المرأة السورية في ظل الحرب وتناقضات الادعاء
المرأة السورية في ظل الحرب

سيدة سوريا- في الوقت الذي نقرأ فيه على وسائل الاتصال الحديثة، ونشاهد على التلفاز برامج التوعية ومقالاتها، يتكئ على الجدران ظهر امرأة ما زالت تعيش العنف بأبشع وأقسى صوره، تعجز عن نيل أبسط حقوقها، وأعني بذلك التعليم.

في سوريا، وفي زمن الحرب، لا يكفي المرأة ما واجهته من خسارات تسببت بها الحرب، فهي مضطرة لمواجهة أقسى أنواع المعاملة، من أقرب الناس إليها وأكثرهم معرفةً بمعاناتها!

خمس سنوات من الحرب جردت المواطن السوري عامة، والمرأة السورية خاصةً من أجمل ما كانت تمتلكه، السكن، العمل، الاستقرار المادي والاقتصادي والاجتماعي طبعاً.

لقد حمّلت الحرب المرأة هموماً إضافية، وأوزاراً أيضاً. فحتى الحرب ومع كل ماحملته في أجوائها من نسف لكل طرق حياتنا، لم تستطع الإطاحة بالعادات والتقاليد البالية التي عفّى عليها الزمن، ولما نتجرأ أن نعفّي عليها بعد!

ما زال الرجل يعتبر نفسه قواماً على المرأة التي تربطه بها قرابة الدم أو عقد الزواج، وما زال يمارس حقه في حرمانها من أبسط حقوقها كالتعليم والعمل. ففي الوقت الذي ظهرت فيه المنظمات التي تُعنى بحقوق المرأة والطفل في المدن التي تأثرت بالحرب، نرى أن النساء، وبنسبة لا يستهان بها، يُحرمن من حقهن في الالتحاق بالمراكز التي تخصصها تلك المنظمات لتعويض ما تم خسرانه بسبب الحرب، هذا المنع يتم بحجة الخوف، أو العادات، ومن المفارقات المؤلمة أن تتم الموافقة على مشاركة المرأة في العمل المأجور، وحرمانها من التعليم! فإلى متى تظل معرفة المرأة وعلمها كابوساً مقلقاً للرجل؟ وإذا كان السماح لها بالعمل لدواعي الحاجة الاقتصادية يتم، فما هو السبب الرئيس الذي يتسلح به الرجل لمنع ذهابها لمراكز التعليم، أم أننا نريد لهذا الكائن البشري أن يظل مغيباً عن جمال المعرفة ومستقبلها الأضمن؟

إن التعليم واكتساب الشهادات العلمية حق للجميع، بل وضرورة في ظل هذه الظروف التي هيأت المرأة نفسياً واقتصادياً لاكتسابها، ويجب علينا توفير كل الظروف المتاحة أمام المرأة لنيل ذلك الحق، لأننا بذلك نهيّئ الفرص للأم والأخت والزوجة للقيام بدورها الفاعل في تمكين نفسها من تعليم أولادها ومساندتهم أيضاً، بل ومساعدة الرجل في ظل الظروف القاسية التي يعيشها المواطن السوري في وطنه بسبب الحرب.

هي فرصة جديدة للنهوض بالمجتمع من خلال أهم ركائزه وأسماها، ونعني بذلك المرأة، التي ما زالت قادرة على القيام بدورها وبأقوى صور الحضور والممارسة العملية.

إن المرأة التي استطاعت أن تستوعب قسوة الحرب هي ذاتها القادرة على تعويض عائلتها إن هي أعطيت مكانتها الحقة في التعليم والعمل معاً، وهذا مانطمح إليه في هذه الأيام التي علمتنا أن مواجهة المعاناة تكون بالتعاون والمساعدة من جميع الأطراف، دون أن توقفنا بعض المفاهيم الخاطئة التي لم تنتج إلا الجهل والفقر والكثير من الأخطاء.

ألم يخبرنا العظماء أن: الأم التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها!

لا يمكن أن تُبنى الثورة على مفاهيم منقوصة ومشوهة، كما لا يمكن أن تُبنى على ما يروق للرجل. نحن أمام تغيير وانقلاب يجب أن يكون شاملاً لكل المفاهيم التي قوضت تقدم المجتمع السوري وحدّت من تطوره، والمرأة السورية عانت الحرمان من حقوقها عبر ردح لا يستهان به من الزمن، ولا نغفل عن تواجدها في ساحات المعرفة والعلم، ولا ننسى وصول آخر صرعات الموضة إليها، لكن وللحق نقول: ما زال الفكر المنغلق والنظرة الدونية يلاحقها، في كل مكان تتواجد فيه، وما زالت بعيدة عن كل الأجواء المعافاة التي يجب أن تعمل أو تتعلم بها.

والمتابع لوضع المرأة السورية الراهن سيلاحظ تراجعاً وتدهوراً كبيراً لحق بها، من جراء الحرب، فحتى الجامعات والمدارس التي كانت ترمم بعض النقص في جهلها أغلقت في وجهها وباتت مستحيلة، وبات ما يمكن أن يعوضها قليلاً: بعض البرامج التعليمية التي تشرف عليها بعض المنظمات العالمية التي انتشرت في المحافظات السورية، والتي تعتبر معظم برامجها تعويضية أكثر مما هي تأسيسية. لكن ومع ماتحمله تلك البرامج من فوائد كبرى يواجهك تزمُّت وتذمُّر بعض الأسر التي تفضل إرسال أبنائها، وتمتنع عن إرسال بناتها.

لم يعد خافياً في السنوات الخمس العجاف الأخيرة التي مرت بالمواطن السوري أن العمل االمشترك والروح التعاونية هما ما يخفف عبء الأثقال التي حملها سيزيف القرن الواحد والعشرين السوري، وأن المرأة التي صانت بيوتاً غاب عنها الرجل بسبب الحرب، وعملت ما لم تعتد العمل به هي ذاتها من يبدع في العلم، ومن يستحق أن تقدَّم له كل الفرص المتاحة من أجل دعمها ومساندتها بشهادات علمية تخفف وطأة العمل اليدوي القاسي الذي يتعدى على إنسانيتها، وأنوثتها معاً. نذكر قبل الحرب كمدرسين أن الفتيات أثبتن قدرتهن الكبيرة وإبداعهن في العديد من المجالات العلمية التي تفوقن فيها.

لا نكتب هذه الكلمات لنزيد حجم التشاؤم من المستقبل الذي ينتظرنا، لكن بدافع الرغبة في تجاوز كل العقبات التي يمكن أن تنتظرنا، أو هي قائمة بالفعل، وندرك عبر قراءة بسيطة للتاريخ الأممي، أن العلم كان أساس بناء جميع الحضارات التي بنيت بعد الحروب، وليس العادات أو الموروث الاجتماعي البائد، وأن نهضة أي أمة من الأمم تكون بتثقيف وتعليم أبنائها الذين يمثلون أسس حضارتها القادمة. ومن يقرأ التاريخ جيداً سيدرك أن المرأة كانت وما تزال أهم الركائز التي ساعدت في تطور تلك الحضارات وازدهارها، فهل نتعلم؟ وهل نقرأ؟

إن نشر الوعي الجماعي لدى الأسر هو أهم ما يمكن أن يساعد لتجاوز ذلك الإرث القديم الذي ما زالت شوائبه باقية في أذهان الكثيرين. ولا أظن القضية مستحيلة، بل تحتاج لتمرين بسيط على تقبل الأفكار الجديدة بروح ثورية، تطيح بما لم يفدها أو يغني تقدمها يوماً، ونحن هنا نتفاءل بالجيل الجديد الذي عاش تجربة الحرب بمرارتها وخذلانها العالمي، وعاش تجربة اللجوء والنزوح والتشرد. وقد قيل ويقال دائماً: إن الألم يولد العبقرية، ونحن نريد لذلك الألم أن يولد عقولاً ناضجة ومنفتحة ومتعلمة، فهذا أهم ما نحتاجه ونسعى إليه.

المرأة السورية في ظل الحرب

المرأة السورية في ظل الحرب

أترك تعليق

مقالات
خاص (تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية)- بعد عقودٍ من نضال النساء السوريات للوصول إلى حقوقهنّ، ما زال طريق النضال طويلاً مع فجوة هائلة في الحقوق الاقتصادية والمشاركة السياسية. ورغم تكثيف جهود المؤسسات النسوية والنسائية منذ بداية الحرب السورية في العام 2011 ،ورغم الدعم الدولي الظاهر، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015