في نقد “النسويّة الإسلاميّة”
(النسوية الاسلامية)

د. نادية هناوي/almadapaper- ظهرت في ثمانينيات القرن العشربن كثير من التوجهات النسوية التي تبنت طروحات مختلفة، منها ما هو نمطي يحاول إظهار الصورة التاريخية للهيمنة الذكورية، ومنها ما هو علمي يتبنى التحليل العابر للثقافات من أجل استكشاف وتقويم المفاهيم المتعلقة بالمرأة.

ولا شك في أنّ النظرة العلمية تكسب النسوية عموميتها، ونعني بالعمومية فردية المرأة في استقلال كيانها أولا وفي اندماجه بالكل النسوي الذي لا يماهي فردية المرأة داخله؛ بل يفرزها كياناً تتلاقي في خصوصيته عمومية النسوية بالمجموع آخراً.

ومن الوسائل العلمية التي بها تتمكن النسوية من تأكيد عمومية فكرها رفضها التخصيص في علاقتها الروحية بالأديان. هذا التخصيص الذي كثيراً ما يؤلِّب على النسوية الرأيَ العام ويجعلها موضع مقت، وبسببه تُزدرى توجهاتها البحثية، ليس لأن المرأة هي التي تتبناها، وإنما لتدين تلك التوجهات أيضا. ومنها ما سُمي بـ(النسوية الإسلامية) كحركة ظهرت مطلع تسعينيات القرن العشرين مع المد الإسلامي المتشدد واُختلف حول ماهية ما تكونه وهل هي نقيض النقيض أو وسيلة نحو غاية لا يخفى ما فيها من تطرف عن مسائل النسوية العربية والعالمية؟.

وأغلب اللواتي أردن أن يظهرن بمظهر المتحررات لم يكن من الإسلام في شيء؛ بل كن ضده، وبعضهن الآخر كان تبعاً للذكورية في النظر للمرأة، موطدات بقصد أو من دون قصد مآرب التمركز الذكوري لكنهن أيضا حققن لأنفسهن في ظرف وجيز شهرة ما كن يحلمن بتحقيقها.

وعلى الرغم مما أخذته(النسوية الإسلامية) من صدى إعلامي وما لاقته من دعم؛ فإنها لم تفد النساء ولم يكن لها أي أثر في واقع المرأة الاجتماعي والثقافي الراهن، والسبب التضخيم المقصود والمتحيز الذي يتظاهر بالوقوف إلى جانب المرأة بينما هو يعاديها في الصميم.

وكثير من الباحثات اللائي انجررن وراء هذا التوجه وانتمين لـلنسوية الإسلامية لم يحققن على المستوى الثقافي سوى مزيد من تبرم الرأي العام من إسلاميتهن التي هي أقرب إلى الإيديولوجية منها إلى الدين، ومن ثم لا هنّ أفدن النظرية النسوية ولا هنّ عززن الصورة الإسلامية للمرأة.

هكذا غدت النسوية الإسلامية صورة مفبركة ومكذوبة لأمرين:

الأول: أنها ليست من النسوية في شيء. والثاني: أنها ليست من الإسلامية في شيء.

إذ ليس المقصود من مجئ الباحثة النسوية إلى ميدان الدرس الإسلامي تعميق تفقهها الذي فيه إعلاء لقيمة المرأة في مجتمعها؛ بل هو في الغالب التمرد خرقا وانتهاكا وتجاوزا على المواضعات الإسلامية وأعرافها المجتمعية والإعلان عن عدم الاحترام والتظاهر بالشجاعة بينما الحقيقة هي البحث عن الشهرة السريعة وجذب الأضواء الساطعة. وكلما كان تمرد المرأة المنتمية إلى النسوية الإسلامية قويا وجريئا وساخنا كانت الشهرة أسرع إليها. والصدمة الأشد أن الكاتبات اللواتي انتمين للنسوية الإسلامية أغلبهن مهاجرات وجدن في الغرب ملاذا وانتمين له لاجئات ومنفيات مفيدات من حيز الحرية الشخصية والليبرالية الفكرية، من أمثال افصانه نجم أبادي ونيره توحيدي وزيبامير حسني.

ونتساءل بعد مضي ثلاثين عاما على نشوء النسوية الإسلامية:

هل استطاعت النسوية أن تتحرر من كونها حركة سياسية؟ وهل تمكنت الداعيات لها أن يرسِّخن ـــ بتمردهن وشطح أفكارهن ــــ موضعا لهن في تاريخ النسوية؟ وما الفائدة التي جنتها المرأة المسلمة والنسوية العربية؟ وكيف تجني المرأة الفائدة والنسوية توجه لنفسها ضربة تطعن فيها لب توجهاتها، منفِّرة منها العموم ومضيِّقة مجالها بالتضليل والخداع والاتهام والنبذ.. وليس بالتفكّر والاستدلال والانفتاح والتشارك؟.

وبالرغم من محاولات(النسوية الإسلامية) نشر مسائل العقيدة التي بدت مريبة في تزامن أبحاثها، فإن ما حملته من انحراف وتمرد جعل جهودها تذهب أدراج الرياح. هذا إن لم تكن قد أساءت إلى النسوية وعزلتها في زاوية ضيقة، تتقلص فيها قيمتها الاعتبارية البحثية والفكرية مفتقدة بعضاً من احترامها، وخاسرة الموالاة العاطفية والدعم المعنوي اللذين هي بأمس الحاجة إليهما من أجل القيام بمهامها على أحسن وجه.

ونظرة متفحصة في الغايات التي بها يتم إستكتاب باحثين على وفق اعتبارات إسلامية نسوية سيتضح لنا أنّ المرأة في هكذا نوع من الأبحاث الأكاديمية ليست هي الغاية لوحدها كما أن النسوية قد تضيع أحيانا في خضم متاهات أيديولوجية وتوجهات عقائدية تضر بكينونتها أكثر مما تنفعها. وهو ما قد يفيد بعض التيارات والحركات التي تبغي بهذا التقييد للنسوية بالسمة الإسلامية ضرب حركات وتيارات أخرى تختلف في أفكارها معها وتتعارض معها في رؤاها.

ومن الأبحاث التي اهتم أصحابها بدراسة النسوية الإسلامية البحث الموسوم(النسوية الإسلامية قراءة في النقد ونقد النقد) وفيه يقف الباحث أحمد عبد الحليم عطية في البدء مشككاً في جدوى (النسوية الإسلامية) مؤكداً أنّ “لهذه النسوية شكلين من النقد: نقد وجهته النسويات المسلمات لأنفسهن، ونقد تقدمه الناشطات المسلمات من غير النسويات للنسوية الإسلامية”.

لكنه سرعان ما يبتعد عن التشكيك ليذهب في طريق توكيد المفهوم النسوية الإسلامية،، متعمّقاً في الحديث عن جدوى هذه النسوية التي يصفها بتيار يحدّد توجهاته وغاياته بشكل واضح ومتميّز ومختلف عن التيارات النسوية الأخرى، كونه نشط في السياق العالمي لحركة المساواة العالمية التي انبثقت عن المنظمة النسائية الماليزية (أخوات في الإسلام) عام 2008.

ثم ينتقل الباحث فجأةً إلى تاريخ الفلسفة مبتدئاً بسيمون دي بوفوار ومارا بماري الن وايث ولوسي ايرجاري وماري دالي؛ متحدّثاً عنهنّ كأشهر الفيلسوفات النسويات، ومقصده كشف التوجّه الذكوري المعادي للنسوية، ليقول بعد ذلك: “يسعى الفيلسوف المسلم والفلسفة الإسلامية للتغلّب على أهواء النفس.. كما نجد أن الفلسفة النسوية تروِّج للمرأة المثالية التي تتأمل في تجاربها الذاتية، لكشف جذور الظلم”.

فمن يقصد يا ترى بالفيلسوف المسلم؟ وهل توجد للنسوية فلسفة إسلامية؟ أو أن للثقافة الإسلامية مبرراتها التي تجعلها في غنى عن فلسفة نفسها؟.. أليست دعوات كثيرٍ من الإسلاميين تصبّ في الضدّ من مصالح النسوية الإسلامية؟.. من قبيل اتهامها بالامبريالية الثقافية، وأنها أداة من أدوات الحرب على الإسلام ووسيلة لتوكيد الاستعمارية انطلاقاً من رؤية كونية تنتقد اعتقاد المرأة بظلم الرجل لها وإضعاف بنية الأسرة. وهل تمكّنت النسوية الإسلامية أصلاً من إنتاج معرفة بديلة من أجل تغيير الواقع وطرح الأفكار السائدة على طاولة النقاش، باعتبار المرأة ذات معرفيّة أو ذات عارفة قادرة على إنتاج المعرفة العقلانية، كأساس من أسس المعرفة وكرأسمال معرفي موضوعي؟

طبعاً لا واقع عملياً، يمكننا منه أن ننطلق للإجابة عن هذه الأسئلة، فكل الأنظمة المطلبية والحقوقية أثبتت قلّة ثمارها، وأنّ تحرير المرأة ينبغي أن يكون معرفياً بوصف المعرفة نظرية تجريبية ومبحثاً من مباحث الفلسفة مثلها مثل الوجود والقيم. وإلا كيف سنفهم هذه الهبَّة نحو النسوية الإسلامية وهذا العدد من الباحثات اللائي هنّ في أحيان كثيرة لسن منظّرات معرفيّات وحسب؛ بل كنّ متهمات بالتورّط والذاتية أيضاً!.

ومن الباحثين المعاصرين الذين كانت لهم رؤاهم الفكرية بخصوص النسوية الإسلامية فهمي جدعان في كتابه (خارج السرب بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية) وعدَّ (النسوية الاسلامية) تغريداً خارج السرب، مجترحاً مفهوم (النسوية الإسلامية الرافضة) وعدّه مصطلحاً يتنصّل عن الإسلام ومفاهيمه السمحاء بسبب ما أضفي عليه من سمة سياسية أو إيديولوجية أبعدته عن السمة الدينية والتاريخية، وفق رأيه.

في البدء يتساءل الباحث جدعان عن أحقّية تسمية المرأة التي تريد أن ترتد عن الإسلام اسم مفكرة إسلامية أو نسوية إسلامية؟

وإذا كان د. جدعان يرى من وجهة نظر النسويات الاسلاميات إمكانية تقبّل المفهوم بايجابية، فإن العكس سيكون مع وجهة نظر عامة المسلمين؛ بوصف المفهوم شكلاً من أشكال التحدّي والاستفزاز. وسنرى أن المفهوم يظلّ واحداً عند الطرفين محمولاً على محمل ديني، لكن بسلبية وجهة النظر الخاصة بالنسويات الإسلاميات وإيجابية وجهة النظر العامة. وما نراه هو أنّ في استعمال مفهوم النسوية الإسلامية تمريراً للشطح والتمرّد من خلال اتخاذ المرأة ستاراً، فضلاً عن جعل النسوية في منأى عن المحاسبة..

ووجهة النظر النسوية الإسلامية هذه تسوّغ جعل الدين نفسه منطلقاً ومرجعيةً أوليّة يوجّه للنسوية عملها على وفق منهج إعادة القراءة أو التأويل للنصوص القرآنية وللتاريخ الإسلامي. والبُغية انجاز قراءة جديدة للإسلام على وفق منظور نسوي يتصوّرنَ أنه قرآني وإسلامي.

وإذ يبرر الباحث عملية تشكّل النسوية الاسلامية التي وصفها بالرافضة بما تعانيه المرأة من (عمليات القمع المستمر لحرية التعبير في البيئات الإسلامية وعند الأفراد أو الجماعات أو الجمعيات التي تُمارسها صورةً طاردة للإسلام في زمن الحرية.. وأنّ مفكّري الإسلام ودعاته ووعاظه وعلماءه باتوا عاجزين عن الحوار والنقاش والمناظرات السلمية الآمنة التي برع فيها قدماؤهم)، غاب عن ذهن الباحث أنّ هناك نسوة باحثات يكتبن عن حرية المرأة وإصلاح واقعها وهنّ في بلدانهنّ معتدلات لا شاطحات في دعوة فكرية ولا مشوّهات معتقدات معيّنة، وبعضهنّ يتحدث عن أساليب قد تتعارض مع بعض المرجعيات الدينية، فيقعن تحت طائلة المحاسبة ومع ذلك تجدهنّ قويّات ثابتات لا يحتجن المساندة الغربية ليعبّرن عما يُردن من الحقوق وليعرضن ما يتطلّعن إليه من أهداف.

ويظل مفهوم النسوية الإسلامية مائلاً لا يمكن له أن يستقيم، فلا هو بالمصطلح ولا هو بالتسمية ولا هو بالتوصيف ولا هو بالمنهجية ولا هو بالحركة أو التيار.

(النسوية الاسلامية)

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ليلى علي/aljazeera- نظرا لأن المديرات من النساء هن أمهات مسؤولات عن صغارهن في أغلب الأحيان، فإن ذلك ينعكس على أدائهن كقائدات في أماكن العمل. حيث يؤكد تقرير صادر عام 2020 أجري على عينة قوامها 5388 شخصا، أنه نظرا لكون النساء يقمن بتدريب صغارهن بشكل أفضل، فإن الموظفين الذين يعملون تحت ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015