشطة حقوقية تتفق مع تلك البيئة في الموقف السياسي المعارض من النظام الحاكم.”

رغم أن الجمعية أنشئت في مناطق المعارضة، فإن مسألة حقوق المرأة السورية ترتبط تاريخياً بقانون الأحوال الشخصية في سوريا، الذي أراد النظام تغييره العام 2009 لكن التعديلات المقترحة حينها أوقفت بسبب ضغط وزارتي العدل والأوقاف ومجموعة من رجال الدين، والذين اعترضوا على المس بأن يكون القانون تكريساً للفقه الإسلامي في البلاد، وأشار المعلقون إلى هذه الحادثة بكثافة، للقول أن النظام أراد دائماً الحفاظ على علاقته الجيدة مع رجال الدين، السنّة بالتحديد. وذكر حقوقيون أن الوزراتين رفضتا حينها تعديلات شكلية، مثل تسمية عقد النكاح بعقد الزواج، وهو نصر صغير تحقق في تعديلات بسيطة طالت القانون العام 2019.

وحتى اللحظة لم يتم إقرار الزواج المدني في سوريا، ومازالت المرأة السورية المسلمة ممنوعة من الزواج برجل من دين مختلف لأن ذلك “حرام شرعاً”، بينما يقبل زواج المرأة المسيحية برجل مسلم. ولا يكفل القانون السوري للنساء، زيادة في النفقة بعد الطلاق ولا يمنع الطلاق التعسفي ولا يعطي النساء حق المساواة في الميراث ولا حضانة الأطفال في حال الطلاق، ولا يمنع تعدد الزوجات، وكلها مطالبات يكررها التيار العلماني في البلاد.

تظهر الأرقام الرسمية على قلتها تفاقماً لأزمات الزواج الثاني في السنوات العشر الماضية. وقال مصدر قضائي لوكالة “سبوتنيك” الروسية العام 2019 أن نسبة 40% من الزيجات التي تم تسجيلها منذ العام 2011 حينها كانت لرجال تزوجوا من امرأة ثانية. فيما قال القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي لوكالة “فرانس برس” أن نسبة تعدد الزوجات في سوريا بلغت 30% في العام 2015 مقابل 5% فقط في 2010. ويتحدث خبراء عن عوامل اقتصادية واجتماعية أفرزتها الحرب في البلاد من ضمنها هجرة الشباب والتجنيد الإجباري، ما حول البلاد حسب النكتة المتداولة إلى “كوكب للبنات فقط”.

في مناطق المعارضة لا تتوافر الكثير من الأرقام للأسف، لكن النساء السوريات في العموم يبقين مستضعفات من قبل منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية يتحكم بها الدين بالدرجة الأولى. وإن كانت مناطق الإدارة الذاتية أصدرت قانوناً بمنع تعدد الزوجات، فإن ذلك يبقى حالة فردية تثير اتهامات للأسف للأكراد من قبل حتى معارضين بأنهم “انفصاليون” و”يروّجون لمشاريع هدامة”.

ولا تزال الصورة النمطية للمرأة محصورة في سوريا بـ«الزواج والسترة»، بعيداً عن حاجاتها وطموحاتها. في حين، يتحجّج الرجال اليوم من الذين يرغبون بتعدد الزوجات، بأن النساء أكثر من الرجال، وأحياناً يكون الزواج للمرة الثانية أو الثالثة بذريعة «مساعدة الأرامل والمطلقات».

وغالباً ما تنعكس مسألة تعدد الزواج سلباً على العائلة ككل، ولا سيما على الزوجة الأولى والأطفال، فضلاً عن آثارها السلبية على المجتمع؛ وخاصةً من الناحيتن النفسية والجسديّة. وعندما تطالب المرأة اليوم بالمساواة والعدالة ضمن المجتمع، فهذا لا يعني أنها بذلك قد تلغي دور الرجل. كما يأتي ذلك في وقتٍ يكمن فيه واجب الجمعيات والمنظمات والحركات النسوية بشكلٍ خاص، في حفظ كرامة المرأة من خلال تمكينها ودمجها بالمجتمع وفي سوق العمل.

مكتب لـ«تعدد الزوجات» تديره امرأة

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
كيف تتعامل الأماكن العامة مع أجساد النساء؟ وكيف يُعاد إنتاج الجندر والهوية الجندرية من خلال المكان؟ وكيف يُعاد خلق الثنائيات وتطهير ممارسات الأفراد من خلال الفصل والجمع والتقريب والمباعدة بين أجسادهم المختلفة؟ تقدّم الباحثة والمخطّطة المدينية جنى نخّال قراءة نسويّة لإنتاج المكان في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015