النسوية العربية الجديدة.. ثغرات في البنية
النسوية العربية

إيمان النمر/TRT عربي- تُفرّغ النسوية من مفهومها التحرري ذي النزعة الإنسانية المستنيرة، ويتم الزجُّ بها في أتون الشعور بالمظلومية والاستغراق في دور الضحية لتتعالى الأصوات داعية لحماية المرأة مما يشكل فرصة للعودة بها من حيث لا تريد إلى “عصر الحرملك”.

في هذا الواقع الذي طغت نسبيته حتى بات ضبابيّاً وملتبساً، لا يكفي المرء أن يكون صاحب حق وقضية، سيما إذا كانت جدلية تصارع الإرث الاجتماعي وتلامس نصوصه المقدسة، دون أن يمتلك معادلة يجتمع فيها الذكاء والوعي بأبعاد قضيته وسياقها الذي تدور في فلكه، مع خطاب متماسك يحتكم إلى الموضوعية، ويدرك مواطن التناقض وآليات الاشتغال عليه.

على هذا الأساس فإن القضية النسوية في مجتمعنا العربي وبقدر استحقاقها ومنطقها التأسيسي السليم الذي بُنيت عليه فإنها تمر بمأزق بنيوي في خطابها إلى درجة يُخشى منها إعادة إنتاج الهندسة الاجتماعية القديمة التي ثارت عليها المرأة؛ بما يعني تفريغ المفهوم من معناه والرجوع بصداه إلى خط رجعي.

ونعتقد أن ذلك المأزق نبع بالأساس من الهزائم التي مُنيت بها القوى التقدمية بشكل عام منذ عقد السبعينيات، وصولاً إلى الارتكاز على نظريات ما بعد الحداثة التي شككت في كل المكتسبات والمسارات التي مثلتها فلسفات التنوير والنهضة، بحجة أنها موصومة ببرجوازية الرجل الأبيض العنصرية، وبالتبعية ذكورية الرجل الشرقي، ثم بشكل متناقض انسحقت في منظومة العولمة.

ذاك التناقض الذي يُعد بمثابة جرثومة الهدم في بنية الخطاب النسوي المتصدر؛ لأنه خطاب انفعالي بالأساس لا يرتكز على نظرية معرفية متماسكة أو مصطلحات مفاهيمية واضحة ومستقلة، في واقع أصبح أكثر حدية وتعقيداً مما مضى، كما لا يمتلك مشروعاً “إنسانيّاً تحرريّاً” يناسب سياقه، شأنه شأن كافة التيارات التي تدعو إلى التغيير، وهو ما جعل الأكاديمية التونسية آمال القرامي تذهب إلى القول بأنْ “ليست هناك حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق في مجتمعاتنا العربية، وإنما تيارات لا تمثل كتلة منسجمة ومتآلفة”.

لم تستفد تلك التيارات من تراكم النضال النسوي الذي اتخذ مساره منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم تستدعه سوى بشكل سطحي، بل وأيدولوجي لمواجهة تيار الإسلام السياسي في سياق الخطابات المعولمة التي تدَّعي الحرب على الإرهاب، وتعزو إلى الثقافة الشرقية كل أسباب القهر والتسلط الواقع على المرأة دون الانتباه إلى الاشتراطات السياسية، والنظم الاقتصادية المسؤولة بالأساس عن تشكيل تلك الثقافة وإنعاشها المستمر.

لقد استجابت المرأة العربية شأنها شأن كافة التيارات الليبرالية لسياسات التعددية الثقافية التي تزعم احترام خصوصية كل ثقافة، إلا إنها بذكاء جعلت الفرد يقع أسير نقد ذاته وثقافته التي شكَّلته، وبفضل ماكينتها الأكاديمية والإعلامية، انقلبت المفاهيم وتفككت حتى اكتسبت منظوراً ملتبساً، في ظاهره وجاهة تناقض باطنه، مثل مصطلح العدالة الاجتماعية الذي تحوَّل إلى “العدالة الجندرية”.

المرأة العربية التي واجهت الهزيمة منذ أواخر عقد الستينيات بعد أن وقفت بجانب الرجل كشريك ونِدٍّ، على أمل أن يتحررا سويّاً من الاستعمار والانهيار الاقتصادي والسياسي والفكري، نجدُها جراء تلك الهزيمة، وللمفارقة، قد أدانت ذاتها وأرادت الانسلاخ من الرجل “الذكر المستبد”، مثلما أدانت الذات العربية نفسها، وأرادت الانسلاخ من الغرب “الإمبريالي”، فوقعا الاثنان تحت وطأة أشد من الإمبريالية والاستبداد!

ومثَّل ما سُمي بثورات “الربيع العربي” بارقة أمل لتصحيح هذا المسار الخاطئ، واقتسمت المرأة مع الرجل الميادين والأحلام بالتغيير، لكن الهزائم الطازجة التي مُني بها هؤلاء، ثم الانقسامات وعمليات التفتيت بين صفوف تلك القوى الثورية، إضافةً إلى المواجهات العنيفة التي لاقتها المرأة دون دفاع، أفقدتها الثقة مرة أخرى في جدوى اعتناق خطاب بنيوي يُعنى بمفهوم العدالة الإنسانية، ما جعلها أكثر استجابة للنظريات والحركات النسوية المعولمة التي تدعو للذاتية والفردانية واتباع سياسة الاستفادة من مظلومية الهوامش.

وعلى أثره تخلت بعض التيارات النسوية عن “نسوية القوة” التي تهدف إلى المساواة والتمكين الاقتصادي والثقة اللازمة للعمل الجماعي والفردي معاً بحسب تعبير “نعومي ولف”، واستبدلتها “بنسوية الضعف والهشاشة” المبنية على مبدأ التمييز الجندري، ودور المرأة الضحية؛ ضحية ثقافة الرجل الذكورية التي تستوجب الانتصار عليه في إطار عدائي، الهدف منه استبدال الأدوار، والاستحواذ على مواقع الهيمنة والسلطة؛ أي أبوية معكوسة.

وفي السياق ذاته شجع الخطاب النسوي هذا، النساء على الاعتزاز بذواتهن وبصفتهن الفردانية دون صلتهن الاجتماعية أو البيولوجية بالرجل أيّاً كان أباً أو زوجاً أو ابناً، وبوجه متناقض آخر جعل من أجسادهن موضوعاً بذات المنهجية الذكورية التي يدّعي محاربتها؛ أصبحت أجسادهن ساحة معارك لمعايير جمالية، وحريات جنسية، وتمردات اجتماعية. الجسد لا الوعي، ولا السياسات، ولا التكتلات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما “الذكر الشرقي الشهواني”. إنه الخطاب الهزلي يعيد إنتاج الاستشراق مجدداً بمنهجية مؤدلجة.

ولا ننكر أن فتح ملفات المرأة “الجنسانية” ساهم في هدم أسطورة الجسد المحمل بقداسات الدين والفضيلة والشرف العائلي التي شرعنت تعنيف المرأة رمزيّاً وماديّاً حد القتل، كما تمخض عن ذلك الاتجاه، حزمة من القوانين التي خلَّصتها من موروثات اجتماعية بالية، لكن من الضروري الانتباه إلى أن تلك القوانين يمكن التحايل عليها إذ لم تكن متسقة بدرجة ما مع الواقع المعيش.

إذ لا جدوى من الاعتماد على خطاب اختزالي يمارس الإقصاء، ولا يُلزم نفسه بالمسؤولية، ويفتقد سمة النضال الحركي، ونراه نأى بنفسه جهلاً أو عمداً عن إثارة قضايا المرأة في الريف والجنوب، هذه المرأة التي لا يشغلها حريات جسدية ولا جدالات تنظيرية بليدة تدور رحاها على “هاشتاجات” لا تخصها؛ وإنما جُلّ ما يشغلها كيف تحصل على الخبز، وكيف تضمن أمانها وأمان أسرتها في ظل سياسات اقتصادية لا تأبه للفقراء، بل تُحمّلهم وزر كل إخفاق بدعوى “ثقافاتهم المتخلفة”.

لقد استجابت النسوية العربية اليوم بشكل أو بآخر إلى خطاب النسوية الغربية “النيوليبرالية” التي حصرت قضيتها في الذاتية والحرية الجسدية كنوع من التمرد في أعلى قمة الهرم، دون أن تعطي وزناً لارتفاع معدلات البطالة والتضخم والتسعير، وازدياد الهوة الطبقية، وغياب العدالة التي تضمن تحقيق الذاتية والفردانية تلك، ثم تتنصل بحجة “الاختيار الحر” من مسؤولية المراهِقات الفقيرات نصف المتعلمات اللواتي قد يستجبن لدعوات هذا الخطاب التحرري عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت من أهم أدوات الثقافة الجماهيرية، وهن لا يملكن عملاً يُمكِّنهن من تحمل مسؤولية هذا الاختيار، ويضمن استقلالهن عن النظام الأبوي الموصوم “بالتخلف”، ودون أن يستندن على منظومة قانونية ودستورية تحميهن وتحمي أطفالهن من العبث.والنتيجة مزيد من قضايا النسب والشرف وأطفال الشوارع، وعمليات الإجهاض غير الآمن.

وعلى أثر هذا الأساس اللا منطقي تُفّرغ النسوية من مفهومها التحرري ذي النزعة الإنسانية المستنيرة، في ظل سياق مهترئ اقتصاديّاً وسياسيّاً يعوق التحقق الذاتي المنشود، ويفضي إلى المزيد من التهميش والتناحر الجندري الذي يستحق العنونة بــ”ضجيج بلا طحين”، ومن ثمَّ الشعور بالمظلومية والاستغراق في دور الضحية التي تسعى للاعتراف، للمفارقة، من مجتمع ذكوري تزدريه، ما يؤدي إلى علو الأصوات التي تعدُّ المرأة كائناً هشّاً لا بد من حمايته وحجبه بعيداً عن الأيادي والنظرات العابثة، أي عودة رجعية إلى “وهم الحريم” أو “عصر الحرملك”.

النسوية العربية

النسوية العربية

أترك تعليق

مقالات
جريدة (العرب) اللندنية- ما قيمة الوطن بلا ميزات المواطنة، إنه بمثابة سير في طابورٍ طويل من المصفّقين والمهلّلين للحاكم الأعظم مع انتفاءٍ لكلّ الحقوق. لذلك أصبح الجميع يبحثون عن الخلاص بأيّ شكل متمثّلاً في الحصول على جنسية بلادٍ أخرى يتمتّعون فيها بمواطنة غائبة في بلادهم. تأمل هند ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015