تحرّش وابتزاز وتنمّر… كيف تحمي النساء أنفسهن من العنف الإلكتروني وتبلّغن عن المتحرّشين؟
تحرّش وابتزاز وتنمّر.. العنف الإلكتروني

رشا حلوة/Raseef22- “بلغت 315 بلاغاً عن الجرائم الإلكترونية حتى شهر آذار/ مارس 2020″، كما أنّ “أكثر من مئة امرأة وفتاة يبلّغن شهرياً عن تعرّضهن للعنف الإلكتروني بأنواعه، وفقاً للأرقام الصادرة عن المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي في لبنان”، بهذا افتتحت منظمة “في-مايل” النسوية اللبنانية، بيانها الصحفي الذي وصل رصيف22، إطلاقاً لحملتها الإلكترونية “الشاشة ما بتحمي”.

تعمل منظمة “في- مايل” منذ تأسيسها على الحماية الإلكترونية، حيث تعتبر أنه أولوية في ظلّ تزايد جرائم العنف الإلكتروني بحقّ النساء والفتيات، فتهدف الحملة، التي أُطلِقت يوم الجمعة 8 أيار/ مايو، إلى “التأكيد على أنّ النساء والفتيات، في لبنان والعالم العربي، لهنّ الحقّ في الوصول إلى الإنترنت واستخدامه بحرية وأمان، من دون التعرّض للعنف الإلكتروني”.

ووفقاً للبيان أيضاً، وحسب “معطيات المديرية العامة للأمن العام التي حصلت عليها منظمة ‘في-مايل’، فإن العام 2019 شهد انتحار فتاتين بسبب الابتزاز الإلكتروني، ومحاولة انتحار ثالثة، و1270 بلاغاً”.

في الحديث عن العنف الإلكتروني، من المهم الإشارة إلى أنّ الجرائم الإلكترونية التي تتعرّض لها الفتيات والنساء، تتوزّع إلى: التحرّش اللفظي، المرئي أو المسموع، التنمّر، التعرّض للآداب والأخلاق العامة، الابتزاز الجنسي، الابتزاز المادي، التهديد بالتشهير، القدح والذم وسرقة حسابات إلكترونية.

حول الحملة، أهدافها وعمل منظمة “في-مايل” حول العنف الإلكتروني، تحدّث رصيف22 إلى علياء عواضة، الناشطة في المنظمة، وفي إجابةٍ على سؤال لماذا اختارت المنظمة العمل على هذا الحقل؟ قالت: “كل قضايا النساء أولوية، لكننا نحاول أن نعمل على قطاع لا تعمل عليه باقي المنظمات، كما أنّ الفضاء الإلكتروني واسع، ويتيح مساحة تعبير للنساء أكثر من العالم خارجه، وهي فضاءات مهمّة، ومن المهم أن تكون آمنة، والنساء فيها قادرات على استخدامها لأن ذلك من حقّهن”.

مع الحجر الصحي، ووفقاً لتقارير عديدة، ازدادت نسبة العنف ضد النساء بالعموم، مع فرض منع الخروج من البيت، لضرورة الحماية الصحية والحدّ من انتشار فيروس كورونا، وبنفس الوقت، ازداد استخدام المنصّات الإلكترونية لما تتيحه من قضاء وقت، ترفيه و/أو التواصل مع الناس خارج جدران البيت، “أغلبنا يقضي معظم أوقاته خلف شاشات الكمبيوتر والتلفونات، أصبح هذا الفضاء كل حياتنا”، تقول عواضة. وبالمقابل، فإنه “خلال مرحلة تنفيذ قرار التعبئة العامة، ارتفعت نسبة شكاوى جرائم الابتزاز والتحرّش الجنسي بنسبة 184%”.

وتتابع: “هذا جعل الحاجة لإلقاء الضوء أكثر على العنف الإلكتروني، ولإطلاق الحملة التي تهدف للتوعية، ومنح النساء أدوات لحماية أنفسهن خلال استخدام المنصّات الإلكترونية، لأننا لسنا مجبورات على تركها بسبب وجود مبتزّين ومتحرّشين، بل علينا أن نعرف أن هناك أدوات للحماية الذاتية من خلال تقنيات يمكن اتباعها إلى تبليغ القوى الأمنية”.

جزء أساسي من عمل المؤسسات النسوية التي تُعنى بدعم النساء في مواجهة العنف الممارس عليهنّ، هو منح مساحات أمان عبر طرق عديدة، منها خطوط الدعم للحديث عن تعنيفهنّ، الشكوى، أرقام التبليغ عن العنف وغيرها.

برغم كل المجهود المتواصل، وفي ظلّ مجتمعات أبوية قامعة تزداد فيها قضايا التعنيف، ما زالت الضحية والناجية تُلامان على ذلك، كما تخاف نساء معنَّفات من الحديث عن العنف الذي تعرّضن له، سواء لأقرب الناس إليهنّ أو للجهات المسؤولة.

حول الخوف الذي تعيشه النساء في الإبلاغ، وهل هو ذات الخوف في سياق العنف الإلكتروني، تقول علياء عواضة: “هناك كثير من الفتيات والنساء اللاتي يخفن من التبليغ، فالفتيات ما بين 12 و25 عاماً هنّ الأكثر عرضة للعنف الإلكتروني، ويخفن من التعرّض للابتزاز من المعتَدي ومن المجتمع أيضاً”.

وتضيف: “مثلاً من ضمن القضايا، فتاة قام شخص بتصميم صورة فوتوشوب لجسدها على أنه عارٍ، وهدَّدها في حال لم تُرسل له فيديوهات وهي عارية، سوف يُرسل الصورة إلى أهلها، فخافت وأرسلت له الفيديوهات، وهذا مفهوم جداً”.

إن معادلة تحميل المرأة “مسؤولية الشرف والعيب والعار”، لا تبتعد عما تشعر به فتيات ونساء معنّفات إلكترونياً، فيقعن ضحايا ابتزاز المعتَدي والمتحرّش. عن هذا تضيف عواضة: “للأسف، ترعرعنا وسط عائلات ومجتمعات لم يقل لنا أحد فيها أنه عندما يتم التحرّش بنا، لسنا المذنبات، بل هو ذنب المتحرِّشين”. وتتابع: “لم يقل لنا أحد بأنّ الحق على المتحرّش عندما أتعرّض لاعتداء، وأنه من حقّي التبليغ عنه، فاللوم يقع على النساء لأننا نُعتبر العنصر الأضعف، فتخاف نساء من التبليغ بسبب ما يلحقهنّ من وصمة عار، وخوف من رد فعل العائلة وما سيفكر المجتمع ومن المستقبل، حيث ‘ستلاحقنا وصمة العار هذه كل حياتنا’، وفقاً للمعايير المجتمعية الذكورية”.

بالعودة لحملة “الشاشة ما بتحمي”، ففي معناها تعني أن شاشة الكمبيوتر و/أو التلفون، لن تحمي الفتيات والنساء من العنف الإلكتروني ولا من خرق خصوصياتهن، في حال لم يقمن باتخاذ خطوات الحماية التقنية، وبنفس الوقت، لن تحمي المعتَدي أيضاً في حال أبلغن عن الاعتداء الإلكتروني لقوى الأمن العام، حيث سيتم معاقبته وفقاً للمادة 650 من قانون العقوبات اللبناني، والتي تفيد أنّ “كل شخص يهدّد شخصاً آخر بفضح أمر ينال من شرفه أو كرامته أو اعتباره، بالسجن من شهرين إلى عامين وبالغرامة المالية”.

واستناداً على هذا، تتخذ حملة “الشاشة ما بتحمي” مسارين منذ لحظة إطلاقها، الأوّل يقوم بالأساس على رفع وعي الفتيات والنساء إزاء انعدام الأمان على الإنترنت وضرورة الحماية، والقسم الثاني حول الآليات التقنية للحماية، التي تتمحور حول كيفية استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بطريقة مسؤولة، عن الأمان وحماية الذات عبر الإنترنت، حماية السلامة العاطفية، وكيفية عمل نسخ احتياطية من المعلومات والبيانات، مثل التفاصيل والمعلومات الشخصية، وحفظها في مكانٍ آمن.

إنّ تركيز حملة “الشاشة ما بتحمي” على النساء يأتي أيضاً لأنّه، وفقاً لمركز “بيو” للأبحاث، فإن الفتيات والنساء هن الأكثر عرضةً للتحرّش الجنسي عبر الإنترنت، مقارنةً بالرجال”، يُضاف إلى ذلك أيضاً ما تتيحه المنظومات الأبوية والذكورية من شرعية لأن يفرض رجال سلطتهم على النساء بكافة أشكالها، بما في ذلك “شرعنة العنف” في أحيانٍ كثيرة.

استمراراً للحديث مع علياء عواضة، وفيما يتعلّق بالأحقية التي يشعر بها المتحرّش بممارسة العنف على النساء، وحضور ذلك في الفضاء الإلكتروني، قالت: “المتحرّش الرجل لا يهمه الفضاء الإلكتروني أو أي مكان آخر، فهو يشعر أن من حقّه التصرف بالنساء كيفما يشاء، وهذا يصل إلى حدّ الوقاحة. نسمع قصصاً لنساء تمّ التحرّش بهنّ كل الوقت، وكانت إحداهنّ لفتاة وصلها فيديو لرجل أثناء قيامه بالعادة السرية، قالت له بأنها ستبلغ عنه، فكانت إجابته أنه أرسل لها عنوان بيته ورقم هاتفه!”.

وتتابع عواضة: “هذا إن دلّ على شيء، فيدلّ على القوة التي يشعر بها المتحرّش، لأنه واثق أيضاً بأن الفتاة لن تُبلّغ عنه لأنها ستشعر بالعار إزاء ذلك، وسوف تُلام، وهذا أساسي في تصرف المتحرّشين، اعتبار النساء أنهنّ شرف وعار للعائلات. نحن في العام 2020، وما زلنا نعاني من الثقافة المجتمعية الذكورية التي تفيد أن المرأة ملك الرجل، ويحقّ له العبث بحياتها كما يشاء!”.

“هنالك أيام تمنيّت لو لا أفهم العربية”

حنان أبو نصر، فلسطينية مقيمة في السويد، تحدّثت كثيراً عبر حسابها في تويتر عن اعتداءات إلكترونية لفظية تعرّضت لها، وعندما توجّهتُ لها لسؤالها حول موقفٍ ما، قالت: “محتارة أي موقف أختار، سواء عندما خلعت الحجاب، أو نشرت صورة بملابس لم تُعجب الناس، أو عندما نشرت فيديوهات أرقص فيها، لكني سأتحدث عن فيديو الرقص، وما تعرّضت له من عنف لفظي وتنمّر”.

الفيديو الذي تحدّثت عنه أبو نصر هو بمثابة تصوير شخصي لها وهي ترقص، أضافت إليه تعليقاً، عن هذا تضيف: “وضعتُ على فيديو مدة ثلاثين ثانية جملة من الحديث الشريف ‘يا معشر الناس تصدقن فأني رأيتكن أكثر أهل النار’ ومن ثم كتبت ‘أنا’… ولم أهتم”.

وتتابع: “وصلني تعليقات عنيفة كثيرة، وكلام مهين، وتعبتُ كثيراً في تلك الفترة. كان الموضوع مؤذياً، وعند كل مرة أتعرّض لعنف بسبب شيء كتبته أو قلته، أحوّل حسابي إلى خاص، وأستخدم خاصية البلوك، وأهم شيء أني مُحاطة بأشخاص يعرفون سياسة تويتر، وكيف يمكن أن أقدّم تقارير بحسابات مُسيئة، لأن أي حساب مُسيء ممكن أن يُغلق من قبل تويتر”.

عن شعورها في فترة التعنيف الإلكتروني، قالت حنان: “الأمر مؤذٍ، هنالك أيام بكيتُ فيها كثيراً، وهنالك أيام تمنيّتُ أني لا أفهم العربية كي لا أقرأ هذه الوساخة”، وتتابع: “لكنني محظوظة لأني مُحاطة بأشخاص داعمين ومتفهّمين لما أمرُّ به”.

في إجابةٍ عن السؤال، هل التعنيف اللفظي أثّر على حرية تعبيرها، أو حدّ منها بشكل أو بآخر، قالت حنان: “أظنُّ نعم، بشكل ما، لأن أهلي أيضاً يتعرّضون لنوع من الابتزاز في فلسطين. فحتى لو أصرّيت أن هذه حريتي، ومصرّة على مواصلة ذلك، فأفكر أيضاً كيف يتعرّض الناس لأهلي بكلام مُسيء. لا يمكنني القول إني حرّة تماماً، وأخاف أحياناً أخرى، لكني أعتقد أن لدي القوة الكافية، رغم صعوبة الموقف”.

علينا مسؤولية حماية أنفسنا

في حديثٍ لرصيف22 مع عبير غطّاس، باحثة في الأمان الرقمي لمنظمة هيومان رايتس ووتش، قالت بدايةً: “ليس ذنب النساء أنهنّ يتعرّضن لأي شكل من أشكال العنف الإلكتروني”. وتتابع: “الأزمة تكمن أحياناً بأنه ليس لدينا الوعي الكافي بكيفية حماية أنفسنا، عبر المنصات التي نستخدمها. بمعنى، كيف يمكنني، أثناء استخدام فيسبوك أو إنستغرام، ألا أنشر معلومات ليس من المفروض نشرها؟ الموقع الجغرافي على سبيل المثال، هل يجب أن يعرف الناس أين موقعي؟ وأين التقطت الصورة؟ كلا. يجب أن نتمرّن على قراءة إعدادات الخصوصية في كل منصة نستخدمها، وعلينا مسؤولية أن نكون واعيات للمنصات التي نستخدمها، عندما نمسك سكيناً، هل نمسكه من الجهة الحادة؟ كلا، وهكذا تماماً يجب أن يكون تعاملنا مع ضرورة حماية أنفسنا وخصوصيتنا، وهذه الحماية الذاتية هي أكبر خدمة لذواتنا، ويجب الحفاظ عليها واستدامتها”.

تشير عبير في حديثها، أن هناك ضرورة لإعادة القدرة على تحكّم النساء في معلوماتهنّ وبياناتهنّ والأرقام السرية لحساباتهنّ الإلكترونية المتنوّعة، وتقول: “عندما تلاحظين بعض الحسابات المزعجة التي تصلك منها رسائل أو صور عنيفة، دائماً البلوك حل في مثل هذه الحالات، الريبورت أيضاً حل، لأن المنصات تفشل أحياناً في حمايتنا، فمن خلال تقديم تقارير عن حسابات مسيئة فيها عنف لفظي أو خطاب كراهية، فنحن أيضاً نساهم في تحسين المنصات التي نستخدمها لحماية أنفسنا”. وتتابع: “يجب ألا نستخف بهذه الأمور، لأن حياتنا كلها موجودة أون لاين”.

تأتي كل حملات التوعية عن الحماية الإلكترونية والأمان الرقمي، لمساعدة فتيات ونساء بتوفير أدوات للحماية والأمان، كما ولاستخدام المنصات الإلكترونية بلا خوف، وبحد أدنى من التأكيد أن التعنيف الإلكتروني الذي يتعرّضن له ليس مسؤوليتهنّ، حتى لو كنّ هنّ اللواتي أرسلن صوراً حميمية لرجل على سبيل المثال، خاصةً في حال كانت بينهما علاقة عاطفية.

عن هذا تقول عبير غطّاس: “إذا أرسلت امرأة صوراً حميمية لرجل، ما من خطأ في هذا، لأن في وقت ما وثقت به، ولم تعرف أنه سيشارك الصورة خارج الطرفين، وعندما يُخِلُّ أحدٌ في هذا العقد، أي الرجل، هذا ليس ذنب المرأة، إنما ذنبه هو. وبالتأكيد، ليس علينا جلد ذواتنا!”.

وتتابع: “تتبع نساء كثيرات اليوم تقنية الهجوم، توثيق اعتداءات لفظية مثلاً، لأن أغلب الاعتداءات هي مخفية، يقوم بها الرجل في الرسائل الخاصة، وليس علناً، وبالتالي، تصوير المحادثة، توثيق الاعتداء، ومشاركة الصور في مجموعات مصغّرة، مع أشخاص نثق بهم، وإن أرادت المرأة فضح الرجل، ليس بالضرورة أن تنشر التوثيق باسمها، بإمكانها أن تجد من يتحدّث عنها، وكشف اسم المتحرّش، وهذه الطرق أثبتت نجاعتها”.

في حديثنا عن فضح المتحرّشين، فإنّ فيسبوك على سبيل المثال، مليء بمجموعات مغلقة، تنشر فيها نساء حالات اعتداء وعنف إلكتروني، سواء بأسمائهن الحقيقية أو من خلال مدير الصفحة، وهذه بالتأكيد طريقة إضافية لكيفية ابتكار النساء طرق لحماية أنفسهن ومعاقبة المعتَدي والمتحرّش، كما مواصلة رفع الوعي حول أهمية التبليغ، والأهم، بأن التعرّض للتحرّش والاعتداء، ليس ذنب النساء، إنما ذنب المتحرّشين.

تحرّش وابتزاز وتنمّر.. العنف الإلكتروني
تحرّش وابتزاز وتنمّر.. العنف الإلكتروني

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015