ادعاء المساواة تكريسًا للتمييز
الاتحاد العام النسائي في سوريا

مية الرحبي/مايكروسيريا- لم أكن أرغب حقيقة في التعليق على مرسوم حلّ الاتحاد النسائي الذي صدر مؤخرًا، لأن أي فعل من نظامٍ، يقتل شعبه غير مُستغرب ولا يستحق أي نقاش، إلا أن التعليقات والآراء التي تلته من “المصادر المسؤولة” في النظام والتي تطابقت مع آراء من هم في واجهة المعارضة السورية جعلت ربّما من الضروري التعليق على الموضوع.

إن حلّ الاتحاد النسائي، بمرسوم جمهوري، يثبت ما كنا نردده منذ سنوات طويلة، بأن الاتحاد ليس منظمة شعبية تهدف للدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها، بل هو -كغيره من المنظمات التي أنشئت في ظل دولة البعث- منظمة شكلية لا تهدف إلا للتصفيق والتهليل لإنجازات السلطة.

تأسس الاتحاد العام النسائي عام 1967، وكان همّه، بالدرجة الأولى، “تنظيم طاقات المرأة وتوحيد نضالها تحقيقاً لأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي والثورة، في بناء المجتمع الاشتراكي الموحد”، وذلك كان الهدف الأول من إنشائه، كما يرد في قانونه الأساسي، وليس الدفاع عن مصالح النساء وحقوقهن التي ترد شكليًا في أهدافه اللاحقة.

واقعيًا لم ينجز الاتحاد النسائي سوى منجزات محدودة، كإلزام المعامل والمؤسسات بإنشاء دور حضانة لأطفال العاملات، وإقامة دورات محو أمية، ودورات لتعليم المهن اليدوية، كان أغلبها شكليًا وغير مجد، لكنه قام بدوره على أكمل وجه، في منع أي نشاط مدني نسوي يمكن أن يناصر قضية المرأة، أو التضييق على ذلك النشاط، وذلك بتسمية نفسه -بحكم الصلاحيات المعطاة له من السلطة الحاكمة- وصيًا يناط به “رسم سياسة الجمعيات النسائية القائمة وتوجيه نشاطها وتطويرها بما يتفق وأهداف الاتحاد تمهيدًا لانضواء سائر فاعليات المرأة في المنظمة” (هدف 111). ولعل إجابة رئيسة الاتحاد النسائي، في مقابلة لها (في جريدة الثورة السورية في 22 شباط/ فبراير 20011) عند سؤالها عن سبب عدم توقيع سورية على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) بقولها “لأن عدم توقيع الاتفاقية حتى الآن لا يسبب أي مشكلة، فالمرأة في سورية لا تعاني أي تمييز في ظل الحقوق التي نالتها”! لخير مثال على الدور الذي قام به الاتحاد العام النسائي في سورية! علمًا بأن سورية وقّعت على الاتفاقية، بعد ذلك عام 2002 مثل بقية الدول العربية، بتحفظات مجحفة نسفتها من أساسها.

على ذلك، فإن حل الاتحاد النسائي هو خطوة إيجابية، لإلغاء هذه الكيانات الشكلية التي كلفت الدولة مصاريف، كانت تدفع لمكاتب وعاملات ومعاملات لا طائل منها، لولا التفسيرات اللاحقة التي تلت المرسوم وتدل على العقلية الذكورية المريضة التي لا همّ لها سوى تشويه الواقع والتلاعب بالحقائق، هادفة للإبقاء على وضع النساء المتردي، والتمييز ضدهن، والعنف المطبق عليهن.

يرِد في التصريحات “المسؤولة” أن حلّ الاتحاد النسائي: “هو تكييف للقوانين مع الدستور ومواده…. فالدستور لا يسمح بتمييز المرأة وتنظيمها في منظمة قائمة على معيار الفرق بين الجنسين، فلقد أكدت الفقرة الرابعة، من المادة الثامنة في فصل المبادئ السياسية، على أنه لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب أو تجمعات سياسية على أساس ديني أو طائفي أو قبلي أو مناطقي أو فئوي أو مهني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون..”، وبذلك يعتبر المصدر “المسؤول” أن أي منظمة نسائية هي حزب أو تجمع سياسي، لا منظمة مدنية تهدف إلى الدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها.

ويتابع المصدر نفسه: “المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجمعيات، هيئات تضم المواطنين.. ومفهوم المواطن لا يخضع لجنس الإنسان ذكرًا أم أنثى، لذلك فإن قيام أي منظمة شعبية على أساس الجنس لم يعد مقبولًا”؟ وهذا يعني أن كل شعوب ودول الكرة الأرضية، تخالف منطق النظام السوري، عندما تسمح بقيام جمعيات نسوية تدافع عن حقوق النساء، وأن تلك المنظمات مخالفة للدستور، لأنها تميز بين المواطنين، وكأنه لا تمييز بين المواطنين لا في قوانين الأحوال الشخصية ولا الجنسية ولا العقوبات ولا في غيرها من مواد قانونية، بل حتى في قوانين النقابات المهنية التي تميز بين أعضائها على أساس الجنس، وكأنه لا يوجد كذلك تمييز ضد المرأة سياسي واقتصادي ومجتمعي وصحي وتعليمي وثقافي.

يُشير المصدر المسؤول بالطبع إلى أن حل الاتحاد “هو اعتراف واضح بانتهاء المرحلة التي تمّ فيها إعداد المرأة السورية للمراحل اللاحقة؛ حيث تفتح آفاق المساواة الكاملة. ففي سورية وصلت المرأة، إلى مستوى السلطات السياسية، إلى مناصب عليا تنافس فيها الدول المتطوّرة، فهي في وقت واحد نائب لرئيس الجمهورية، ورئيسة السلطة التشريعية، ناهيك عن المهام والمناصب الأخرى” ومن المعروف أن تلك الواجهات النسائية السياسية تستخدمها جميع النظم الاستبدادية المتخلفة للظهور بمظهر تقدمي حضاري زائف، يوحي بأن المرأة حصلت على حقوقها في البلد المعني، وللأسف تخطو المعارضة السورية على خطوات النظام في تعيين شخصية نسائية، كنائبة للرئيس، تغطي بها نفس النظرة الذكورية المتخلفة التي ترفض وجود ومشاركة حقيقة فاعلة للمرأة في صفوفها، كحال الانتخابات الأخيرة للائتلاف التي خلت فيها الهيئة السياسية من أي تواجد نسائي، اعتقد الائتلاف أنه يمكن له تغطيته بتعيين امرأة نائبة للرئيس.

كما ورد في التصريحات “المسؤولة” فكرة عبقرية تُعدّ فتحًا في مفهومات المجتمع المدني، عندما أشار المصدر إلى أن “إنهاء التمييز التنظيمي يعزّز التوجّه لإنهاء التمييز المجتمعي”! فهل يعني ذلك أن وجود العمال، في نقابة تمثلهم وترعى مصالحهم، هو تمييز لهم عن باقي المواطنين؟

لا حاجة للتعليق على غباء هذه التصريحات وعدم فهمها للمبادئ التي تؤسس عليها المنظمات المدنية، والتفريق بينها وبين التنظيمات السياسية، فالمنظمات المدنية هي منظمات مستقلة غير حكومية، تقوم بدورها كوسيط بين المواطن والدولة، وتهدف إلى تجميع فئات معينة من الشعب ضمن منظمات تشكل جماعات ضغط على الدولة، من أجل تحقيق مصالح الفئة التي تمثلها، في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على توعية تلك الفئات بحقوقها وأهمية تعاضدها للحصول على تلك الحقوق، بالإضافة إلى مساهمتها في التنمية والتقدم.

ويصل المصدر “المسؤول” أخيرًا إلى مبتغاه من كل هذه الأفكار العبقرية، متفقًا بذلك مع جميع الطروحات الذكورية لدى الكثير من واجهات المعارضة السورية برفض مفهوم “الكوتا” النسائية عندما يقول: “لذلك فإن التفرقة الشكلانية في هذه المرحلة، بمعنى أن يكون للمرأة منظمة شعبية، سوف تعزّز الشعور بالتمييز وعدم المساواة، بينما المطلوب هو القضاء على هذا الشعور. وهكذا تنتهي تمامًا فكرة “الكوتا” التي هي أيضًا فكرة تمييزية، ربما تصلح للمجتمعات المتخلّفة التي لا تستطيع فيها المرأة الوصول إلى المسؤوليات، بشكل طبيعي قائم على المساواة، أما المرأة في سورية فقد أصبحت أكثر حضورًا في جميع المجالات”.

ويضع المصدر المسؤول حلًا عبقريًا عندما يقترح “تعزيز حركة التنمية الاجتماعية القائمة على أساس المجتمع الأهلي وهيئاته، وارتباط ذلك بالوزارة المختصة -الشؤون الاجتماعية والعمل- وهذه الجمعيات سوف تعزّز دور المجتمعين الأهلي والمدني… مع التركيز على تعزيز النهوض بدور المرأة والطفل في المجتمع، وتقوية ثقافة العمل الطوعي والتضامن الاجتماعي، لكن دون أن تقوم هذه الجمعيات على أساس الجنس حصرًا”.

ولا أدري هنا ما الذي يعنيه ذلك المصدر عندما يدعو إلى تعزيز المجتمع الأهلي خاصة أنه ميّزه من المجتمع المدني. هل يعني ذلك تعزيز البنى العشائرية مثلًا، أم ماذا؟ ولاحظوا أن الاقتراح يتضمن العقلية الشمولية التسلطية نفسها، إذ يجب أن ترتبط جميع الجمعيات بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

المشكلة الحقيقة التي تتجلى بوضوح لدى ممثلي النظام السوري، والتي نرى تجليات لها لدى كثيرٍ من ممثلي المعارضة السورية أيضًا هي في:

  • عدم إدراك المفهومات الأساسية لبنية المجتمع المدني وعلاقته بالدولة.
  • عدم فهم الدور المهم المناط بمنظمات المجتمع المدني.
  • التعامي عن حقيقة أن النساء هن نصف المجتمع ومن الطبيعي أن يشاركن مناصفة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
  • عدم الإيمان بالمساواة بين المرأة والرجل، وهي جزء لا يتجزأ من المواطنة المتساوية.
  • التلاعب بالألفاظ والمفهومات والمصطلحات، لتبرير إبقاء النساء خارج دوائر صنع القرار.
  • التغطية على عدم وجود المرأة وجودًا فاعلًا في مراكز صنع القرار، بوضع واجهة نسائية غير فاعلة.
  • التعامل بشك وريبة مع مفهوم “الكوتا” النسائية، ويظهر واضحًا خشية الرجال الموجودين في مراكز صنع القرار من أن تسلبهن النساء عن طريق “الكوتا” حقًا تاريخيًا طالما تمتعوا به، وعدم تفهم “الكوتا” النسائية كإجراء مؤقت يهدف إلى تشجيع الحضور النسائي في مراكز صنع القرار، وتعويضهن عن الغبن التاريخي الذي لحق بهن، بإقصائهن عن الشأن العام والقرارات المتعلقة بمستقبلهن ومستقبل شعوبهن وبلدانهن.

لا عتب على النظام في كل ما يقوم به ويصرح به، ولكن العتب الشديد على واجهات المعارضة السورية التي لا تختلف عنه أبدًا، عندما يتعلق الأمر بالنساء وحقوقهن.

الاتحاد العام النسائي في سوريا

الاتحاد العام النسائي في سوريا

أترك تعليق

مقالات
زينة أرمنازي/ أبواب- خلال بضع سنوات من الاغتراب طرأ تحولٌ كبير في المفاهيم لدى السوريين ولدى النساء خاصةً، سلباً أو إيجاباً، المهم أنه حدث بالفعل. ونتج عن هذا تغيير كبير في قناعات ومعايير اجتماعية عدة، كانت تقيّد بعض الأشخاص في إظهار هويتهم الاجتماعية. فما هي تلك القناعات الجديدة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015