فردوس البحرة شهادة نصف قرن من النضال النسوي
رابطة النساء السوريات

كيف تقيم فردوس البحرة النشاط النسائي السوري وفضاءاته منذ الاستقلال وحتى اليوم، ثم خلال العقود الخمسة الأخيرة في ظل النظام السوري؟ هل من مساعٍ تم إجهاضها أو مسارات تمت إعاقتها؟

مجلة سيدة سوريا- نجحت بواكير الحركة النسائية في سوريا، في استقطاب كوكبة من النساء النهضويات، ينتمين للطبقة الميسورة التي مكنتها ظروفها في تلك الفترة من التعليم والاحتكاك بالعالم الخارجي، شكلن جمعيات نسائية، ركزت على العمل الخيري الرعائي، واقتصرت في برامجها على الخدمات الاجتماعية والفكرية والتوعوية، لتأتي الخطوة الأهم، وهي مشاركة اتحاد الجمعيات النسائية السورية عام 193777 في التنمية، عن طريقق إطلاق مشروع إنعاش القرى ومكافحة الأمية، في مركز جديدة عرطوز غربي دمشق. كما شارك الاتحاد في دعم منح المرأة السورية حقق الانتخاب، عبر حملة واسعة النطاق في أحياء دمشق، لتشجيع النساء على المشاركة في التصويت للانتخابات عام ١٩٤٩ هؤلاء السيدات المناضلات المتنورات، وضعن أولى لبنات تحرر المرأة السورية، ولعبن دوراً متميزاً في الحياة الاجتماعية والثقافية السورية.

وعلى مستوى موازٍ، تنادى عدد من النساء السوريات التقدميات في دمشق، والمحافظات السورية الأخرى، عام 1948، وشكلن رابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة، كمنظمة نسائية تناضل من أجل حقوق المرأة والأسرة والمجتمع. عملت المنظمة على نشر الوعي السياسي والثقافي بين النساء، ومحو أميتهن، وتعليمهن وتحسين الوضع الاجتماعي للأسرة، من أجل أن تكون المرأة عنصراً فعالاً في بناء مجتمع متحرر من كل أشكال الاستغلال والتمييز. وكان أول مطلب سياسي لها، حق المرأة السورية في الانتخاب والترشيح.

لعب نشاط الجمعيات النسائية في سوريا، في فترة ما قبل الاستقلال وبعده، وكذلك نشاط الهيئات واللجان النسائية والنوادي الأدبية، التي انتشرت في عدد من المدن والمناطق السورية، دوراً مؤثراً في حياة المرأة السورية، التي كانت تعيش ظروفاً صعبة، نتيجة الجهل والتخلف والعبودية والتبعية المطلقة للرجل، فظهر في الخمسينات عددٌ من التنظيمات النسائية في سوريا، نتيجة الحريات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة، تركز عملها على الاهتمام بالمرأة والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن.

في العقود الخمسة الأخيرة، في ظل نظام الأسد وافتقاد سوريا لقانون حديث للجمعيات، ينظم مسار العمل النسائي، ويفسح المجال للحراك الاجتماعي، ويرفع الحظر عن تشكيل منظمات نسائية، واصلت مجموعات نسائية عملها، رافضةً الاندماج مع الاتحاد العام النسائي الممثلل الشرعي للنظام. منها رابطة النساء السوريات، التي اتجهت منذ الثمانينات إلى الاستقلال عن الحزب الشيوعي، دون الاستقلال عن الخلفيةة العلمانية. وتبنت خطاباً نهضوياً عامّاً، يتجاوز الاصطفاف الحزبي، مساهمةً في إعادة إحياء حركة نسوية مستقلّة، مكّنها عبر العديد من نشاطاتها، من استقطاب عدد هامّ من المشتغلين على القضية النسوية، وتأسيس تجمع مدني سمي “تجمع سوريات من أجل الديمقراطية”، يهدف إلى الدفاع عن حقوق النساء، أطلق التجمع في بيروت في كانون الأول 2012 وثيقة المبادئ المؤسسة للدستور، ضمن مؤتمر سمي “المساواة أولاً” ضم ما يقارب مائة سيدة سورية. كان الهدف من الوثيقة إظهار الاستعداد من قبل جيل النسويات السوريات القديمات، ليكن حاضرات ومشاركات في أي تغيير مرتقب للنظام والقوانين في سوريا.

 ضمن ما سعت إليه رابطة النساء، إلغاء المواد التمييزية في قوانين الأحوال الشخصية السورية، فأعدّت الدراسات والأبحاث، ورصدت المواد التمييزية ضدّ المرأة، في القوانين السورية: الأحوال الشخصية للطوائف كافة، للوصول إلى قانون ناظم للعلاقات الأسرية، يضمن حقوق النساء فيها، وعندما أعد النظام مشروعاً لتعديل قوانين الأحوال الشخصية عام 2009، أتى مشروعاً هجيناً يكرس العنف والتمييز ضد المرأة، وتضمن انتهاكاً فاضحاً لحقوق النساء، لا تَقدُّمَ فيه لحقوق المرأة عن القانون المعمول به، مما أدى لسحبه من قبل الجهات العليا في الدولة، بعد الاحتجاجات التي وجهت إليه، وعدم تبني المشروع من قبل أية جهة حكومية.

ما هي أبرز القضايا التي أتيح للناشطات السوريات النضال من أجلها، وكيف تقيمين نتائج هذا النضال؟ هل حققت المرأة انتصارات في نضالها؟

أطلقت الرابطة، حملتها الوطنية لتعديل قانون الجنسية، من أجل إعطاء المرأة السورية، حقّ منح جنسيتها لأولادها. وفي هذا المجال، عقدت عدة جلسات استماع، للفئات المستهدفة بالتعديل، كما قدمت مذكرة إلى مجلس الشعب بتاريخ 30/3/2004، تطالب فيها بتعديل المادة الثالثة من الفصل الثاني الفقرة /أ/ من قانون الجنسية، والتقت بعشرات من أعضاء وعضوات مجلس الشعب، وقدمت لهم المذكرة مع شرح آثار التمييز على المرأة وأولادها. ورغم ورود إجابة وزارة العدل إلى الرئاسة بالموافقة على التعديل، إلا أن التعديل لم ير النور.

نشطت الرابطة، وتجمع سوريات، من أجل انضمام سوريا إلى اتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وعقدت العديد من الورشات للتعريف بها، والمصادقة عليها. وبعد مصادقة الحكومة على الاتفاقية، تم التحفظ على خمس مواد منها، مما أفرغها من مضمونها الأساسي، وأبطل مفعول المصادقة عليها. ورغم تصريح الوفد الحكومي عام 2007، إلى لجنة سيداو في الأمم المتحدة، عن قرار الدولة بسحب تحفظاتها عن المواد: 2، 15/4، 16/1خ، و16/2 لم يتم سحب هذه التحفظات.

أقامت رابطة النساء السوريات، عدة ندوات لنقاش قانون الجمعيات، للوصول إلى مقترحات محددة في إطار قانون جمعيات جديد، يكرس مبدأ المواطنة، ويوثق عرى الوحدة الوطنية، فالجمعيات هي جزء مهم من النظام الديمقراطي. وتشكل جماعات ضغط على الحكومات المتعاقبة، لسن أو تغيير قوانين وتشريعات. لم يتم إصدار قانون جديد للجمعيات، بديلٍ عن القانون الحالي، الذي يئد العمل الجمعي، ولا يتيح المساهمة الفاعلة في العمل الاجتماعي، وبالتالي لم يرخص، إلا لعدد محدود من الجمعيات غير الخيرية، إضافة للتعقيدات الإدارية، التي على الجمعيات الرضوخ لها، كي تتجنب سحب الترخيص منها.

 أقيمت العديد من الندوات، لنقاش تشكيل محاكم أسرة في سوريا، ومنحها مستلزمات نجاحها، من استقلالية كلية ونواظم عمل داخلية مناسبة، يمكنها أن تساهم مساهمة فعالة، في حل مشاكل اجتماعية هامة للأسرة، لا تهدف إلى تطبيق القانون وحسب، بل تعمل على حل أسباب النزاع ضمن الأسرة، محاولة أخذ مصلحتها كاعتبار أعلى. ورغم أهمية تعديل قانون الأحوال الشخصية، قبل إنشاء محاكم الأسرة، وهي فكرة صائبة من حيث الجوهر برأينا، فمن الصعب تخيل عمل صحيح وجيد لهذه المحاكم، في ظل قانون أحوال شخصية يعاني مما يعانيه قانوننا من تمييز ساحق لصالح الرجل، ولا يأخذ أصلاً الأسرة، كمنظور أساسي في العلاقة الزوجية، وكذلك فإن تشكيل هذه المحاكم سيساهم في حل مشاكل هامة للأسرة. مع الأسف لم يتعدَّ الاهتمام بهذه المحكمة، قاعات النقاش وصفحات الجرائد.

أمام الصورة المضللة عن حريات النساء في ظل حكم الأسدين الأب والابن، أو حكم “البعث”، عن تحرر المرأة السورية وفعاليتها الاجتماعية على الأقل، ما الذي يمكن قوله لتوضيح هذه الصورة وكشف الانتهاكات بحق المرأة السورية على مستوى الدستور وقانون الأحوال الشخصية؟

مقارنة مع تراجع الحريات السياسية في سوريا، ولتلميع صورة النظام أمام الخارج، شهد الحراك النسوي، بعضاً من غض نظر النظام، حتى أوائل آذار/ مارس 2011. في نفس الوقت الذي لم يتساهل فيه مع السوريات الناشطات، في مجال حقوق الإنسان والناشطات السياسيات. فقد طالت حملات اعتقالات الثمانينات، ناشطات حزب العمل والحزب الشيوعي المكتب السياسي، تراوحت فترة احتجازهن فيها، بين الأشهر والسنوات.

رغم نص دستور الجديد لعام 2012، المادة الثالثة والعشرون: “توفر الدولة للمرأة، جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة، في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع” فإن المادة المذكورة، إضافة إلى المادة 34 منه لا تتضمنان إشارة صريحة، إلى المساواة التامة بين النساء والرجال في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، وفي جميع مجالات الحياة العامة والحياة الأسرية. كما أن نص المادة 2 منه، التي تخص الشريعة الإسلامي، كمصدر أساسي للتشريع، تعطل مفعولها، وتمنع أي تغيير للقوانين التمييزية ضد المرأة، أشير إليه عند طرح الدستور.

أما على صعيد السياسات والخطط المتعلقة بالمرأة، فقد تم إقرار الخطة الخمسية العاشرة 2005-2010، التي ضمّت محوراً خاصاً بتمكين المرأة. انتهت سنوات تنفيذ الخطة الخمسية، ولم تنفذ مشاريع الخطة المدرجة، لتمكين المرأة على المستويين التنموي والاجتماعي. وما أنجز منها أظهر استمرار التراجع في النشاط الاقتصادي للمرأة، بانخفاض مساهمتها في قوة العمل، وارتفاع معدل البطالة بين الإناث.

إعداد مسودة الخطة الوطنية لحماية المرأة من العنف، تم طرحها للنقاش العام تمهيداً لاعتمادها من الحكومة السورية، وإعداد الاستراتيجية الوطنية لحماية المرأة من العنف، منذ عام 2007 لم يتم إصدارهما. كما لم يتم رصد أي موازنة خاصة لتنفيذ الخطة الخمسية العاشرة، “الطفل” والتي انتهت مدتها الزمنية عام 2010.

إعداد هيئة تخطيط الدولة، المشروع الوطني لمكافحة الفقر وتمكين المرأة، اعتماداً على نتائج دراسة خارطة الفقر في سوريا، ونتائج خارطة الفقر، التي أعدت من قبل وزارة الزراعة، لدراسة مستلزمات النهوض بواقع المرأة الريفية، وبالرغم من أنّ العديد من برامج التمويل الصغير قد تمّ تطبيقها، إلاّ أنّها لم تستهدف المرأة بالدرجة الأساس، ولم تأت بأيّة نتائج ملموسة للحدّ من الفقر وتحقيق أهداف العدالة، بسبب عدم امتلاك المرأة للضمانات، والإجراءات البيروقراطية المعقدة، التي تعجز المرأة، خاصة الفقيرة، عن أن تقوم بها لتملك مشروعات اقتصادية.

التخطيط لمشروع وطني متكامل، لمجابهة الفقر وتمكين المرأة، تتعاون في تنفيذه وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل، والإدارة المحلية والبيئة والاقتصاد والزراعة. وبالرغم من أنّ العديد من برامج التمويل الصغير، قد تمّ تطبيقها، إلاّ أنّها لم تستهدف المرأة بالدرجة الأساس، ولم تأت بأيّة نتائج ملموسة للحدّ من الفقر، وتحقيق أهداف العدالة، بسبب عدم امتلاك المرأة للضمانات، والإجراءات البيروقراطية المعقدة، التي تعجز المرأة خاصة الفقيرة عن أن تقوم بها، لتملك مشروعات اقتصادية.

كما لم تنفذ وعود الخطة، بإصدار قوانين بديلة عن القوانين التمييزية ضد المرأة في الأسرة، ونعني بها قوانين الأحوال الشخصية، التي تحرم المرأة من الحقوق المتساوية في الأسرة، وتنتقص بالتالي حقها بالمواطنة التي كفلها لها الدستور. وما تزال هناك مواد في قانون العقوبات، تتيح الاغتصاب الزوجي، إضافة إلى مواد يستفيد منها قتلة النساء، بحجة جرائم الشرف في تخفيف عقوبتهم إلى حد يساهم في هدر الحياة الإنسانية. إضافة إلى وجود مواد في قانون الجنسية، تحرمها من الحق بإعطاء جنسيتها لزوجها وأولادها، أسوة بالرجل الذي تبيح له منح هذا الحق.

رابطة النساء السوريات

رابطة النساء السوريات

أترك تعليق

مقالات
إليج نون/ رصيف22- كانت العلاقة الجنسية “التقليدية” بين الجنسين تقوم على فكرة السيطرة والخضوع، وفق ما حاولت برهانه دراساتٌ عدّة سنتطرق لها في هذا المقال. إذ إن إقدام الرجل على القيام بالخطوة الأولى كان يعدّ من البديهيات، فهو الطرف الذي يبادر دوماً في السرير سواء كان ذلك عن ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015