الكويت من الدول العربية الأكثر ثراء؛ والأشد محافظة تجاه المرأة
المرأة الكويتية (صورة أرشيفية)/ GETTY IMAGES

msn عربي- تعدّ الكويت من أكثر دول العالم ثراءً، ولكن يبدو أنها – وفي مجال تمكين المرأة من المشاركة في الحياة العامة بالتحديد – تتراجع إلى الوراء. فنصف الكويتيين فقط يتقبّلون فكرة أن ترأس امرأةٌ حكومة البلاد، وهي من أقل النسب في العالم العربي.

هذا ما أشار إليه استطلاعٌ جديد واسع النطاق. وقد شارك في الاستطلاع، الذي أجرته شبكة البارومتر العربي للبحوث لصالح بي بي سي العربية، أكثر من 26 ألف من المواطنين العرب في 11 بلداً عربياً، إضافةً الى الأراضي الفلسطينية المُحتَلَّة.

ورغم أن الكويت أكثر دولةٍ ثراءً وتطوّراً من الدول التي شارك سكانها في الاستطلاع، فإن النتائج كشفت عن أنّ الموقف فيها تجاه النساء هو الأكثر محافظةً وتقييداً من أيّ من الدول العربية الأخرى.

فلدى سؤالهم عن رأيهم في امكانية أن تتولّى امرأة أيّاً من منصبي رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة، لم يُجِب سوى نصف الكويتيين بالإيجاب. وهذه نسبةٌ تقل بـ 10 في المئة عن المعدّل بالنسبة للدول العربية مجتمعةً. وتأتي الكويت في ذيل القائمة أُسوةً بالسودان وأعلى من الجزائر بمنزلة واحدة.

وعلى سبيل المقارنة، قال أكثر من ثلثي المشاركين في لبنان والمغرب والعراق وتونس؛ إنّه ينبغي أن يكون للمرأة هذا الحقّ.

ولُوحِظَ اختلافٌ كبير بين الجنسين في هذا الجانب في الكويت، فثلث الذكور فقط قالوا إنّ بإمكان المرأة أن تفي بمتطلبات منصب رئاسة الحكومة، بينما وافق ثلثا النساء على ذلك.

يُذكر أن النسوة الكويتيات لم يحصلن على حقّ التصويت إلا في عام 2005. وفي عام 2009، انتُخِبت أربع نساء كنائباتٍ في مجلس الأمة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد. أما الآن، فلم تتبقَ إلا نائبة واحدة، وهي صفاء الهاشم التي كانت من الرائدات في عام 2009. لذا يمكن التيقّن إلى أنّ الكويت، بعد الانفتاح الكبير الذي تحقّق في ذلك العام، بدأت بالتراجع في ما يخصّ تمكين المرأة سياسياً.

المرأة والسياسة

من الأسئلة التي طُرِحت على المشاركين؛ سؤالٌ حول ما إذا كانوا يعتقدون بأنّ الذكور أفضل في أن يصبحوا قادةً سياسيين مقارنةً بالنساء. أجاب ثلاثة أرباع المشاركين على هذا السؤال بالإيجاب، وهي زيادةٌ تبلغ نسبتها 17 في المئة منذ عام 2014.

وتبيّن أن أولئك الذين يتمتعون بمستوى للدخل أعلى من المتوسط أكثر ميلاً للموافقة بأن الرجال أفضل من النساء في الحياة السياسية.

وكانت نسبة الذين يفضّلون الرجال كقادة سياسيين في عام 2014 حوالي 59 في المئة، وإذا كان تفضيل الرجال يتجه للتناقص تدريجياً، فقد كان من المفترض أن يصل الرقم الآن إلى 50:50. ولكن الخط يسير على عكس ذلك، إذ يعتقد ثلثا النساء أن السياسيين الرجال أفضل من أقرانهم من النساء. فهل هناك ردّة فعل سلبية ضدّ تمكين المرأة؟

لم تبدِ سندس حسين، الناشطة النسوية التي تحاول الموازنة بين عملها كمستشارة في مجال تقنية المعلومات مع مسؤولياتها الأُسرية، أيّ استغراب للنتائج التي خلُص إليها الاستطلاع، وتقول “اتخذ المجتمع منحىً سلبياً حتى عندما مُنِح فرصةً لاختيار سياسيّات. ولم تتح لنا فرصةٌ إلى الآن لرؤية ما يمكن للنساء أن يفعلنه عندما يتولَّين مناصب قيادية”.

وأعربت عن اعتقادها بأنّ المشاركين في الاستطلاع ربما كانوا متأثّرين بما ينصّ عليه الدستور الكويتي من أنه يجب أن تكون رئاسة الحكومة من حصّة رجلٍ من آل الصباح، الأسرة الحاكمة في الكويت.

هكذا كانت الكويت في الثمانينات

ولكن سندس تُضيف بأنّ ثمّة تقدّم في المجالات غير السياسية. وتقول “لدينا نساءٌ في مراكز مرموقة في مجال الأعمال، كما لدينا عميدات جامعات. والكثيرات منهنّ يرأسن شركات خاصة كما تعمل الكثيرات في مؤسسات الدولة”.

وتضيف أنّه من الممكن أن يكون هذا التقدّم أسرع لو سُمِحَ للنساء بقدرٍ أكبر من المرونة في ساعات العمل وفي العمل الجزئي غير المتفرّغ، إذ أن العاملات الآن واللواتي لديهن أُسر يعانين من موقفٍ صعب. وتقول “ما زال كثيرٌ من الرجال يعتقدون بأنّ على النساء البقاء في الدار والعناية بأُسرِهنّ بدل الخروج للعمل”.

وعبّرت النساء المُشارِكات في الاستطلاع عن آراءٍ أقلّ حيادية في القضايا التي لا تخص السياسة. ففي الوقت الذي أيّد فيه 43 في المئة من الرجال حقّ المساواة في الطلاق، أيّدته 87 من النساء. وبينما أيّد 83 في المئة من الرجال الرأي القائل إنّ القول الفصل في الأُسرة يجب أن يكون للرجل، لم تؤيّده سوى 43 في المئة من النساء.

التعليم الجامعي

كان التعليم أحد المجالات القليلة التي اتفق فيها الجنسان. فقد كشف الاستطلاع عن أن 16 في المئة فقط من الكويتيين عامةً يعتقدون بأنّ التعليم الجامعي أكثر أهميةً للرجال مما هو للنساء، وأن 20 في المئة فقط من الرجال يوافقون على ذلك.

فالمرأة الحاصلة على تعليمٍ جامعي لا تعتبر مسألة مهمة بالنسبة للرجل الكويتي. ويبدو أن المشكلة تكمن في امكانية أن يتحوّل التعليم إلى سلطة أو قدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل.

من الأمور التي تلفت الاهتمام أنّ من بين الأسئلة التي منعت الحكومة الكويتية المستطلعين من توجيهها سؤالاً يتعلّق بالتحرّش الجنسي والعنف الأُسري.

يُذكر أنّ سندس هي من بين مؤسسي حملة ( Abolish 153 ) أو “إلغاء المادة 153”. وتسمح المادة 153 من قانون الجزاء الكويتي 16 لعام 1960 للرجل بقتل أيّ من قريباته النسوة اللواتي يُضبَطن في موقفٍ جنسي فاضح دون أن يدفع إلا غرامةً صغيرة.

وتقول سندس إنّ المجتمع الكويتي يتقبّل جرائم غسل العار التي تتركّز في المناطق التي تسكنها نسبٌ عالية من البدو. وتضيف “لا يبدو أنّنا نحقّق أيّ تقدّم في المجتمع البدوي”. ولحدّ الآن، نجح النواب البدو في مجلس الأمة في التأثير على زملائهم لمنع إلغاء المادة 153.

من الواضح أنّ الكويت أصبحت مفارقةً في ما يخصّ تمكين المرأة سياسياً في العقد الأخير. فالكويت بلدٌ ثري، أنفق أموالاً طائلة على المشاريع الثقافية، فقد أنشأ أكبر دارٍ للأوبرا في المنطقة على سبيل المثال. ولكنّ هذا التقدم المادي لا يبدو أنه يسهم في تقدّم قضايا النساء.

الهوّة بين الجنسين

بينما بيّن تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2018 أنّ الكويت قد حقّقت تقدّماً في ردم الهوة بين الجنسين في مجالات العمل المهني والتقني، لم تواكب الحقوق السياسية هذا التقدّم. فقد توصّل المنتدى ذاته إلى أنّ الكويت تعدّ من أسوأ أربع دولٍ في العالم في مجال التمكين السياسي للمرأة.

من ناحيةٍ أخرى، تمكّنت الكويت من الحصول على سمعةٍ جيّدة في ما يخصّ تنشئة جيلٍ من النسوة الرائدات والمُقتَدِرات، من أمثال خبيرة الاقتصاد رولا دشتي.

شاركت رولا دشتي في تنظيم الاحتجاجات التي أفضت في نهاية المطاف إلى حصول النساء على حقّ التصويت. وكانت إحدى النساء الأربع اللواتي انتُخِبن نائباتٍ في مجلس الأمة في عام 2009، وعُيّنَت وزيرةً في الحكومة، وهو منصبٌ احتفظت به من عام 2012 إلى عام 2014، كما تمّ تعيينها هذا العام مديرةً لمفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا.

تقول سندس حسين “مما لا شك فيه أنّ الكويت أفضل بالنسبة لمعيشة المرأة من السعودية”، مشيرةً إلى أنّ بعضاً من السعوديّات اللواتي شاركن في الاحتجاجات من أجل حقّ قيادة السيارات ما زلن يقبَعن في السجون، رغم صدور قانونٍ في العام الماضي يسمح للمرأة بقيادة السيارة.

وتقول إنّ النساء في الكويت يتمتّعن بحرياتٍ أكثر بكثير من الدول الخليجية الأخرى في ادارة أمورهن دون تدخّل من جانب الرجال. ولكنها تضيف أنّ نظرةً إلى المنطقة العربية ككل تكشف عن أنّ الكويت ما زالت تتخلّف عن دول كثيرة أخرى كتونس ومصر ولبنان في هذا المضمار.

وكان أحد أكثر الأسئلة كشفاً للواقع في الاستطلاع يدور حول ما اذا كان يحقّ للمرأة أن تسافر إلى خارج الكويت بمفردها. فبينما أيّدت هذا الحق 59 في المئة من النسوة المُشارِكات، لم يؤيّده إلا ربع الرجال.

تقول سندس حسين في هذا الصدد “لا يُسمَحُ لي كأم أن استخرج جواز سفر لابنتي أو أبنائي، فذلك من حقّ والدهم فقط، لذا فليس مستغرباً أن يعتقد الرجال بأنه لا ينبغي السماح للنساء بالسفر بمفردهنّ. وما لم يزدد تمثيل المرأة في مجلس الأمة، لن تتغيّر هذه القوانين”.

ومن الجدير ذكره أنّ الحكومة الكويتية رفضت أن يوجّه الاستطلاع عدداً من الأسئلة على المشاركين، ومنها أسئلة تتعلّق بالتحرّش الجنسي والدين والتغيير السياسي والصحة العقلية والعنف.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

المرأة الكويتية (صورة أرشيفية)/ GETTY IMAGES

المرأة الكويتية (صورة أرشيفية)/ GETTY IMAGES

وسوم :

أترك تعليق

مقالات
كريم شفيق/hafryat- يضيء كتاب “امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللامساواة في المدونة الفقهية”، للباحثة اللبنانية ريتا فرج، مساحة شديدة الالتباس والغموض، عن واقع المرأة العربية. يحفر وراء بنائها الوجودي، وعناصر تكوينها؛ الاجتماعي والسياسي والمعرفي، والعوامل المؤسسة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015