السقف الزجاجي الأعلى: سعي النساء نحو الرئاسة الأميركية
غلاف الكتاب & المؤلفة

مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط- يصدر كتاب “السقف الزجاجي الأعلى: بحث النساء عن الرئاسة الأميركية” للبروفيسور ايلين فيتزباترك في توقيت مناسب، خصوصاً أن مؤلفته تعرض لأربع نساء كان لكل منهن تأثيرها على نحو أو آخر في مسيرة التحولات الديمقراطية بالولايات المتحدة، ولاسيما من منظور محاولات تجاوز أو اختراق أو تحطيم ما تصفه حوليات السياسة الأميركية بأنه «السقف الزجاجي» بمعنى الحاجز الشفاف، وبالتالي غير المنظور الذي يحُول بين المرأة – المواطنة الأميركية وبين الحصول على فرصتها المتكافئة في شغل أرفع الوظائف القيادية في بلادها وعلى رأسها وظيفة رئيس الجمهورية.

في هذا الإطار تعرض فصول هذا الكتاب لسيرة وأعمال 4 سيدات تطلعن إلى هذه الفرصة، حيث ناضلت الأولى في عقد الثمانينات من القرن التاسع عشر وحتى قبل حصول المرأة الأميركية نفسها على حق الاقتراع، ثم توالت محاولات اثنتين من السيدات للترشيح لرئاسة الدولة.

سواء في عقد الستينات أو في زمن السبعينات من القرن العشرين إلى أن تتوقف بحوث وتحليلات الكتاب عند المرشحة الرابعة وهي السيدة «هيلاري كلينتون» التي أعلنت نفسها أخيراً مرشحة الحزب الديمقراطي في مواجهة منافسها الملياردير «دونالد ترامب» الذي قد يكون مرشح الحزب الجمهوري، فيما وصفته هيلاري بأنه غير مؤهل لشغل منصب رئيس البلاد.

في الأدبيات السياسية الأميركية ثمة تعبير اصطلاحي أصبح متداولاً في غمار حملات السباق الرئاسي الدائر بل والمحتدم في هذه الأيام. صحيح أن السباق يقصد الوصول بالنسبة للمرشح الفائز إلى المكتب البيضاوي إياه في البيت الرئاسي في واشنطن.

لكن الأصح أن ثمة حاجزاً لا يزال قائماً، وتلخصه عبارة المصطلح المتداول في حوليات الشأن العام بالولايات المتحدة، والمصطلح يتجسد باختصار شديد في عبارة من كلمتين: السقف الزجاجي.

ولقد ظل هذا الحاجز الزجاجي مطروحاً ومفهوماً، وربما ظل خاضعاً لنوع من التواطؤ المشترك كما قد نسميه، باعتبار أن السباق الرئاسي لم يكد يشهد على امتداد سنوات طويلة من عصرنا ترشيح امرأة للمنصب رقم واحد في مسلسل السلطة بالولايات المتحدة.

رائدات أميركيات

المعنى الأشمل المطلوب توصيله لقارئ هذا الكتاب يفيد بأن هناك رائدات بدأن النضال منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.

ومن بعده خلال فترات من القرن العشرين وصولاً إلى حكاية هيلاري، وكان الهدف على طول الخط هو محاولة تحطيم السقف الزجاجي الفاصل بين طموحات الرجل والمرأة في أميركا، وهو ما يكاد يتوازى مع ما يعرف أيضاً بأنه محاولة عبور أو حتى تحطيم العازل الزجاجي بدوره الذي كان، ولعله لا يزال، يفصل بين أقدار وطموحات ومآلات البيض في أميركا وبين مواطنيهم من الملونين – الأفروأميركان كما أصبحوا يسمونهم من باب اللياقة السياسية في أغلب الأحيان.

يستهل الكتاب مقولاته بموقف طريف ومثير تعرضت له هيلاري كلينتون في سياق ترشيحها الأول للرئاسة في عام 2008.

ورغم كونها عضواً كامل الاحترام في مجلس الشيوخ بالكونغرس عن ولاية نيويورك بكل أهميتها، فضلاً عن كونها، كما ألمحنا، سيدة أولى سابقاً في البيت الأبيض وسيدة أولى أسبق في ولاية أركنسو التي كان زوجها بيل حاكماً لها- إلا أن هيلاري فوجئت يومها بجماعات من الرجال عمدوا، خلال حفل انتخابي بولاية نيوهامشاير إلى رفع لافتات تتحداها شخصياً وقد كتبوا عليها عبارات تقول: تعالي، امسكي المكواة ورتّبي ملابسي، وكانت إشارة بديهية إلى أن المرأة لا تزال في نظرهم ذات مكانة ثانوية في خدمة الرجل.. إلخ.

يومها أمرت هيلاري بإضاءة كل أنوار المحفل ثم أردفت ساخرة قولها: أرأيتم، هذه بقايا التعصب ضد المرأة، لا يزال التعصب حياً وبألف خير.

البداية في 1870

وفيما تعترف فصول كتابنا بما استجد من متغيرات على مدار السنوات الثماني الأخيرة، فإن المؤلفة توافي قارئيها بصورة ترسمها لنساء ثلاث لا يزال التاريخ الأميركي يذكر ريادتهن في الترشيح للرئاسة الأميركية:

• الرائدة الأولى بدأت في عام 1870. اسمها فيكتوريا وودهل: شخصية فيها قدر لا يخفي من التناقض، ذاع صيتها بعد انقضاء الحرب الأهلية الأميركية التي اندلعت في ستينات القرن 19. ومع مطلع سبعينات القرن المذكور – في عام 1872 بالذات رشحت وودهل نفسها رئيساً لجمهورية أميركا.

صحيح أنها نالت من التهجمات بأكثر مما نالت من الأصوات، وصحيح أن شاب رؤيتها ومسلكيتها السياسية قدر لا يخفي من التخليط، وخاصة حين ذكرت أنها رشحت نفسها لقيادة البلاد طبقاً لهاتف ورؤية راودتها في منام أو يقظة، لكن الصحيح أيضاً – في رأي مؤلفة كتابنا – هو أنها تستحق موقع الريادة في هذا المضمار.

المرأة التي حاربت مكارثي

• ثم كان على التاريخ السياسي في الأصقاع الأميركية أن ينتظر إلى عام 1964 الذي شهد بدوره مرشحة للرئاسة اسمها مرغريت سميث شاءت أقدارها أن يتوفى زوجها عضو مجلس النواب، فاستطاعت أن تكمل ولايته، ولكنها ما لبثت أن كافحت لتصبح أول امرأة تصبح مرشحة ثم عضواً في مجلس الشيوخ مع مطلع خمسينات القرن العشرين.

ورغم أنها لم تنل حظاً لافتاً في ترشيحها الرئاسي، وخاصة حين انتقدوا تقدمها في العمر خلال عقد الستينات، إلا أنها دخلت تاريخ بلادها، لا باعتبارها المرشحة الرئاسية رقم (2)، ولكن لأنها اشتهرت بتصّديها الشجاع بكل المقاييس ضد حملات التشهير المدمّرة وهجمات الابتزاز السياسي التي قادها السناتور مكارثي ضد مفكري ومبدعي ومثقفي أميركا خلال السنوات الصعبة الأولى من عقد الخمسينات.

• أما المرشحة الرئاسية الثالثة فكانت هذه المرة تنتمي إلى عائلة مهاجرين جاءوا من أصقاع بربادوس، الجزيرة الفقيرة في شرقي الكاريبي، ثم كانت سيدة ملونة لم يفّت في عضدها لا أصلها ولا لون بشرتها ولا أحوال التمييز العنصري الذي كان لا يزال جاثماً على أنفاس الحياة العامة في أميركا، حين خاضت السياسية الداكنة السمرة غمرات الترشيح لرئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة.

كان ذلك في عام 1972 وكان اسمها شيرلى شيشولم. وكان كفاحها السياسي موجهاً إلى تحطيم أكثر من حاجز زجاجي كما قد نقول: حاجز العنصرية وحاجز اللون ثم حاجز نوع الجنس الذي يميز بين خلق الله من ذكر وأنثى.

مع هذا كله فما زال التاريخ يسجل للسيدة المذكورة أنها كانت أول امرأة تم انتخابها عضواً في الكونغرس الأميركي رغم ما تعرضت له من هجمات بلغت حد الزراية بها وبمسلكها السياسي حين ذكرت صحيفة «وول ستريت» أن انتخابها يمكن أن يؤدى إلى استمرار وجود «مجتمع الأمهات (السود) المهيمن – كما أضافت الصحيفة –«على مواقع العشوائيات التي يقطنها الزنوج».

تلك هي أبعاد الصورة الحافلة بالدروس المستفادة وخاصة ما يتعلق بدور المرأة في أميركا ونظرة مجتمعها إليها: إلى دورها وكفاءتها وآفاق ما يمكن أن تقدمه من خدمات بالنسبة لمواطنيها، خاصة في ضوء الأدوار المحورية التي تضطلع بها أميركا على الصعيد العالمي سواء كانت أدواراً سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية أو ما في حكمها.

والرابعة.. هيـــلاري

• كان بديهياً أن تصل لغة الكتاب إلى المحطة الرابعة من كفاح المرأة الأميركية على الطريق إلى موقع الرئاسة الأولى في بلادها. والمحطة بالطبع ترفع لافتة عليها اسم هيلاري كلينتون.

وقبل الدخول إلى مشارف هذه المحطة الأخيرة تحرص المؤلفة على الإحالة إلى ما أكدته المرشحة الرئاسية السابقة رقم 3، وهي السياسية الزنجية شيشولم حين أعلنت قائلة: «ليس لدى ما أعتذر عنه، لقد أقدمت على دخول السياسة كي أساعد الآخرين على أن يتم انتخابهم، والمشكلة أن مَن يتم انتخابهم كانوا دائماً من الرجال، وإن كنت أرى أنني أفضل المرشحين من حيث الكفاءة والمؤهلات ولذلك رفضت أن أحُرم من فرصتي لمجرد كونى امرأة…».

بهذا تؤكد مؤلفة الكتاب أن هيلاري كلينتون ليست بالظاهرة المستجدة على هذا التاريخ الذي شهد إقدام سيدات في بلادها على التطلع للترشيح للمنصب الرئاسي.

وفي هذا السياق فهي تتابع مسيرة السيدة كلينتون عبر السنوات الفاصلة بين عامي 2008 و2016 موضحة في ذلك أن هيلاري لم تكن بدعة في هذا المضمار، بل هي حلقة من حلقات هذا المسلسل الذي بدأ، كما أوضحنا، منذ أكثر من 150 عاماً: صحيح أن كانت البداية مشوبة بقدر لا يخفي من السذاجة، ولكنها كانت نقطة انطلاق في كل حال على الطريق إلى إرساء واحد من أعراف السياسة في بلد كبير مثل أميركا، حيث الهدف لا يقتصر – كما تضيف الدكتورة اللن فيتزباتريك أيضاً – على مجرد الوصول إلى الموقع الرئاسي، بقدر ما أن الهدف الأوْلى بالاهتمام هو تحطيم الحاجز أو«السقف الزجاجي» إياه.

تناقض المشهد السياسي

وهنا تعلن المؤلفة بقولها أن مثل هذه التصريحات توضّح بجلاء مدى الصعوبة التي لا تزال تصادفها المرأة لمجرد أن تستجيب لما يمكن أن يراودها من طموحات. والحاصل أن شهد يوم الخميس، التاسع عشر من مايو الحالي قيام هيلاري كلينتون بإعلان نفسها، كما ذكرت صحيفة «النيويورك تايمز»، مرشحاً أو بالأدق المرشح عن الحزب الديمقراطي. وفي إطار تطلعها إلى انتخابات الخريف ذكرت الصحيفة أن هيلاري أكدت أن منافسها الجمهوري دونالد ترامب ليس مؤهلاً لكي يصبح رئيساً للبلاد.

ولقد نتصور أن هذه الثقة في المستقبل القريب هي التي دفعت مؤلفتنا إلى تخصيص خاتمة هذا الكتاب لحديث مركّز حول أفكار هيلاري، وخاصة ما ذكرته في خطاب شهير لها أدلت به في إطار التهنئة التي وجهتها، كما تقضي أعراف السياسة في أميركا إلى منافسها السابق الفائز بالرئاسة باراك أوباما.

وفي هذا الخطاب الذي يرجع تاريخه طبعاً إلى نوفمبر 2008 عرضت هيلاري كلينتون إلى ما أمكن تحقيقه من شروخ وصدوع واختراقات (لصالح المرأة) في السقف الزجاجي. ثم مضت تقول وكأنها تقرأ سفر الغد: وفي كل حال فقد أشرق النور كما لم يشرق من قبل، فكان أن ملأ قلوبنا بالأمل وبالمعرفة التي تجعلنا نؤمن بيقين بأن الطريق سيكون أفضل وأكثر يسراً في المرة المقبلة».

رائدات بدأن النضال منذ القرن التاسع عشر

يستعيد المراقبون ملابسات المنافسة التي احتدمت في عام 2008 بين اثنين من مرشحي الحزب الديمقراطي: كان أولهما فتى أسمر من أصول أفريقية، بل ويحمل اسماً له إيقاع إسلامي، وهو بداهة باراك حسين أوباما («بركة حسين أبو عّمة» كما حاولوا يومها التلاعب بالاسم واللقب) وبين سيدة كانت هي الأولى على مدار ثماني سنوات خلال عقد التسعينات اسمها هيلاري رودام كلينتون، وقد فاز باراك كما هو معروف على منافسته هيلاري، التي عاودت مع مطلع عام 2016 الحالي ترشيح نفسها رئيساً لبلادها، وسط مراهنات سياسية بالسلب أحياناً وبالإيجاب في أحيان أخرى.

لكن ها هي مطالع هذا الصيف الراهن تحلّ على ساحة الشأن العام في أميركا وكأنها تؤكد أن هيلاري ستكون هي وليس غيرها مرشح الحزب الديمقراطي على نحو ما يُتوقع إعلانه في شهر يوليو المقبل.

ويزيد من احتدام المسألة أنها يمكن أن تنافس الملياردير دونالد ترامب الذي قد يكون مرشح الحزب الجمهوري المنافس رغم أن ترشيح ترامب جاء من باب الإصرار السياسي بحكم ما أصبحت حملة ترامب تنوء به من عثرات وسلبيات وأخطاء وأحياناً إهانات ارتكبها المرشح الجمهوري المذكور بحق المهاجرين والمسلمين ومَن في حكمهم، ثم بحق المرأة وجنس النساء بشكل عام، وهو ما تجلى في أحاديث وشعارات الحملة الترامبية المذكورة ضد ترشيح المرأة رئيساً للبلاد نكاية في هيلاري كلينتون بالدرجة الأولى.

في غمار هذه الأجواء يصدر كتاب طريف عكفت على وضعه وتحقيق مادته أستاذة من طلائع المؤرخين الأمريكيين المعاصرين. الكتاب يحمل العنوان التالي: أعلى سقف زجاجي، ويتلوه عنوان شارح يقول بدوره: حين تسعى المرأة إلى الرئاسة الأميركية.

وعبر صفحات الكتاب التي أربت على 300 صفحة تتابع المؤلفة، البروفيسور اللن فيتزباتريك سيرة أربع نساء عشن وعملن وخرجن إلى الحياة العامة على مدار ما يقارب 150 عاماً من عمر كيان ودولة حديثة اسمها الولايات المتحدة الأميركية التي لا يزيد عمرها بدورها عن قرنين ونصف قرن من روزنامة الزمن الحديث، وإن كان كتابنا يشير إلى أن التعامل مع سير وأعمال النساء الثلاث الأوليات إنما يشكل، مع تفاصيله، نوعاً من التمهيد الفكري والسياسي المعاصر للشخصية الرابعة التي سلكت الطريق نفسه طموحاً إلى رئاسة الدولة الأميركية، وهي السيدة هيلاري كلينتون.

تناقض في المشهد السياسي

تتساءل المؤلفة عن ذلك التناقض الذي لا يزال يشوب المشهد السياسي العام في بلادها، ومن ذلك مثلاً أن أميركا التي كانت في طليعة الأقطار التي أتاحت للذكور من مواطنيها إمكانية التصويت، إلا أنها كانت من أواخر البلدان التي قامت بتعميم هذا الحق ليشمل النساء أيضاً، بل إن هناك نظماً ديمقراطية في العالم تستند بدورها إلى سجل إيجابي ومحترم أفضى بها إلى انتخاب سيدات لتبوؤ أكبر منصب في الدولة، ومع ذلك فلا تزال أميركا بعيدة عن هذه الأوضاع، على الأقل إلى أن تظهر النتائج في نوفمبر المقبل.

المؤلفة

البروفيسور اللن فيتزباترك هي أستاذة في علم التاريخ واختصاصية في التاريخ السياسي والفكري للولايات المتحدة نالت الليسانس في 1974 من جامعة هامشاير ثم حصلت على درجة الدكتوراه في جامعة برانديز في 1981، ولا تزال إصدارتها تتصدر قائمة الكتب الأكثر رواجاً في قائمة جريدة «النيويورك تايمز» وخاصة كتابها «رسائل إلى جاكي»، وكتابها «ذاكرة التاريخ» ثم كتابها «الحملة التي لا تنتهي: النساء عالمات الاجتماع والإصلاح التقدمي».

اسم الكتاب: “السقف الزجاجي الأعلى: بحث النساء عن الرئاسة الأميركية”

تأليف: ايلين فيتزباترك

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مطبعة جامعة هارفارد، نيويورك، 2016

عدد الصفحات: 318 صفحة

غلاف الكتاب & المؤلفة

غلاف الكتاب & المؤلفة

أترك تعليق

مقالات
موقع “مشرقات”- نزيهة جودت الدليمي ناشطة عراقية في حقوق المرأة، إحدى رائدات الحركة النسوية العراقية وأول وزيرة عراقية وأول امرأة تتسنم منصب وزارة في العالم العربي. كما أنها ساهمت في جهود إصدار قانون الأحوال الشخصية في جمهورية العراق  خلال العام 1959 والذي عدّ القانون الأكثر ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015