زواجٌ يسرق الطفولة تحت مسمّى «خير البرّ عاجله»
تزويج القاصرات في الجزائر

الجزائر/ جريدة (الحياة)- يثير زواج القاصرات في الجزائر جدلاً كثيراً بسبب النهاية المأساوية لنسبةٍ كبيرة من الزيجات التي تنتهي بالطلاق أو الخلع، وقبل كل ذلك تُسرَق طفولةٌ من فتياتٍ في عمر الزهور يجدن أنفسهنّ أمام واقعٍ جديد مُجبرةً لا مُخيّرةً فيه.

تحت مسمّياتٍ تمتزج بين الأعراف والتقاليد وسترة المراهقات، إلى الظروف الإجتماعية القاهرة والتخلّص من شبح العنوسة؛ يخلط جزائريون كثر يقدمون على تزويج بناتهم في سن مبكرة بين زواج القاصرات والزواج المبكر، إذ يجهل غالبيتهم أنّ الأول يمنعه القانون ويعاقب عليه أما الثاني فيسمح به القانون ولا يتدخّل فيه. وما يثير الهواجس لدى رجال القانون والأطباء وحتى الاختصاصيين في علم الاجتماع، عودة ظاهرة زواج القاصرات في العقد الأخير في شكلٍ لافت، إذ لم يعد مقتصراً على الأرياف والمناطق النائية في البلاد، بل تفشّى في بعض نواحي المدن بذرائع شتى في تجاهلٍ لمتغيّرات نفسية وصحية قد تواجه المُقبلة عليه.

الصحة تحذّر

وتكشف إحصاءاتٍ رسمية صادرة عن وزارة الصحة نشرت في حزيران (يونيو) الماضي، نسبة 3.5 في المئة من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة «سبق لهن الزواج». حيث إنتقدت دراسة وزارة الصحة ظاهرة «الزواج المبكر لدى الفـــتيات»، ورأت أنها من الأسباب التي تـــؤدّي «إلى التسرّب الــــمدرسي، وعدم تمكّن الفتاة من مواصلة دراساتها في الجامعة، إضافةً إلى عجزها عن الاكتساب المادي».

كما أظهرت الدراسة أن الأمهات الحوامل اللواتي لا يتعدّى سنهن 19 سنة معرّضاتٌ لخطر الوفاة عند الولادة أو احتمال وفاة الرضيع. في وقت يؤكّد الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات أنّ ظاهرة زواج القاصرات أخذت ترتفع سنوياً، مشيراً أن هذا الزواج يكون في أغلب الأحيان مجرّد زواج متعة، ولا تستمر العلاقة أكثر من أشهرٍ فقط.

وبذلك تدقّ المؤشرات الرسمية ناقوس الخطر من ظاهرة الزواج المبكر، وعلى رغم ذلك يتغاضى المشرّع الجزائري عن أخطاره، ويرخّص قضاةٌ لقصّرٍ بالزواج والذي يسمّى قانونياً «ترشيداً»، علماً أنه حدّد سن الزواج القانوني للإناث والذكور بـ19 سنة.

لكن وفق قانون الأسرة المعدّل 05-02 الصادر في 27/02/2005، أضافت المادة السابعة من قانون الأسرة شرطاً جوهرياً في حال أن المتزوّج قاصر، والذي كان حلقة مفقودة في القانون 84-11، والمتمثّل في قدرة الطرفين على الزواج، وذلك بتعليق الترخيص بزواج القصّر على شهادة طبية تثبت التأهيل الجسدي حتى يتأكّد القاضي من قدرة الطرفين على الزواج.

وبإضافة هذا الشرط يتوجّب على القاضي اللجوء إلى أهل الخبرة لمعرفة ما إذا كان القاصر المُقبل على الزواج أهلاً لذلك أم لا، وألا يكتفي عند منحه للترخيص بسلطته التقديرية. كما يتأكّد القاضي من رغبة القاصر في الزواج وعدم تعرّضها للضغط والإكراه، عندئذ يمكن تثبيت الزواج قبل السن القانونية.

ولا ينفي المحامي الجزائري مراد قاني في تصريحٍ لـ «الحياة»، إقدام أهالٍ كثر على تجاوز القانون على رغم الإجراءات الردعية حيال «الجريمة» التي لا تكون إلا برخصة مسبقة من طرف القاضي ومبررة.

ففي حالتين يُلزم القانون الجزائري الرجل المتورّط في اغتصاب قاصر بالزواج منها أو يُزَجّ به في السجن، ولا يمكنه تطليقها إلا بعد مرور خمسة أعوام. أما في حالة أخرى والتي يكون فيها الزواج كاملاً يستوفي الشروط بحضور الولي ولا يتمّ العقد إلا بترخيص رئيس المحكمة.

ويضيف قاني أنّ المحاكم تسجّل 70 في المئة من حالات الطلاق بالنسبة لزيجات القاصرات اللواتي تقل أعمارهن عن 18 سنة، إذ يَعُدنَ بعد فترةٍ إلى قاضي شؤون الأسرة من أجل طلب الطلاق أو الخلع.

وفي عقودٍ سابقة، كانت غالبية الفتيات يتزوّجن في سن مبكرة جداً ولم يكن تُطرح مشكلة الطلاق إلا نادراً في الأوساط الاجتماعية، إلا أنّ المحامي الجزائري يعزو عدم نجاح فتيات الجيل الحالي ممن لم يتجاوزن الـ24 سنة في بناء أسرةٍ متماسكة، لأنهن غالباً غير ناضجاتٍ، وغير مدركاتٍ بواجبات الزواج ومسؤولياته ويعانين من مظاهر المراهقة.

«قنبلةٌ إجتماعية»

ويشير معظم الأطباء محذّرين من الأخطار الصحية لهذا الزواج. فيقول رئيس النقابة الوطنية للأطباء الممارسين الياس مرابط إن الولادة في سن مبكرة أشبه بالولادة في سن اليأس بالنسبة إلى المرأة، إذ تسبب ارتفاعاً في ضغط الدم ومشكلاتٍ في الرحم.

وعدم اكتمال جسم الحامل قد يقتل مولودها في بطنها أو يسبب له تأخّراً عقلياً أو عدم اكتمال جسمه، فضلاً عن مشكلاتٍ نفسية قد تصاب بها القاصر كالاكتئاب والهستيريا والقلق، وفق مرابط.

لكن نظرة المجتمع إلى الفتاة هي التي تفرض ظاهرة زواج القاصرات، إضافةً إلى غياب التعليم وغلاء المعيشة. ويوضح محمد العيد عمران أستاذ علم الإجتماع في جامعة وهران (غرب الجزائر العاصمة)، أن أسراً عدة تعتبر أن من لديه طفلة كأنما في حوزته «قنبلة إجتماعية» يسعى إلى التخلّص منها بتزويجها إلى أول من يتقدّم إليها، ولا يهم إن كان صغيراً أم في سن أبيها أو متزوّجاً، شرط أن يوثّق الزواج بعقدٍ قانوني بمجرّد أن تبلغ الفتاة السن القانونية.

ويدعو عمران إلى بناء الأسرة باعتبارها نواة على أساسٍ سليم وصحيح، إذ يولّد زواج القاصر خللاً بسبب السن التي لا تسمح لها بأن تكون إمرأةً سويةً ومستعدةً لتحمّل مسؤولية أسرة وتربية أولاد.

ولتفادي تكرار ما سمّاه «مأساة زواج القاصرات»، اقترح عمران استحداث الحكومة مراكز مختصّة في تنمية دورة الحياة الزوجية أو تنظيم دوراتٍ تنموية، ما يساعد في جعل مؤسسة الزواج أنجع، ومنعاً للتعدّي على حقوق الطفل والمرأة.

تزويج القاصرات في الجزائر

تزويج القاصرات في الجزائر

أترك تعليق

مقالات
ينظّم قانون الأحوال الشخصية في سوريا قضايا: الزواج والطلاق والنسب والحضانة والوصايا والميراث، وتشهد محاكم الأحوال الشخصية السورية تقسيماً تبعاً للطوائف الدينية، حيث لكلّ طائفة محاكمها المذهبية وتشريعاتها الخاصة ـ ينتج عن  ذلك واقع  تعدّد القوانين تبعاً للانتماء الطائفي، وما لذلك من ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015