“الدونية”.. الكتاب الذي يحارب التمييز الجنسي بالعلم
كتاب “الدونية” أنجيلا سايني

feministconsciousnessrevolution- عندما يواجه الشباب والشابات في سن أصغر الصور النمطية الجندرية التي تتنكر كمعلومات علمية، فإن أنجيلا سايني تريدهم/ن أن يكونوا مسلحين بالحقائق. “أنا أسمي كتابي بالذخيرة”، كما تقول عن كتابها الحائز على عدة جوائز والذي يتكون من 288 صفحة (الدونية: القوة الحقيقية للمرأة والعلوم التي تظهرها).

“هناك أشخاص يصرّون على أن التفاوتات التي نراها في المجتمع بطريقة أو بأخرى ليست فقط نتاجاً للتمييز التاريخي الذي تعرّضت له المرأة، ولكن أيضاً بسبب العامل البيولوجي -أي فكرة أن هناك عوامل بداخلنا تجعل الرجال أو النساء أفضل في بعض الأشياء من غيرها“.

كَتبتُ كتاب “الدونية” لإثبات أنه “في الواقع ، العلم لا يدعم وجهة النظر التمييزية هذه. أعتقد أنه من المهم أن نفهم الحقائق العلمية بتجرد. نحن بحاجة إلى تلك الذخيرة لمواجهة الأخطاء الغريبة التي تنتشر داخل وخارج العلم حول الفروقات الجندرية”.

بالنسبة للعالمات اللاتي سئمن من معاملتهن كما لو كانت أدمغتهن هي الاستثناءات الفردية بين جنسهن، فإن “الدونية” بالنسبة لهن هو أكثر من مجرد كتاب. إنها صرخة معركة – وفي الوقت الحالي، له تأثير مذهل على قاعدة المعجبين/ات الأساسية.

في 31 يوليو / تموز ، كتبت الدكتورة جيسيكا واد، عالمة فيزياء بريطانية، 270 صفحة في ويكيبيديا و بشكل سنوي لرفع صور و قصص العلماء من الإناث، جيسيكا واد أطلقت حملة للتمويل الجماعي لإرسال نسخة من كتاب” الدونية” إلى كل مدرسة ثانوية مختلطة في إنجلترا تضم أكثر من 1000 تلميذ.

خلال يومين، جمعت الحملة اكثر من 2000 جنيه إسترليني. ووصلت قبل أسبوعين إلى هدفها الأصلي البالغ 15000 جنيه إسترليني، وكانت قد اقتربت من نحو 20.000 جنيه إسترليني – وهو رقم يسمح بإرسال الكتاب إلى كل مدرسة حكومية في البلاد كافة.

“لا يوجد ما يتمناه المرء أكثر من أن يستلهم الناس من عمله”، تقول سايني، 37 عاماً، وهي صحفية علمية حائزة على العديد من الجوائز، والتي بدأت عملها لأول مرة بأبحاث و دراسات حول الاختلاف بين الجنسين، عندما كتبت عن “انقطاع الطمث“ لدى صحيفة الأوبزرفر. “ما تقوم به جيسيكا واد يعني الكثير بالنسبة لي. آمل لو أن كتابي فعلا استطاع تمكينها، وأن يمكن الشابات الصغيرات، والرجال أيضًا “.

والرسالة الأساسية التي تأمل أن يخلص إليها قرائها هي أنه لا يوجد شيء في العلم يشير إلى أن المساواة غير ممكنة. “نحن لسنا مختلفين مثلما تجعلنا مظاهر عدم المساواة في مجتمعنا نعتقد. مثلاً حتى الآن، هناك أشخاص يقولون أننا يجب ألا نضغط من أجل المساواة بين الجنسين لأننا لن نرى ذلك أبدًا لأسباب بيولوجية.“

على سبيل المثال، يعتقد الكثير من الناس أن هناك اختلافات نفسية كبيرة في الوعي المكاني، أو التفكير الرياضي أو المهارات الكلامية بين الرجال والنساء، في الواقع، هذه الاختلافات ضئيلة، وهي جزء بسيط من الانحراف المعياري و من الناحية النفسية لا تكفي الاختلافات بين الجنسين لفرض مظاهر عدم المساواة التي نراها في مجتمعنا اليوم.”

“الدونية” ليس كتاباً للأطفال به معلومات خيالية. بل يتضمن سرداً مباشراً لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية ويفحص عمداً عدداً كبيراً من الدراسات الأكاديمية بتفاصيل جادّة. ولكن، على غرار كتب الأطفال الأكثر مبيعًا، Goodnight Stories for Rebel Girls و Great Fantastically Women Changes the World، يمكن لكل هذه الكتب أن تلعب دوراً مهماً في تحطيم القوالب النمطية الجنسانية للجيل القادم من العلماء وعالمات الرياضيات المحتملين. سايني واثقة من استجابة المراهقين لها.

“لقد استجابت الفتيات والفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 14 عاماً للرسالة بشكل فعلي، و في الحقيقة كلما كان بالإمكان إيصال هذه الرسالة إليهم بشكل مبكر و أسرع، كان ذلك أفضل”. تذكر سايني: “كنت الفتاة الوحيدة في فصول العلوم والرياضيات في المدرسة. و حتى لو لم يتم ذكر ذلك بشكل صريح، فإن كونك أقلية – خاصة أن تكون الممثل الوحيد للأقلية – يجعلك تعتقد بشكل أقوى أنه قد توجد بعض الاختلافات بين الجنسين.”

لقد غيّرت الأبحاث و كتابة الكتاب بشكل كلي ما تشعر به حيال نفسها، لقد أدى إلى تكسير “الصور النمطية التقليدية” عن النساء. “لقد جعلني أنظر إلى العالم بشكل مختلف. و هذه هي قوة العلم.“

في أحد أكثر الفصول إثارةٌ للصدمة، تنقل”سايني” خطاباً كتبه تشارلز داروين يقول فيه إن النساء أقل فكرياً من الرجال. لما كتب داروين ذلك كان في الحقيقة يعكس ما يعتقده المجتمع. لقد رأى أن النساء لا يحقّقن الحد الأدنى من الإنجازات لذا عاملنا بالطريقة التي تعامل بها مع ملاحظاته حول الأسود أو الطاووس في البرية. لقد فكّر قائلاً: هذا إذن يعكس الحقائق البيولوجية“.

حتى في ذلك الوقت من التاريخ، أشارت المثقفات المعاصرات لداروين إلى أن هذه النظرية تجاهلت الكثير من العوامل التاريخية والثقافية الواضحة، لكن داروين فشل في أخذ حججهم بعين الاعتبار. “لقد كان القيام بالتحقيق أمراً مرهقاً له، وهو أمر يثير الدهشة، لأنه لم يكن عالماً كسولاً. كان عادةً شخصاً مجتهداً وحريصاً للغاية“. رغم هذا ما زلت معجبة به على كلّ ما قدّمه للعلم و الإنسانية. “حتى أفضل العلماء يمكن أن يقعوا في هذا الفخ المتمثّل في النظر إلى العالم من حولهم والتفكير: الأشياء هي ما عليه بسبب طبيعتها”.

تشير الكاتبة سايني إلى أنه بعد كل شيء، و على افتراض أن علماء القرن التاسع عشر يمكن أن يكونوا متحيّزين، إلا أن كون علماء القرن الحادي والعشرين كذلك أيضاً أمراً يبدو غير منطقي أبداً. “لهذا السبب، في الكتاب، أنا لا أنظر فقط إلى العلم، ولكن إلى العلماء أنفسهم“.

سلسلة كريستين هوكس، والتي تشير أبحاثها إلى أنّ النساء بعد سن “انقطاع الطمث” لعبن دوراً حيوياً في زيادة عمر الإنسان، قوبلت بمقاومة شديدة من بعض العلماء الذكور، إلى روبرت تريفرز الذي، كما توضح سايني، استخدم أدلة من تجربة معيبة في عام 1948 على ذبابة الفاكهة، عندما جادل بشكل واسع بأن الرجال مُعَدّون بالفطرة بإحتمال أكثر من النساء.

“كثير من الناس – وخاصة العلماء – ينظرون إلى العلوم على أنها موضوعية وعقلانية تماماً. لكن الأسئلة التي يختار الباحثون طرحها والإجابات التي يتوصلون إليها تتأثر بشدة بافتراضاتهم المسبقة.” في بعض فقراته يُظهر الكتاب افتقاراً عجيباً من الاحترام من جانب العلماء الذكور تجاه عمل من عاصروهم من النساء، “يجب التأكيد بأن العلم لن يتحسّن ولن يتقدّم أكثر ما لم نفهم أن لدينا جميعاً تحيّزات، وأن هذه التحيّزات تؤثر على نتائج أبحاثنا”.

منذ نشره في عام 2017، باع كتابها 20000 نسخة، وفاز بجائزة: الكتاب العالمي للفيزياء، وأثار حركة فكرية عالمية في نادي الكتب “STEMinist” بين العلماء النسويات والتقنيات والمهندسين/المهندسات والرياضيين/ات. تقول سايني إنها تلقت أيضاً وبشكل مفاجئ ردود فعل إيجابية حول هذا الموضوع من جايميس ديمور، وهو مهندس برامج في Google كان قد احتل العناوين الرئيسية العام الماضي عندما كتب مذكرة بحثية تفيد بأن الاختلافات البيولوجية هي السبب وراء انخفاض عدد النساء في مجال التكنولوجيا.

تعلّق سايني: “نحتاج إلى حجج علمية لمواجهة تلك التصريحات ذات الدوافع السياسية”. “هذه الحجج تهمنا بشكل شخصي، من حيث كيفية تفكيرنا في أنفسنا، ولكن أيضاً من الناحية السياسية. لا يمكننا أن نتحلى بالرضا و أن نصمت بعد الآن. هناك حركات في جميع أنحاء العالم تحاول استعادة حقوق المرأة – حقوق جاهدت من أجلها أمهاتنا وجداتنا بقوة.”

تقول جيسيكا واد إن الكتاب أعطاها “كل هذه القوة. حينما تقرأه تصبح كل الأدلة بين يديك. يمكنك مناقشة ذلك“.

أقامت جيسيكا بنفسها حملة التمويل الجماعي للكتاب لأنها تشكك في احتمال أن تشتريه مدارس الفتيات الخاصة من أجل مكتباتها، وتريد مستقبلاً أن يحصل طلاب المدارس الحكومية على نفس إمكانية الوصول إلى الكتاب.

تشدّد جيسيكا وايد على أن “قراءة هذا الكتاب عند الإقبال على خوض شهادة الثانوية العامة أو مسابقة المستويات” أنها “هي الوقت المثالي، لأنّه في هذه المرحلة تتخذ الطالبات قرارات من شأنها التأثير على حياتهن المهنية بأكملها. و أنا أريد أن تدرك الفتيات أنه بإمكانهن فعل أي شيء“.

يخطط الممثل دانيال رادكليف و نجم سلسلة أفلام “هاري بوتر” و صديق جيسيكا وايد في الطفولة، لإصدار شريط فيديو لدعم حملة التمويل الجماعي هذا الأسبوع. ويصف كتاب “الدونية” بأنه “كتاب رائع و مثير للإعجاب”، لقد جعله يعيد تقييم فهمه للعالم بشكل جذري تمامًا، ويضيف الممثل “يجب أن يتمكن أكبر عدد ممكن من الناس من الوصول إلى هذا الكتاب، وأنا متأكّد من أن جيسيكا – التي كانت دائمًا أذكى شخص قابلته – ستحقق ذلك حتماً.”

تعمل سايني، وهي من لندن من أصل هندي، على كتابها التالي حول علم الأعراق. “علم الأعراق هو من أكثر الموضوعات حظرا، ولكن الطريقة التي يلعب بها التحيز داخل الأبحاث العلمية تضيء قضايا مماثلة لمواضيع مثل الدونية عند الجنس الآخر“.

وعلى الرغم من التمييز الجنسي والعنصرية التي وجدتها في العلوم، إلا أنها تشعر بالإيجابية تجاه المستقبل. “إذا تمكنا من توعوية الأطفال في وقت مبكر، يمكننا تحقيق تغيير هائل مستقبلاً. لا أعتقد أن أي شخص يولد متحاملا و عنصريا لذا أنا متفائلة.”
وتشير في نفس السياق: “تاريخياً، اكتسب العلماء الذكور قوتهم من خلال استبعاد النساء من الأندية والجمعيات والمعاهد الفكرية و العلمية لكن الآن تشكل النساء شبكاتهن الخاصة. وليس هناك حدود لما يمكننا تحقيقه.“

فرز الحقائق من الخيال:

الخرافة: يوجد علمياً دماغ ذكري نموذجي وعقل أنثى نموذجي منذ الولادة.

الحقيقة: وجدت الأبحاث أن الفجوات القليلة _ إن وجدت _، موجودة فقط بين المهارات الحركية الدقيقة للأولاد والبنات، والقدرة على أداء التدوير الذهني، والتصور المكاني، والقدرة الرياضية، والطلاقة اللفظية والمفردات. في ظل الظروف العادية، لم يتم العثور على فجوات كبيرة بين الأولاد والبنات من قبل العلماء الذين يدرسون التطور المعتاد للأطفال. في الواقع ، فإن التداخل بين الجنسين ضخم لدرجة أن العلماء عملوا جاهدين من أجل إيجاد وتكرار النتائج التي تشير إلى وجود فجوة حقيقية.

الخرافة: الرجال أفضل في أداء مهمة واحدة، في حين أن النساء أفضل في أداء المهام المتعددة

الحقيقة: في عام 2013، تم طرح هذا الادعاء في بيان صحفي يلخص دراسة مهمة أجراها العالم روبن غور حول الاختلافات في سلوك الدماغ بين الجنسين، لكن لم يتم تفصيل التجربة في الدراسة نفسها. في محادثات مع سايني تم توثيقها في كتابها “الدونية”، قال “غور” أنه لم يرَ أي دليل علمي يدعم هذا الادعاء، وهو غير متأكد من كيفية إدراجه في البيان الصحفي.

الخرافة: النساء بشكل طبيعي أقل ذكاءً من الرجال لأن أدمغتهم أصغر وأخف وزناً

الحقيقة: لدى الرجال، في المتوسط، رؤوس أكبر قليلاً وأدمغة أكبر قليلاً من النساء. ولكن كما أوضحت المفكرة الرائدة هيلين هاميلتون غاردنر في القرن التاسع عشر، فإن تناسب حجم الجسم مع حجم المخ أمر مهم ولا علاقة بكبر حجم الرأس بالذكاء و إلا، على حد تعبيرها، “سيكون الفيل قادرًا على تجاوزنا جميعًا في التفكير“.

بكتابها “الدونية” ، تعارض أنجيلا سايني المعتقدات القديمة القائلة بأن البيولوجيا تقف في طريق التكافؤ بين الجنسين. الآن تم تعيين رسالتها للوصول إلى الآلاف من المدارس.

ترجمة: “سارة رزيق” عن المقال الصحفي (The book that fights sexism with science) للكاتبة Donna Ferguson في صحيفة الغارديان بتاريخ السبت 11 أب 2018.
كتاب “الدونية” أنجيلا سايني

كتاب “الدونية” أنجيلا سايني

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015