رؤية العنف من منظور تقاطعي: الأردن حالة
نسوية تقاطعية!

هبة الحياة عبيدات/ ammannet- رغم ما تشير له بعض الدراسات العربية في سياق إطار دراستها لواقع العنف ضد المرأة، يقتصر التركيز على العنف الموجه من قبل الرجل، وعلى أهميته، يتم تناسي دراسة مسبباته أو المنظومة السياسية والاقتصادية التي تحكم هذه الأطر، وهو ما يتضح في استبعاد الكثير من الدراسات الصادرة عن المنظمات النسوية، العنف الاقتصادي والاجتماعي الواقع على المرأة، مكتفية بالعنف الجسدي واللفظي، عدا عن ما يلعبه الإعلام في تنميط أشكال العنف وتبرئة النظام السياسي من الهشاشة الاقتصادية والسياسية التي بلورها على مدار سنوات عدة ضد الجنسين مع تفاقمها بشكل أكبر ضد المرأة.

ويأتي ذلك في ظل أن الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة الصادر عام 1993 ورد فيه أن “هذا العنف قد يرتكبه مهاجمون من كلا الجنسين أو أعضاء في الأسرة أو العائلة أو حتى الدولة ذاتها.”

وما يخشى هنا هو منح صكوك براءة لأي منظومة سياسية مسؤولة بالشكل الرئيس عن أي سياسات اقتصادية وسياسية همشت وضاعفت العنف الواقع على المرأة، بل وكانت أحد أطرافه الرئيسية.

فمثلاً؛ عند الحديث عن التحديات يتم الاكتفاء بتعداد التالي، المفاهيم والمعتقدات والسلوكيات السلبية تجاه ضحايا العنف، محدودية التأمينات الاجتماعية للنساء، وعدم كفاية الخدمات والمراكز المتخصصة لمعالجة النساء المعنفات وتأهيلهن، والتمويل المخصص للمؤسسات للوقاية من العنف.

لكن الإعلان العالمي لمناهضة العنف يعرّف العنف الممارس ضد المرأة بأنّه “أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”. 1

أما صندوق الأمم المتحدة للسكان فيعرف العنف على أساس النوع الاجتماعي عام 1998 “بالعنف الذي يكون فيه الرجل والمرأة معنيان، والذي ينتج عن عدم التوازن في علاقات السلطة بين المرأة والرجل. يكون العنف موجهاً مباشرة ضد المرأة لأنها إمرأة، أو يمس المرأة بدرجات متفاوتة، ويتضمن فيما يتضمن الممارسات النفسية والجسمية والجنسية (التهديد، التعذيب، الاغتصاب، الحرمان من الحرية داخل الأسرة وخارجها)، وقد يتضمن أيضاً الممارسات التي تقودها الدولة أو الجماعات السياسية”.

إن الاشارة إلى هذه التعريفات تكمن أهميته في محورنا وهو التركيز على “التقاطعية النسوية” في فهم العنف الواقع على المرأة، بحيث لا يتم فصله عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل ولا يكون مقتصراً على مطالب فئة واحدة من فئات المجتمع، وبالتالي الاستناد على إطار تحليلي للسلطة التي تمارس أشكال القمع في سياساتها.

طوّرت الباحثة النسوية كيمبريلي وليامز كرينشو مصطلح “التقاطعية النسوية” في عام 1989، والذي كانت تهدف منه؛ توظيف تقاطع أشكال التمييز والاعتماد عليها في مطالبات العدالة السياسية والاجتماعية. 

وقد تفرض بعض الأدبيات ضرورة مراجعة الفكر النسوي في الأردن، أو حتى عربياً، من خلال تطوير بعد نظري يتواءم مع الواقع العربي، مثلاً أوجدت كلوديا جونز من الاشتراكيين السود في الولايات المتحدة الامريكية في ظل حراكهم، نظرية “الاضطهاد الثلاثي” والتي حاولت من خلالها إيجاد صلة بين أنواع وأشكال الاضطهار لتشمل ” الطبقية، والعنصرية والتحيز الجنسي”، وبالتالي فإن محاربة العنف لا يتم إلا من خلال محاربة أشكال الاضطهاد الثلاثة دفعة واحدة. 2

ما قامت به كلوديا جونز هو تركيزها على الأكثر عرضة للقمع والاستغلال من خلال بناء منظور فكري أكثر تعقيدًا “للاضطهاد الثلاثي للنساء السود”، وبالتالي رأت أنه ومن أجل تحرير جميع العاملين، يجب تحرير الأكثر ظلمًا أولاً.

ما تثيره نظرية كلوديا، ليس تشابه واقع العنف الذي تعانيه المرأة الأردنية والعربية عامة، لكن يكمن بأن كلوديا وضعت إطاراً فكرياً ومنظوراً مختلفاً عن مطالب الحركات الأخرى لأنها وجدت أن تلك الحراكات لم تعبر عن واقع المرأة السوداء وما تتعرض له من اضطهاد ثلاثي يختلف تماماً عن الاضطهاد الذي تتعرض له النساء الأخريات.

وهو ما يبرز ضرورة إيجاد منظور عربي لرؤية العنف الواقع على المرأة ضمن المنظومة السياسية إن كانت في سياق احتلال، أو ثورة، أو نظام دكتاتوري وتقاطعه مع أشكال العنف الأخرى الواقعه كنتيجة “للنظام الأبوي”.

وفيما بعد صاغت الناشطة وعضو الحزب الشيوعي لويز تومسون باترسون في ثلاثينيات القرن العشرين مصطلح «الاستغلال الثلاثي» لوصف الاضطهاد المتعلق بالطبقية والجندر والعرق؛ والذي تعاني منه النساء السوداوات على وجه التحديد. 3

أي أن الاصرار على تطبيق نموذج واحد للمطالب النسوية والتي يفرضها بعض المانحين، لا تعالج واقع العنف على المرأة العربية أو الأردنية، فاختلاف المنظومة السياسية والبيئة والمناخ السياسي يفرض ايجاد منظور فكري عربي يرى تحديات المرأة والعنف الواقع عليها ضمن هذا الواقع السياسي والاحتكاك به وعدم فصله عن مطالبها.

تصرّ الحكومات على تأطير العنف الواقع على المرأة من خلال دوائرها، بتأطيره بالعنف المرتكب من قبل الرجل على سبيل المثال، فمثلاً؛ صرحت إدارة حماية الاسرة في مديرية الامن العام في الأردن أن العنف الأسري خلال فترة حظر التجوال في جائحة كورونا الذي استمر أكثر من شهر ونصف في الأردن زادت نسبته في أول شهر من الحظر 33% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وإدارة حماية الأسرة هي دائرة تابعة لمديرية الأمن العام وبتقوم بتلقى شكاوى العنف الأسري.

ووفقاً لبياناتها التي نشرت في الاعلام بلغ عدد حالات العنف الأسري التي تعاملت معها إدارة حماية الأسرة أكثر من 10 آلاف حالة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي، تضمنت تلك الحالات 1806 حالة عنف أسري ضد المرأة، وتناست أن منظومة تقديم خدمات وآليات الحماية كانت قاصرة نتيجة للحظر، في ظل غياب نظام العدالة، وتعطيل المحاكم حتى في القضايا الشرعية المرتبطة في العلاقات الأسرية (طلاق، طلب الطلاق، طلب الحضانة، طلب النفقة كانت قاصرة).

وعلى سبيل المثال أيضاً في الأردن، عند تعرّض المرأة لعنف أو تهديد لحياتها من أحد أفراد أسرتها، يحتم عليها اللجوء إلى أحد دوائر النظام السياسية، يتم ايداعها في أحد دور الإيواء وحبيسة بها، تذرعا بحمايتها بينما يبقى الجاني والفاعل حر طليق.

وبالتالي، فهم واقع العنف ضد المرأة لا يمكن فصله عن الواقع السياسي في كل دولة عربية، ولربما تفرض واقع الأرقام ضرورة مراجعة الدراسات وإعادة بناء نظريات تؤطر طرق معالجة هذا العنف، وإيجاد أرضية سياسية لإعادة النظر في المنظور النسوي في معالجة كافة أشكال العنف الواقع على المرأة ضمن المنظومة السياسية ووضع حلول وآليات مختلفة ومنسجة مع واقع ما تعانيه الدول العرببية ونظمها السياسية، فما تعانية المرأة العربية ما هو إلا “عنف مركّب” لا يتم معالجته بشكل أحادي لإحدى المسببات دون غيرها.

ولعل أبرز مثال من الممكن رؤيته من منطلق نسوي تقاطعي هو واقع المزارعات في الأردن خلال حظر التجول مثلا أو حتى ما يسبق حظر التجوال في ظل جائحة كورونا، فبالاضافة إلى ما يعانيه القطاع الزراعي والعاملين فيه نتيجة غياب منظومة سياسية تحمي حقوقهم، تعاني العاملات في الزراعة ظروفا اقتصادية صعبة، إضافة الى عدم اشراكهن بالضمان وغياب أدوات الصحة والسلامة المهنية على الرغم من خطورة المواد التي يتم التعامل معها وصعوبة ظروف العمل في هذا القطاع، بالاضافة إلى عنف آخر يتمثل في التحرش والنظام الأبوي الذي يدفعهن للعمل في الزراعة لادرار الدخل، يأتي هذا في ظل غياب نظام العاملين في الزراعة والذي نص عليه القانون منذ عام 2008، لتعود الحكومة وتقوم باقراره في عام 2021، لكن الواقع الذي عايشته عاملات الزراعة في الأردن في غياب هذا النظام حتى عام 2021 ومع إعلان الحكومة الأردنية عن إجراءات احترازية لمواجهة جائحة كورونا، من ضمنها حظر التجوال والتنقل، مما أدى إلى توقف وسائل النقل العام، أدى هذا إلى إلحاق الضرر بعمال وعاملات الزراعة ومنهم من الوصول إلى أماكن العمل، جميعها عوامل عززتها ومارستها السلطة من خلال دوائرها.

وهذا يطرح التساؤل الهام في هذه المرحلة، إلى أي مدى تشكل مطالبات المنظمات النسوية إطاراً شموليا للمرأة العربية؟ ما تزال العديد من مؤسسات المجتمع المدني تركز مطالبها على تدابير القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة، في أمور الزواج، والطلاق، والوصاية، والولاية على الأبناء، لكن في سياقات متباينة لا تعكس كافة فئات مطالب المرأة في المجتمع الأردني بشكل تقاطعي.

في ورقة بحثية لسارة عبابنة حول إعادة التفكير في فكرة “قضايا المرأة” بالاستناد إلى دروس من الحركات الشعبية والعمالية في الأردن من عام 2006 إلى الآن، وتوصلت عبابنة خلال الورقة البحثية إلى أن خطاب حقوق المرأة في الأردن لم يتمكن من الوصول إلى المطالب والمخاوف التي أثارها المتظاهرون من الذكور والإناث من الحراك في 2011/2012 وكانت غير مرتبطة بالنساء. موضحة أن أسباب ذلك لم يكن فقط نتيجة لتدخل الدولة في الحركة النسوية، بل نتيجة التحولات في كيفية ممارسة الخطابات الدولية حول حقوق المرأة من قبل المؤسسات والناشطين، بل وظهرت ثلاثة تحديات وفق الدراسة. أولاً ، فشل الناشطون في مجال حقوق المرأة في التضامن مع النساء في الحركات الشعبية، وبالتالي فشلوا في معالجة أكثر القضايا إلحاحًا التي تواجهها هؤلاء النساء. ثانيًا ، يؤدي ذلك إلى عدم تسييس شؤون المرأة من خلال الفشل في معالجة هياكل السلطة الأوسع التي تهمش النساء. ثالثًا، من خلال رفض القضايا المجتمعية باعتبارها غير مرتبطة بالمرأة. 4

لا شك أن النظام السياسي في الأردن والقوانين الناظمة للحريات تواجه الكثير من الانتقادات شعبياً، وهي سبب رئيسي لا يمكن تجاهله في شبه انعدام مشاركة المرأة في التحركات السياسية مؤخراً والتي وإن أقحمت نفسها بها ستجد نفسها أمام قوانين مقيدة إضافة إلى التابوهات التي تشكل عائقاً أيضاً.

وهو ما يعني إلى أن حتى العنف السياسي لا يقتصر على غياب مشاركة المرأة في المناصب السياسية، وإن أي حصر للعنف السياسي ضمن هذه السياق فقط، ما هو إلا تسطيح لكافة فئات المرأة وما تعانين من اضطهاد سياسي ممنهج أودى بهن إلى البعد عن ساحة الانخراط في الحراكات الشعبية والتعبير عن آرائهن والانخراط بالعمل السياسي بشكل يخلو من أي مضايقات سياسية وأمنية ومجتمعية، وأهمها استدعائها لدوائر أمنية وتهديدهن بالمجتمع وغيرها من القضايا التي تحمل أبعاد جنسية.

وبالتالي رغم وصول المرأة في المنطقة العربية إلى عدة مناصب قيادية إلى أن هذا لا يبدو أنه قد خرج من الاطار التكميلي التجميلي لدور المرأة، الذي يواكب التوقيع على الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى تحقيق المساواة بين الجنسين.

في النهاية، إن مواجهة المرأة للعنف ضدها لا يمكن أن يتم استئصاله من إطار ما تعانيه الدول العربية سياسياً واقتصادياً، وهو ما يتطلب إزالة كافة أشكال المنظومة التشريعية المقيدة للحريات السياسية والتي تكرس أشكال التمييز الاقتصادي وغياب منظومة للحماية الاجتماعية التي تقع على عاتق الدولة.

وبالتالي الحل يكمن بإيجاد منظور تقاطعي للعنف الواقع عليها، من نظام سلطوي، وسياسات اقتصادية، بالإضافة إلى العنف بسبب النوع الاجتماعي، وهو ما يفرض إيجاد آليات من منظور فكري عربي يأخذ بعين الاعتبار شكل النظام السياسي وتبعاته السلطوية إلى جانب النظام الأبوي للخروج بقواعد اشتباك تغطي جميع فئات المرأة ومطالبهن والأكثر عرضة للاضطهاد. 

……

الهوامش

  ” إعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة”، اعتمدت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 48/104 المؤرخ في 20‏ كانون اﻷول/ ديسمبر ‎1993‏ https://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/ViolenceAgainstWomen.aspx  

2  Lynn, Denise (2016) . “Claudia Jones’ Feminist Vision of Emancipation”https://www.aaihs.org/claudia-jones-feminist-vision-of-emancipation/ 

3  Lynn, Denise (2014). “Socialist Feminism and Triple Oppression: Claudia Jones and African American Women in American Communism”. Journal for the Study of Radicalism. 8 (2): 1–20. doi:10.14321/jstudradi.8.2.0001JSTOR10.14321/jstudradi.8.2.0001.

4  Ababneh, Sara (2020). “The Time to Question, Rethink and Popularize the Notion of ‘Women’s Issues’: Lessons from Jordan’s Popular and Labor Movements from 2006 to now”, Journal of International Women’s Studies Volume 21 Issue 1 . https://vc.bridgew.edu/jiws/vol21/iss1/21/ 

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

نسوية تقاطعية!

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
كيف تتعامل الأماكن العامة مع أجساد النساء؟ وكيف يُعاد إنتاج الجندر والهوية الجندرية من خلال المكان؟ وكيف يُعاد خلق الثنائيات وتطهير ممارسات الأفراد من خلال الفصل والجمع والتقريب والمباعدة بين أجسادهم المختلفة؟ تقدّم الباحثة والمخطّطة المدينية جنى نخّال قراءة نسويّة لإنتاج المكان في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015