المرأة السورية والمشاركة بالشأن العام
السيدة ثُريا الحافظ تخطب في مظاهرة وسط دمشق تأييداً للجيش السوري في حرب 1948

جريدة سوريتنا- لا يمكن رؤية وضع المرأة السورية ومدى مشاركتها في الحياة السياسية والعامة، وفي مواقع صنع القرار وتقلد المناصب العامة، إلا من خلال الغوص عميقاً في الظروف المجتمعية التي تحيط بها، ما يحتم ضرورة إلقاء الضوء على واقعها المجتمعي، باعتباره عاملاً مهماً في تحديد ورسم ملامح هويتها.

لا يختلف المجتمع السوري كثيراً عن المجتمعات العربية الأخرى، من حيث الموروث الثقافي والبنية الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الخصوصية، فالمرأة السورية كانت لها مشاركات مبكرة في الحقل العام منذ عشرينيات القرن الماضي، وهو ما انعكس ايجاباً على الأدوار المجتمعية التي مارستها، وعلى نيلها حقها في الانتخاب والترشيح قبل بقية نساء العالم العربي، إلا أن هذه المكتسبات لم تدم طويلاً، بل تراجعت مع استلام حزب البعث الحاكم للسلطة، وهنا لا ينفصل عزوف المرأة السورية عن المشاركة السياسية عن عزوف المجتمع ككل، حيث المناخ السياسي يشيع جواً من الإحباط، والشعور باللامبالاة واللاجدوى، مما يولد إيماناً سلبياً بعدم التأثير في صنع السياسات العامة.

مع احتكار النظام لكل أشكال العمل السياسي تولد شعوراً عاماً لدى المجتمع يمكن تسميته بالاغتراب السياسي، والمرأة كجزء من هذا المجتمع يقع عليها ما يقع عليه سلباً وإيجاباً، تأثرت أيضاً بهذه الحالة العامة التي أصابت المجتمع، بل وربما الأثر السلبي الواقع على المرأة أبلغ وأشد.

المشاركة السياسية:

مع انطلاق الثورة في سوريا كانت المرأة في طليعة المظاهرات والحراك السلمي ثم الإغاثي والطبي وحتى العسكري، إلا أن مشاركتها الواسعة في الحراك لم تنعكس على مشاركتها في المجالس المحلية أو الهيئات السياسية المعارضة، وبهذا الصدد تقول السيدة إيمان هاشم، وهي عضو مكتب الشؤون التعليمية والاجتماعية في مجلس مدينة حلب، وأول امرأة تدخل المجلس” لــسوريتنا: «بالنسبة لتمثيل المرأة السياسي في مجلس مدينة حلب فقد تأثر بوجود تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق قريبة من المدينة، وهو ما انعكس على العملية الانتخابية برمَّتها، حيث ارتأى القائمون عليها تجنب طرح تمثيل المرأة خوفاً من ردة فعل أعضاء التنظيم»، وتضيف الهاشم: «أما عن الانتخابات التي وصلت فيها إلى المجلس، والتي كان التمثيل فيها ضعيفاً أيضاً، فإن ضعف التمثيل قد أتى كردِّ فعلٍ سلبي على ما حدث في الانتخابات السابقة، يضاف إلى ذلك عاملٌ مهم، وهو هجرة عدد كبير من الناشطات وخروجهن من المدينة، بينما تفرغت الناشطات الباقيات لعدة أعمال وهيئات دفعتهن إلى الابتعاد عن خوض الانتخابات».

تصف الهاشم العمل في المجلس قائلة: «تواجهنا الكثير من العقبات، ولعلَّ أولها طبيعة العمل المضني والشاق، والذي يستحوذ على كامل وقتي، وقد تركت عديداً من المهام وتفرغت لخدمة المجلس وخدمة مدينة حلب رغم كلِّ الصعوبات».

تجربة الهاشم وغيرها ممن كسرن احتكار الرجال للعمل العام، تشكل دعامةً حقيقية لسوريا المستقبل، فالمجتمع السوري اليوم هو الأحوج لتجنب هدر الطاقات البشرية والنسوية والاستفادة منها في ظلِّ حرب مدمرة أعلنها النظام لاستنفاد كل الطاقات والموارد المتاحة.

التمثيل في المجالس:

عن التمثيل النسائي للمرأة في المجالس المحلية تقول السيدة مجد شربجي، وهي ناشطة قريبة من النساء في الداخل السوري وفي مخيمات اللجوء”: «التمثيل السياسي للمرأة بغاية الأهمية على مستوى المجالس المحلية، وعلى الصعيد الوطني والدولي، إلا أنه على أهميته يعاني من ضعف بسبب عدة عوامل منها غياب المشاركة السياسية عن ذهن النساء في ظل نظام حكم مستبد أبعد المجتمع بكامله عن الحقل العام لخمسين عاماً، وعلى الرغم من انخراط النساء في المظاهرات والحراك السلمي، إلا أن الظروف الإنسانية الصعبة وانشغال النساء في تأمين أولويات الحياة أبعدهن عن المشاركة في العمل السياسي، يضاف إلى ذلك عنصر التخاذل الدولي الذي خلق إحساساً عاماً باللاجدوى، عزَّز فكرةً مفادها أن لا جدوى من أي عمل سياسي وأبعد النساء عنه».

عن تجربة المجلس المحلي في مدينة داريا تقول شربجي: «رغم انتشار الوعي والتعليم بنسبة عالية بين أهالي داريا، بقيت النساء غائبات عن التمثيل في المجلس، ويعود ذلك إلى طبيعة تشكيل المجالس الأولى التي كان عمادها التعاون بين الشقِّ العسكري والشقِّ المدنيِّ، وكانت مشاركة النساء تثير حفيظة بعض العسكريين، وتجنباً للخلاف تمَّ استثناء المرأة خوفاً من إفشال التجربة برمتها».

وعن رؤيتها لما يجب أن يكون عليه التمثيل تضيف: «لابد من مشاركة المرأة وتمثيلها بفاعلية وعلى مختلف الصعد، بمعنى ألا يعتمد مكتب خاص للمرأة، بل أن تشارك النساء في جميع القطاعات والمكاتب في المجالس في المكتب الطبي والخدمي والمالي وغيره، هنا يبدأ التمثيل الصحيح، وغياب المرأة التي تعاني في سوريا تحت القصف وفي ظلِّ الحصار سُمِح لنساء بعيدات عن الواقع المعاش بالتصدِّي لتمثيل المرأة دولياً، دون أن يعبر هذا التمثيل عن واقع المرأة ومعاناتها».

وتختم شربجي: «رغم كل المعوقات والصعوبات نعمل على الأرض على حثِّ النساء على المشاركة وأن يتبوّأن مكانتهن الحقيقية في المجالس والهيئات والكتل السياسية والمدنية».

صور من تاريخ نضال المرأة السورية

كانت المرأة السورية تاريخياً رائدة في الحقل العام منذ الثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسي، ولامجال هنا لاستعراض الرائدات السوريات والثائرات، إلا أنه لابد من التذكير بالمظاهرة النسائية التي انطلقت في دمشق عام 1922 للمطالبة بالاستقلال والتي خرجت من منزل عقيلة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.

كما أنه من المفيد التذكير بالمشاركة النسائية للثوار في الأعمال القتالية ضد المستعمر الفرنسي وهنا تحضر بقوة أسماء مناضلات الغوطة السيدتين زهيرة شكير وزينب الغزاوي من قرى الغوطة، حيث استشهدت الأولى في معارك الغوطة بمهمة مع الثوار، أما الغزاوي فكان لها شرف المشاركة في معركة ميسلون. ‏

يبرز اسم نازك العابد، وكوكبة من الثائرات مثل فاطمة بنت كبكب، وأم سعيد عواد، وخديجة السبسبي، ورشيدة الزيبق التي امتطت الجواد وساهمت في أكثر من معركة واعتقلت في العديد من المرات، أما في جبل العرب فقد بلغ عدد الشهيدات خمساً وتسعين شهيدة سطَّرْن أروع ملاحم البطولة والوطنية، وفي حماة يبرز اسم نجيبة الأرمنازي، والسيدة أم عبد الله الشواف، وطالبات حماة اللواتي كُنَّ في دار المعلمات الدمشقية.

تعتبر مشاركة المرأة في المؤسسات الوطنية والقضائية، والمدنية وعلى مستوى اتخاذ القرار السياسي وفي الحياة السياسية والثقافية من المؤشرات الهامة لنضج أي نظام وانسجامه مع المعايير الدولية، باعتبارها حقاً دولياً كفلته لها الأعراف الدولية، كما نصت عليه المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”.

السيدة ثُريا الحافظ تخطب في مظاهرة وسط دمشق تأييداً للجيش السوري في حرب 1948

السيدة ثُريا الحافظ تخطب في مظاهرة وسط دمشق تأييداً للجيش السوري في حرب 1948

أترك تعليق

مقالات
د. جواد بشارة/ موقع (المثقّف) الإلكتروني- صدر عن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة في مجموعة البلياد المكرسة لكبار الكتاب والمفكرين، طبعة جديدة لمذكرات سيمون دي بوفوار بقلم ابنتها بالتبني لوبون دي بوفوار في 17 آيار مايو 2018، وهي مناسبةٌ لإعادة قراءة واكتشاف هذا الوجه الأنثوي المناضل الذي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015