الحقوق الثقافية والاجتماعية للمرأة في سورية بين الواقع والمأمول
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمرأة

ياسمين العينية/ وكالة أخبار المرأة- تعتبر الحقوق الثقافية والاجتماعية من الحقوق المكفولة في الدساتير والمواثيق الدولية والتشريعات الوطنية للمرأة والرجل على حدّ سواء؛ لما لها من أهمية في بناء المجتمع وتطوير قدراته مما يقتضي الاستفادة من كل الطاقات الكامنة في المجتمع وتفعيلها بالشكل الصحيح، ومن الحقوق التي ينبغي معرفتها مثل الحقّ في التعليم والثقافة، والحقّ في الرعاية الصحية، وحقّ التوعية القانونية وغيرها.

تعدّ قنوات التعليم والثقافة صمّام أمان للتنمية الثقافية وأكثر الآليات دفاعاً عن حقوق الإنسان، وعلى هذا فقد اهتمّت الأمم والشعوب وشدّدت على حقّ الإنسان بدون تمييز على أساس النوع الاجتماعي في التعليم، ونادت بها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وأكّدت عليها، فقد نصّت المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر عام 1948 على حقّ التعليم.

حيث تذكر الفقرة (1) من المادة (26) أنّ : ” لكلّ شخصٍ حقّ في التعليم، و يجب أن يتوفّر التعليم مجاناً على الأقل في مرحلته الابتدائية والأساسية، و يكون الابتدائي إلزامياً، ويكون التعليم الفني والمهني متاحاً للعموم، ويكون التعليم العالي متاحاً للجميع تبعاً لكفاءتهم …”. وهذا البند تراعيه الدولة السورية في السلك التعليمي، وتقول الفقرة (2) من نفس المادة المذكورة سابقاً أنّ: “يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان”، و هنا نجد ضعفاً في تفعيل هذه الفقرة عبر المناهج التعليمية أو عبر السنوات الدراسية في سورية.

من المعضلات الحقيقية لحقوق الإنسان هي المشاكل الجوهرية في الثقافة و التعليم، ومن هنا جاء الربط بين التعليم وحقوق الإنسان، فالتعليم يفتح نوافذ العقل ويضيء دروب المعرفة ويعزّز الحقوق والحريات في المجتمع، ويكون أداةً فاعلة في اجتثاث جذور الظلم ويصبح وسيلةً لنشر قيم الخير والعدل والسلام.

ولابد من ذكر الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم الصادرة في 14 ديسمبر عام 1960، وبدأ العمل فيها عام 1962، والتي تعد من أشهر الاتفاقيات التي صدرت عن اليونسكو في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية، حيث جاء في المادة (3) من هذه الاتفاقية: ” أن تلتزم الدولة بإلغاء وإزالة كلّ نصّ تشريعي أو تنظيمي وكلّ إجراء إداري ينطوي على التمييز في مجال التعليم، سواء فيما يتعلّق بالدخول إلى المؤسسات التعليمية أو تقديم المساعدة لها”.

ولقد أضاف إعلان اليونسكو عام 1966 معانٍ جديدة لهذا الحق، تشمل الاعتراف بالهوية والقيم الثقافية لكلّ شعب، والمساواة بين الثقافات، وأنّ لكلّ ثقافة كرامة وقيمة يجب احترامها والمحافظة عليها، وحقّ وواجب كلّ شعبٍ في تنمية ثقافته.

كما أن إعلان القضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة عام 1967؛ نصّ في المادة (9) منه على: “أن تُتّخَذَ جميع التدابير المناسبة من أجل كفالة تمتّع الفتيات والنساء المتزوّجات أو غير المتزوّجات بحقوقٍ مساوية لحقوق الرجال في ميدان التعليم على جميع مستوياته”.

نعود لذكر أسباب ضعف مشاركة المرأة في التعليم وخاصةً في الأرياف السورية:

بالرغم من القوانين الصريحة والتي تشدّد على كفالة الدولة في حقّ المواطنين المتساوي في التعليم وضرورة توفير فرص متساوية للجميع، وكذلك المحاولات في دفع عجلة المجتمع نحو محوّ الأمية إلا أنّ النظرة النمطية للمرأة والموروث الثقافي والاجتماعي الذي كوّن نظرة مجتمعية اتجاه المرأة حدّد في الأذهان قدرات المرأة، وحصر هذه القدرات وقيّدها في صورةٍ نمطية صعبة الكسر خاصّةً في المجتمع الريفي، وأيضاً الأوضاع الاقتصادية المتردّية كانت لها تأثير سلبي على الذكور والإناث على حدّ سواء في الحصول على تعليمهم الكافي، وكلّ ما سبق أدّى إلى عدم إتاحة فرص التعليم الكافية للمرأة، وبلغ معدّل الأمية في سورية 14.2 بالمئة من عدد السكان من عمر 15 سنة فأكثر وفقاً لإحصاءات المكتب المركزي للإحصاء لعام 2007. وتظهر الإحصاءات أن نسبة الأمية مرتفعة لدى الإناث أكثر من الذكور كما يشهد الريف انتشاراً للأمية أكثر من الحضر، وسجلت أعلى نسبة انتشار للأمية في المحافظات الشرقية بسبب الظروف الاجتماعية واهتمام السكان بالزراعة حيث بلغت في الرقة 29.1 بالمئة من سكان المحافظة وفي دير الزور 26.8 بالمئة من سكانها وفي الحسكة 22.5 بالمئة من سكانها، بيد أن الانخفاض في الأمية تبلور فعلياً على أرض الواقع مع إعلان محافظات القنيطرة والسويداء وطرطوس في عام 2008 محافظات خالية من الأمية. ‏

إن معالجة الإشكاليات التي تحدّ من تمتّع المرأة بحقوقها الاجتماعية والثقافية هو الطريق الأمثل لتحقيق نهضة تنموية شاملة، ومن ذلك نقترح آليات إشراك المرأة في التنمية الاجتماعية والثقافية: تشريعياً؛ عن طريق تعديل النصوص التشريعية التي فيها تمييز ضدّ المرأة بما في ذلك هيمنة النصّ الذكوري في النصوص القانونية (جندرة الدستور)، مع تشديد الحماية القانونية للمرأة؛ وذلك من خلال تعديلاتٍ في قانون الأحوال الشخصية بشكلٍ جدّي مبني على آراء مختصين بمشاركة بين المؤسسات الحكومية والغير حكومية ويراعي احتياجات المجتمع المحلي والمدني، أما تنموياً؛ وضع خطة وطنية شاملة جدّية للقضاء على الأمية وتكثيف برامج محو الأمية، الاهتمام بمشكلات الفئات الهامشية والفقراء وتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم والتعليم والعلاج والعمل والاستقرار، العمل على برامج للتنمية الريفية في المحافظات السورية، وأيضاً إعلامياً نستطيع العمل على تغيير الخطاب الإعلامي والتربوي من خلال كسر الصورة النمطية القائمة على التمييز على أساس النوع الاجتماعي وإزالة ذلك من المناهج التعليمية، ودعم وتشجيع تعليم الفتاة وإعطاؤها بعض الحوافز المادية والمعنوية المشجعة، التوسّع في بناء منشآت تعليمية في الأرياف، الإقلاع عن الاهتمام الموسمي بالمرأة والسعي إلى تحويل هذا السلوك إلى ممارسة يومية، البحث عن السبل المناسبة للحيلولة دون تسرّب الفتيات من المدارس بفعل الزواج المبكر والتوعية بأهمية تعليم الفتاة وزيادة وعيها والإرشاد حول مضار الزواج والإنجاب في سن مبكرة.

إن المجتمع لن ينهض ولن يحقق ما هو مأمول منه من ارتقاء وتقدّم وتنمية بيدٍ واحدة، وإنما يرتقي بمشاركة كلتا اليدين على حدّ سواء، ولا يتمّ هذا النهوض ونصف المجتمع يعاني من التحيّز والدونية بفعل التقاليد الموروثة الاجتماعية التي تخصّ المرأة، وهذا لن يتأتى دون أن تتضافر الجهود الرسمية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني بتعريف المجتمع بحقوق المرأة والسعي للوصول لها بكافة السبل المتاحة، كما أنّ من واجب الحكومة السورية أن تسعى إلى تفعيل النصوص القانونية وفرض سيادة القانون وتذليل كلّ الصعوبات التي تقف عائقاً أمام تمكين المرأة من حقوقها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي كفلها القانون والدستور والمواثيق الدولية المُصادِقة عليها سورية.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمرأة

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمرأة

أترك تعليق

مقالات
هبة الصغير/ منشور.كوم- «وجدت عددًا من الرسائل تتوافد عليَّ، مئات الرسائل. تصل الرسالة الواحدة إلى 12 و14 صفحة. جميعها من نساء يحكين آلامهن ويصفن قهر الرجال والأزواج لهن. وقتها أحسست بالضيق، لم أشعر بالفخر مطلقًا، بل بالضيق» هكذا سردت الروائية الأمريكية «مارلين فرنش»، في فيلم ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015