المرأة سلاح حرب والخاسر الأكبر في الصراعات
المرأة سلاح حرب والخاسر الأكبر في الصراعات-السيدة

ياسمين مرعي/سيدة سوريا- تتطلب مني مهنتي كصحفية متخصصة بشؤون المرأة بحثاً شبه يومي عن صور لنساء سوريات يعشن ظروف الحرب، اللجوء أو أي شكل آخر من أشكال المعاناة السورية التي باتت قريبة من الاستعصاء على الإحصاء.

لصاحبة كل صورة حكاية، بدأت في أحد الأيام مند منتصف آذار/ مارس ٢٠١١. كل صورة تعيدني إلى بيتنا البسيط، وبيوت قريباتنا وجاراتنا، لأقول في شرودي: ما أجمل السوريات! قبل أن تقطعه علي حقيقة أن بيوتهن اللتي كن يعتنين بها، أصص الأزهار على الشرفات، الزجاج الملع بعناية، حبال الغسيل فائق النظافة، رائحة قهوتهن الصباحية، وقهوة الأبناء الذين يدرسون للامتحانات، أوعية المياه التي كن يغسلننا بها واستبدلها حرصهن بحمامات عصرية، كل ذلك لم يعد أكثره موجوداً. لقد حلمنا فسلبونا الحلم ومواطِنه.

كانت السورية مناضلة قبل بداية الثورة، كل أم وربة منزل “تجمع القرش على القرش” لتعين الزوج على امتلاك بيت صغير، تزوج ابناً وتجهز بنتاً. كل أم عاملة تُستنزف بين مهنتها وبيتها، كل شابة في أسرة محافظة تحارب لتنال درجات تؤهلها من دراسة الفرع الذي ترغب في مدينتها كي لا تحرم من التقدم عليه في مدينة أخرى، وتحارب لكي لا تتزوج قبل إتمام دراستها في الكثير من الأرياف والأحياء الشعبية في المدن.

لكن السوريات، ورغم الكثير من الظلم القانوني والاجتماعي الذي كان وما زال وقعاً عليهن، كن يجملن الحياة، يصنعن حتى من رائحة طعامهن ذاكرة ممتدة للأبناء والأحفاد.

ويوم نادى المنادون لحرية سوريا وكرامة السوريين، غادرت أصواتهن جدران “العورة” وعلت، وهناك من خضن التجربة بالاكتفاء بالزغاريد وتغطية الوجوه، أو بتوديع الأبناء والأحبة اعتقالاً وقتلاً وإعدامات ميدانية. كما أن السوريات لم يسلمن من الاعتقال على الحواجز، للضغط على الأزواج والأبناء من المطلوبين للنظام، ولا من عبث القناصة، وجرأتهم على قتل امرأة حامل والتركيز على إصابة جنينها، لتأتي الصورة برصاصة في رأس الجنين! ولا من التعرض للاعتقال من المنازل وفي الطريق إلى العمل والهلع من مداهمات عناصر النظام وأمنه وما قاموا به من عمليات اغتصاب ممنهجة.

كان اعتقال النساء واغتصابهن السلاح الأكثر مضاء بيد النظام، هو الذي يفهم جيداً حساسية السوريين وغيرتهم، وقبل أن يتوسع الكثيرون في الحديث عن تسليح الثورة ثم أسلمتها، لا بد من العودة إلى البدايات، يوم حمل الكثيرون من رجال سوريا وشبابها السلاح، أي سلاح وجوده حينها ولو كان سلاح صيد، للدفاع عن بناتهن وزوجاتهن وأمهاتهن.

كل ذلك ضاعف معاناة السوريات، فالتي تغتصب تصمت لتتجنب العار، الموت أو انخراط ذكور العائلة في معمعة السلاح. ولم يشفع أن تبقى السوريات في بيوتهن، كيف والقصف طال كل شيء، سارقاً الحاضر والماضي وماسحاً الذاكرة. نرى الأمهات يتراكضن في المشافي بحثاً عن بقايا أبنائهن، ومحاولة لإطالة أنفاس أطفالهن الأخيرة بالدعاء والترجي. ترى كيف تتعافى هؤلاء النساء من صور الأبناء تحت الأنقاض، أو صورهم وهم يموتون من تنفس الغازات السامة، بل من الجوع!

ليس ذلك فحسب، بل إن الكثيرات ممن اعتقل أبناؤهن وأزواجهن اضطروا للمغادرة مع أطفالهن إلى المجهول، دون وجود قوانين حقيقية تحميهن العوز، وفي ظل مساعدات دولية أفضلها لا يقي البرد ولا يسد الجوع.

وحين نلتفت إلى من بقين داخل سوريا، فالوضع ليس أفضل، العمل متوقف في أغلب مجالاته، وأسعار الليرة السورية في تدهور مستمر، وعلى المرأة أن تناضل، فإن كان بقي لديها أبناء شباب فهم مطلوبون للخدمة الإلزامية وخدمة الاحتياط وعليهم التخفي. واللواتي يعملن في مهن حرة، يتعرضن للاستغلال بأشكال مختلفة.

على ضفة سورية أخرى، كرست انتهاكات النظام ثيمة “حماية المرأة”، ما تسبب في زيادة تهميشها ومصادرة صوتها بحجة الحماية والدين. وظل الكثيرون يتاجرون بصوتها ويدعون العمل على إيصاله، ولا يصلها هي إلا الخيبة تلو الخيبة. فيما يحيطها الظلاميون بقوائم لا تنهتي من الممنوع، ويعيدونها إلى قرون مضت برجمها وجلدها، وتستيقظ في حياتها مفردات كتب التاريخ من السبي وما شابه. وتبلغ المعاناة ذروتها هناك في تزويج الطفلات والدين دائماً هو المسوغ، والجوع وخشية الاغتصاب هي الدافع.

أين تفر النساء من الفقدان والعوز وانتهاك الخصوصية والتسلط؟ لقد عبرت الكثيرات البحر مع من تبقى من أسرهن إلى أوروبا، وهن اليوم ضحايا الكآبة وعدم القدرة على التأقلم، والشعور بازدواجية الهوية أو ضياعها، يتقاذفهن خوف متعدد الأشكال، ويأكلهن الشرود على مقاعد تعلم اللغة، فيما لا تتيح لهن المخيمات الجماعية فرصة للتكاسل في ترتيب “المنزل”، أو وقتاً مسروقاً من الإضاءة الدائمة والسقوف المعدومة لبعض الحب ربما!

تصدر المؤسسات الحقوقية الدولية تقارير بأرقام صادمة عن واقع النساء السوريات، نسبة الضحايا النساء من شهيدات ومعتقلات ولاجئات ومعنفات، نسبة الخارجات من العملية التعليمية، الفاقدات لوظائفهن، المصابات بإعاقات دائمة، اللواتي فقدن المعيل، فيما الأرقام الدالة على نسبة تمثيل النساء في ميادين السياسة والإدارة والتفاوض تتدنى، رغم جهود الكثيرات، ولا يرفعها إلا دعم دولي، وفرض حضور النساء على المؤسسات والتشكيلات التي نشأت بعد الثورة السورية، وتستمر المحاولات لإخراج مطالب النساء من دائرة الأولويات إلا فيما يخص شرف القائد فلان والثائر فلان، حين تتركز جهودهم على مبادلة المعتقلات منهن، وهو حق مشروع فيما لو مورس على كل الجهات ليطلق سراح نساء مثل سميرة خليل ورزان زيتونة، الوجهان اللذان سرقا من الثورة وأهلها.

الكثير من الصور تتالى وتتداعى بعشوائية أقرب للقصدية، شيء ما يهتف من هذه النافذة المحايدة أن جزءاً من حق هؤلاء النساء علينا أن نفرد لهن مساحة في الذاكرة، لينهض في أذهاننا سؤال بل أسئلة؛ كيف ننسى صور المنتشرات على الحدود، كيف ننسى صور المذعورات من البراميل، المسربلات بغبار ركام منازلهن، اللاهيات عن دمائهن، كيف تغيب عن الذاكرة صورة امرأة حلبية تودع صورة ابنها الشهيد على جدار نجا صدفة من قذائف الأسد وحلفائه!

لا بد أن تكون هذه الصور سمتنا، نحن المصابات بلوثة النجاة، فبين مجموعة حالمات وأخرى يولد أمل كل يوم بأن السوريات اللواتي تجرعن الصبر وما زلن، يعرفن الطريق إلى حيث يجب أن يكن، وأن السائد اليوم من تغييبهن أو حضورهن المشروط في الكثير من المواقع لن يستمر، وأن ما عرفته النساء السوريات وتعلمنه خلال السنوات الأخيرة سيكون بوابتهن للتعبير عن ذواتهن، ولأن يكن جزءاً من وجه سوريا التعددية الديمقراطية، سوريا التي يتساوى فيها الجميع بالمواطنة، وينتهي فيها التمييز على أساس الجنس سياسياً كان مصدره، دينياً أم اجتماعياً.

المرأة سلاح حرب والخاسر الأكبر في الصراعات-السيدة

المرأة سلاح حرب والخاسر الأكبر في الصراعات-السيدة

أترك تعليق

مقالات
الخبير السوري- ارتفاع نسبة الإناث إلى الذكور في المجتمع السوري بات أمراً سهل الملاحظة، تستطيع ومن خلال مسحٍ مصغّر تقوم به في مكان عملك، أو حتى في وسيلة نقلٍ عامّة، أن تلاحظ وبشكل واضح أن نسبة الإناث باتت متفوقةً على نسبة الذكور، ربما تكون هذه الملاحظة دقيقة وتعبّر عن اختلاف النسبة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015