جندرة الدستور التغيير الذي قد تحدثه المرأة
جندرة الدستور

المرأة العربية لا تزال متفائلة بالوصول إلى المبتغى وهو أن تكون شريكاً حقيقياً وفعالاً وندياً يطمح إلى المناصفة في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

جريدة العرب/كندة قنبر – أكثر من إحدى عشرة اتفاقية دولية من بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بدءا من العام 1948 واتفاقية الحقوق السياسية للمرأة في خمسينات القرن الماضي، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعلان القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وإعلان حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ النزاعات المسلحة وغيرها، كل هذا وما زالت المرأة في العالم، وخاصة في العالم العربي، تناضل من أجل إحقاق المساواة الكاملة مع شريكها الرجل، نضال شابه العنف والأذى النفسي والجسدي والتنكيل في أحيان كثيرة.

ولكن المرأة العربية ما زالت متفائلة بالوصول إلى المبتغى، وهو أن تكون شريكاً حقيقياً وفعالاً وندياً يطمح إلى المناصفة في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ولأنها أثبتت ومن خلال نضالها عبر عقود من الزمن بأنها الأجدر والأقدر لتكون قائداً للتغيير في مجتمعات انتفضت على الدكتاتورية والاستبداد. استطاعت النسويات العربيات أن يضعن قضية النوع الاجتماعي أو ما يعرف بـ “الجندر” على أولويات التغيير في بلاد تشهد انتفاضات جاءت على شكل ربيع وإعصار دموي.

وتحت عنوان “بناء الأمم”، ترى النسويات أن البداية ستكون عبر الإصلاح القانوني وإعداد دساتير حساسة للنوع الاجتماعي (الجندر). مما يؤمن اللبنة الأساسية للمضي قدماً للحصول على مجتمع صحي ومتعافٍ اقتصادياً و تنموياً لتحقيق دولة المواطنة.

الوجه التونسي الرائد

تونس كانت قد شهدت في زمن ما قبل الاستقلال ولادة حركة نسوية قوية ناضلت جنبا إلى جنب مع جميع المنظمات الوطنية آنذاك. وبعد تقلد الرئيس الأول الحبيب بورقيبة منصب رئيس الجمهورية، تم إصدار ما يعرف بـ”مجلة الأحوال الشخصية” ثم “قانون الأحوال الشخصية” أو “قانون الأسرة”.

تلك الخطوات اعتبرت الأولى من نوعها في العالم العربي، فقد سنّت منع تعدد الزوجات والطلاق التعسفي وشجعت على الزواج التوافقي وضمنت إجراءات الطلاق المبنية على المساواة بين كل من المرأة والرجل.

تعزّزت حقوق المرأة بعد إجراء بعض التعديلات على قانون الأحوال الشخصية وقانون العمل والقانون الجزائي لاحقاً. وفي عهد الرئيس زين العابدين بن علي، برز توجة نسوي جديد. ولكن هذا التوجه كان يتحرك تحت رعاية الدولة التي أقصت العديد من المنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية المعارضة والتي لم تكن قادرة على العمل أصلاً.

بعد الإطاحة بحكم بن علي في يناير2011 تم التوصل إلى دستور جديد عرف بأنه متطوّر من منظور المساواة لحماية حقوق المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع. وليكون حجر الأساس لعملية التحول الديمقراطي في تونس والتي لم تكتمل بعد. دستور تونس هذا استحوذ على عنوان الصحف الدولية التي اعتبرته الثورة الحقيقية في العالم العربي والإسلامي أجمع.

الدكتورة سلسبيل قليبي وهي أستاذة القانون الدستوري في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، تقول لـ”العرب” إن وضع المرأة في تونس من الناحية القانونية بالمقارنة مع دول المنطقة والدول العربية متقدم ومنذ عقود. وتؤكد قليبي أن الأحوال الشخصية تدّعمت تدريجياً و طرأ عليها العديد من التعديلات حتى في ظل النظام الأسوأ في تاريخ تونس وهو نظام بن علي. على حد تعبيرها.

وترى قليبي أن الثورات العربية والتي تشهدها بعض دول العالم العربي هي فرصة لكل الأطراف، ليس فقط للأطراف التقدمية والحداثية، ولكن لكل أطراف المجتمع لكي تعيد توزيع فضاءات السلطة وتوزيع الأدوار داخل المجتمع، سواء على مستوى السلطة أو مواقع القرار.

ومن هذا المنطلق في تونس وبسبب ظهور حركة نسوية قوية تطالب بمزيد من الدفع نحو دعم مكانة المرأة ليس فقط على صعيد مكانتها في الأسرة ولكن في ما يخص الفضاء العام ودعم حضورها في أماكن صنع القرار ومراكز السلطة في فترة شابها البعض من الخطابات الرجعية والتي كانت على صعيد محدود، وبسبب مناقشة النص الدستوري الجديد، تقول قليبي “حرصت القوى التقدمية على الإقرار بضرورة التزام الدولة بدعم مكاسب المرأة. والتي دعي إليها في الخمسينات من القرن الماضي، ولكي لا تشهد المرأة التونسية من الناحية القانونية حالة من الانتكاسة”، وتضيف “دعت هذه القوى التقدمية إلى ضرورة الوعي بأن هذه المكاسب لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تتحول إلى سقف. وإنما وعت الحركة النسوية التونسية أنها فقط الخطوة الأولى، أو نقطة الانطلاق لمزيد من الدعم. لذلك يوضح النص الدستوري التونسي ضرورة الحفاظ عليها، ودعم المكاسب بنصوص قانونية أخرى، تزيد من مكانة المرأة”.

أهم إضافة جاءت في الدستور التونسي الجديد وفي فصله الـ46 هو المساواة في الحقوق السياسية. إذ ينص على التزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة والعمل على دعمها وتطويرها. وكذلك تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات. وتسعى إلى تحقيق “التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة”. وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة.

هذه الإضافات من وجهة نظر قليبي كانت نتيجة للضغط الكبير التي قامت به الحركات التقدمية في تونس وهو تأكيد على المساواة في الحقوق السياسية.

قليبي تختم بأن التزام الدولة بمكافحة كل أشكال العنف ضد المرأة أمر هام للغاية. وهذه القضية ليست خاصة بتونس أو العالم العربي فقط ولكنها قضية تحظى باهتمام كبير على الصعيد العالمي.

الوجه السوري الدامي

رغم كل الدمار والفشل الدولي على كل المستويات سواء السياسية أو الإنسانية لوقف المأساة السورية، تنطلق سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات في عدد كبير من الدول الأوروبية ودول الجوار السوري بين جميع أطياف المجتمع الدولي من المجتمع المدني السوري وقوى المعارضة والتيارات المقربة لنظام الأسد لمناقشة قضية هامة وجامعة لجميع أطياف المجتمع السوري أي “الدستور”.

وفي منصف شهر أغسطس وفي العاصمة باريس، عقد مؤتمر تحت اسم “مؤتمر عالي المستوى، بناء دستور شامل متوافق مع النوع الاجتماعي (الجندر): طريق سوريا نحو الديمقراطية” والذي يعتبر حلقة من عدة لقاءات قام بها تجمع سوريات من أجل الديمقراطية بالتعاون مع المبادرة النسوية الأورومتوسطية. يشارك فيها عدد كبير من السياسيات والسياسيين من أصحاب التوجه العلماني المدني.

وقد نوقش في برنامج المؤتمر الكثير من القضايا الحساسة التي تتعلق بالدستور، وكيفية جندرة الدستور وتشريعات الديمقراطية والمبادئ الدستورية المتوافقة مع النوع الاجتماعي للمرحلة الانتقالية وكأساس للدستور الدائم والتحديات الاجتماعية والقانونية والثقافية والاقتصادية وإعادة الإعمار.

المؤتمر الذي حضرته “العرب”، تطرّق إلى عدد كبير من الملفات القانونية ذات الحساسية الدينية والتي ترتبط بالفقه الإسلامي، ومنها ما تعلق بالقوامة والولاية، ونقاش صياغة القانون التي اعتبرت مجحفة بحق النساء وخاصة في التعابير ذات الصياغة العنفية.

وفي دراسة صدرت عن اللوبي النسوي السوري قامت بها الباحثة والخبيرة الجندرية لمى قنوت أوضحت أن المرأة السورية تعاني من تمييز و قهر عبر مجموعة من القوانين ومنها قوانين الأحوال الشخصية وقانون العقوبات ومنح الجنسية، وعدم الاحترام لاتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”.

تقول قنوت “إن الدستور السوري الذي أقرّ عام 2012 في مادته الثالثة وفي الفقرة الأولى والثانية والثالثة لا يمكن أن يحقق التحول الديمقراطي في سوريا، أو المساواة بين المرأة والرجل. وينص على حرمان المرأة من حقها في تولى منصب رئيس الجمهورية.

تكريس الطائفية

الفقرة التي تنص على أن “الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية”، تصفها قنوت بأنها تشريع لترسيخ الطائفية في المجتمع ودسترتها. وتضيف أن “هناك ثمانِية قوانين أحوال شخصية تكرس التمييز ضد النساء وبينهن وتحرمهن من حقوقهن المدنية وتسلط المرجعيات الدينية على حياتهن”.

مية الرحبي المنسقة العامة لتجمع “سوريات من أجل الديمقراطية” تقول إن هذا الحوار مع عدد كبير من التيارات السياسية والجهات القانونية والمجتمع المدني للوصول إلى مبادئ لدستور دائم متوافق مع النوع الاجتماعي (الجندر) يهدف إلى تحقيق المساواة والعدالة للمرأة السورية التي تستحق أن تحصل عليه ولأنها دفعت ثمناً كبيراً في الحرب الطاحنة وعبر النضال الطويل.

وتؤكد الرحبي لـ”العرب” أن جندرة الدستور لا تأتي بإضافة مادة أو مادتين تتعلق بحقوق المرأة وإنما هي عملية قانونية وحقوقية كاملة تهدف إلى تحقيق المساواة الكاملة من منظور المساواة الجندرية.

وتعتبر الرحبي دستور العام 2012 دستورا لا يمكن أن يؤمن التحول الديمقراطي في سوريا، وخاصة في ما يتعلق بدين الدولة، والتي تعدّ مسألة ذات حساسية بالغة، زادها العنف الطائفي والصراع الذي أخذ منحى دينياً ما ساهم في تعقيد الحالة السورية. أما قضية المساواة فلم يكفلها الدستور الذي تم تعديله في عهد الأسد الابن وفي ظل المجازر والبراميل المتفجرة والكيميائي والتهجير والتعذيب.

وتوجه الرحبي انتقادات حادة إلى الدستور السوري الحالي، وتضيف “تجدر الإشارة إلى أن مبادئ المساواة المنصوص عليها في الدستور تتعارض مع نصوص أخرى، على سبيل المثال، يعتبر الدستور أن دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، فيحرّم على غير المسلمين الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. ويشتمل أيضاً على بعض أحكام الشريعة الإسلامية، أو بعض التفسيرات الدينية لهذه الشريعة وتطبيقاتها الحالية في سوريا كما في بقية بلدان العالم العربي، وفي هذا انتهاك لمبدأ المساواة بين المرأة والرجل من ناحية، وبين المسلمين وغير المسلمين من ناحية أخرى”.

وتدرك النسويات السوريات التحديات التي تواجههن في المطالبة بإعداد دستور حساس للجندر، وأن هذه العملية هي عملية نضالية تشوبها الكثير من العقبات. تقول الرحبي إنهن ليست لديهن أوهام بعدم وجود تحديات وتحديات كبيرة أمام هذا المشروع. وتعترف بأنهن ربما لن يصلن إلى ما يطمحن إليه. وأنهن ربما سيخضعن للمساومات السياسية، ولكنها تؤكد أنه لا يجوز للنسويات إلا أن يطرحن مشروعاً كاملاً ومتكاملاً.

وعلى الرغم من اتّباع النظام السوري لسياسة الأرض المحروقة ضد شعبه، لا تزال التجمعات النسوية متفائلة وترى فرصة بالوصول إلى إبرام عقد اجتماعي جديد.

تقول الرحبي إن هناك تجارب لدول تمكن الاستفادة منها من بينها راوندا التي ذهب ضحية صراعها القبلي مليون إنسان، لكنها استطاعت التوصل إلى دستور يكفل حقوق المواطنات والمواطنين وتطبيق الكوتا النسائية والتي وصلت إلى 50 بالمئة من التمثيل في البرلمان.

الوجه اليمني المنشطر

مشهد دموي آخر يعصف ببلد عربي ولكن في شبه الجزيرة العربية. إنه اليمن الذي انضم إلى البلاد الثائرة ضد الدكتاتورية والفساد. اليمن الذي كان حراكه السلمي مدعّما بمشاركة نسوية قوية استطاعت أن تقف مع الرجل في الانتفاضة ضد الاستبداد. لكن تسارع الأحداث والحرب الناشبة جعلت من العمل المدني والقانوني عائقاً لذلك الحراك.

في لقاء مع العرب أكدت وزيرة حقوق الإنسان السابقة وعضو الحوار الوطني في اليمن السفيرة أمة العليم السوسوة، أن مشروع الدستور والذي انتهت من إعداده لجنة صياغة الدستور في شهر يناير من العام 2015 لم يتم الاستفتاء عليه بسبب التطورات السياسية والعسكرية المؤسفة والتي كانت عبارة عن عجلة طاحنة وسريعة.

تقول السوسوة إن “مشروع الدستور اليمني هو من أكثر الدساتير التي جاءت على الأقل بعد الوحدة اليمنية جندرةً، فهو يكفل حقوق المواطنات اليمنيات. وبالنظرة إلى التاريخ الدستوري لليمن يعتبر دستور اليمن الجنوبي آنذاك من الدساتير، وخاصة في ما يتعلق بمدونة الأحوال الشخصية، الأقرب إلى نموذج تونس″. تضيف السوسوة أنه عندما تم إعداد مسودة الدستور الحالي، “كانت الصياغة تعتمد على صياغة حساسة للنوع الاجتماعي آخذة بالاعتبار ما يكفل حقوق المرأة، لا سيما في التخصيص والإشارة إلى كل مواطن ومواطنة يمنية. ففي المادة الـ75 يتضح التزام الدولة بدعم ورعاية المرأة وسن القوانين التي تكفل حمايتها ورفع مكانتها في المجتمع والقضاء على الثقافة السلبية والعادات الاجتماعية التي تنتقص من كرامتها.

وتوضح السوسوة أن مشروع الدستور اليمني يقدم مجموعة من المواد تظهر تخصيصاً وتحديداً واضحين. ففي المادة الـ57 والتي تندرج تحت بند الحقوق والحريات، ينص الدستور على أن المواطنين متساوون في الحقوق والحريات العامة دون تمييز بسبب الجنس او اللون. وفي المادة الـ76 يبرز تفعيل لمبدأ المواطنة المتساوية، حيث “تعمل الدولة من خلال سن تشريعات وتتخذ إجراءات لتحقيق مشاركة سياسية فاعلة للنساء بما يضمن الوصول إلى نسبة لا تقل عن 30 بالمئة في مختلف السلطات والهيئات”.

وتؤكد السوسوة أن هذه المادة رغم أنها غير محددة لنوع السلطات والهيئات واجهت اعتراضاً كبيراً وحملات ترهيب وتكفير لدى الكثير من النسويات. ويحدد مشروع الدستور اليمني الجديد سن الزواج والذي حدد بسن الـ18 عاما حيث يعرف اليمن بارتفاع نسبة زواج القاصرات. هذه القضية التي لم يتناولها مجلس النواب من قبل ولم يستطع تحديد العمر إلا بـسن الـ15 عاما، بينما استطاعت نسويات اليمن وبالضغط والنضال الوصول إلى تحديد سن الزواج في الدستور.

ورغم تعديل المادة في دستور العام 1994 التي تعتبر “النساء شقائق الرجال” بحيث أضيفت إليها جملة “ما تكفله الشريعة”، ورغم إعداد مشروع دستور جديد حساس إلى حد ما إلى النوع الاجتماعي “الجندر”، فإن المشروع لم ير النور بسبب الحرب الناشبة منذ ثمانية عشر شهراً. لذلك لا ترى الوزيرة السوسوة أن هذا المشروع سيتم التوافق عليه بين الأطراف المتنازعة حتى إذا ما توصلوا إلى اتفاقية ما.

جندرة الدستور

جندرة الدستور

أترك تعليق

مقالات
زينة أرمنازي/ أبواب- خلال بضع سنوات من الاغتراب طرأ تحولٌ كبير في المفاهيم لدى السوريين ولدى النساء خاصةً، سلباً أو إيجاباً، المهم أنه حدث بالفعل. ونتج عن هذا تغيير كبير في قناعات ومعايير اجتماعية عدة، كانت تقيّد بعض الأشخاص في إظهار هويتهم الاجتماعية. فما هي تلك القناعات الجديدة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015