قوانين الأحوال الشخصية مرجعية دينية أم مدنية
اللوحة للسورية ديما نشاوي

أحمد طعمة/ harmoon- نهدف من محاولة معالجة هذه القضية الشائكة، والسعي لإيجاد حل مجتمعي وسياسي مناسب لها، إلى تجاوز صراع الأيديولوجيات بين الإسلاميين والعلمانيين، وإيجاد قواسم مشتركة بين مختلف مكونات الشعب السوري وطوائفه، ذلك أن قانون الأحوال الشخصية من أكثر القوانين المتوقع أن يدور حولها نقاش مستفيض، مع إمكانية تحوله إلى جدل يشمل شرائح واسعة من الناس، وربما يصل الأمر إلى انقسام حاد، أفقيًا وعموديًا.

قد يقول قائل إنه مجرد قانون يمكن أن يُقرّ ويُعدّل في البرلمان، وليس مادة دستورية لا يمكن إزالتها أو تعديلها إلا بتوافقات مجتمعية وسياسية كبيرة؛ فلماذا كل هذا الاشتباك الفكري والسياسي؟ لكن حساسية هذا الموضوع وعلاقته بمعاش ومصاير المواطنين السوريين، وارتباطه بمواد دستورية من شأنها، إذا قرر الفقهاء الدستوريون أن تكون قطعية في دلالتها، توجيه قانون الأحوال الشخصية باتجاه غلبة فريق على آخر.

على الرغم من أننا ندعو إلى أن تكون قوانين الأحوال الشخصية ذات مرجعية دينية، كل بحسب دينه، ونرى أن ذلك هو الأكثر عدالة والأقل تسببًا بانقسامات مجتمعية محتملة، فينبغي أن نخفف الوطء ببضعة نقاط، كي لا نكون متناقضين مع أنفسنا. فكيف تستقيم دعوتنا للحرية، ونضالنا ضد المستبدين أخذ بأرواحنا، ثم نرفض رفضًا قاطعًا قانون الأحوال الشخصية ذا المرجعية المدنية، ودعاته يعدّونه جزءًا من حرية المعتقد يرتبط بحق الإنسان في الحياة، فضلًا عن أن قانون الأحوال الشخصية ذي المرجعية الدينية بصيغته الحالية، المعتمدة في كثير من الحالات على اجتهادات فقهية مذهبية مرجوحة وعلى عقل فقهي سلفي، روحُه ليست بالضرورة روحًا إسلامية، وارتبط تاريخيًا بعادات وتقاليد اجتماعية ترى في إعطاء المرأة حقوقها عارًا يصم جباه رجال، لم تمر في وجدانهم مثل الأديان ولا قيمها الأخلاقية، قد أصاب المرأة بكثير من العسف والحيف، وحرمها من حقوق أصيلة كفلها لها النص القرآني. لذلك نجنح إلى قبول نقاش فكرة وجود قانونين في البلد، أحدهما ذو مرجعية دينية والثاني ذو مرجعية مدنية، شريطة أن يسجل المواطن نفسه سلفًا باعتباره دينيًا أو لا دينيًا. مع تقديرنا صعوبة تحقيق ذلك عمليًا، وربما استهجانه مجتمعيًا.

نود أن نطرح أولًا حجج كل فريق من الفرقاء، ثم نرى بعدها إمكانية الوصول إلى الأفكار التي تشكل القواسم المشتركة بين الأطراف، آخذين بعين الاعتبار الحجج القوية المنطقية التي يطرحها كل فريق، وتظهر فيها أمهات القيم السياسية المثلى التي توافقت عليها الأمم والأديان، كالحرية والعدالة، وكذلك الأخذ بهواجس كل طرف وتخوفاته، ما يقنع كلًا منهم بأن ما يتبناه لم يطرح جانبًا ولم يقمع، وأنه جزء من مشروع سوري حضاري وحداثوي، وأن صوته يمكن أن يسمع في جنبات اللجنة الدستورية السورية. وعدد منا هنا سيكون من أعضائها هناك.

ترتكز دعوى أصحاب قانون الأحوال الشخصية بمرجعية مدنية، ومعظمهم من العلمانيين، على فكرة حيادية الدولة المطلقة تجاه الحقوق، وأن هذا ينبغي أن يكون ظاهرًا في كل المواد الدستورية والقوانين القائمة على هذه المواد، وأن قانون الأحوال الشخصية مرتبط بهذه الفكرة وبحقَّي المعتقد، والحياة، وأن لا فرق في هذا مع حق المسيحي برئاسة الدولة وحق المرأة بالولاية العامة.

كما يرون أن العلمانية وحدها هي التي يمكن أن تناسب النساء في سورية، وذلك من خلال الفصل التام بين الدين وإطار الحكم السياسي والاقتصادي والقانوني، بما في ذلك قوانين الأحوال الشخصية التي يجب اعتبارها جزءًا من إطار الحكم القانوني، لأنها تنظم العلاقة بين أفراد الخلية المجتمعية الأساس، وهي الأسرة. ويطالبون بعدم الوقوع في خطأ اعتبار أن قوانين الأحوال الشخصية تقع في إطار الحيز الخاص، فالحيز الخاص هو الحيز المتصل بالفرد، رجلًا كان أم امرأة، وليس هو الحيز الخاص بالرجل كرب أسرة، تدور في فلكه الزوجة، أو الزوجات، والأطفال. فالمطلوب من قوانين الأحوال الشخصية تنظيم حقوق المواطنين، رجالًا ونساءً وأطفالًا، الذين يعيشون في إطار الأسرة باعتبارها إطارًا مجتمعيًا من الأطر المجتمعية الموجودة في أي مجتمع، وليس شأنًا خاصًا بالرجال وحسب.

كما يرى هذا الفريق أن ضمان الأحوال الشخصية للطوائف كافة، كما طرحها دستور 2012، يعني تخلي السلطة الحاكمة عن واجبها في تنظيم العلاقة بين المواطنين، نساء ورجالا، ضمن نطاق العائلة. كما يعني أن السلطة تترك هذه الوظيفة لمرجعيات دينية يختلط فيها البشري مع الإلهي، وهذا يجعل الاحتجاج على التمييز الموجود في هذه الأحكام يصطدم بما يسمى بـالمقدس، ويصبح تعديلها أمرًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظلّ وجود التفسيرات التقليدية للمرجعيات الدينية الخاصة بقوانين الأسرة في سورية.

وانتقد هؤلاء، وعلى رأسهم السيدة سوسن زكزك (الباحثة والناشطة السورية في قضايا المرأة)، السلطة السورية التي تدعي أنها علمانية وجعلت كل القوانين التي تعمل وفقها الدولة مدنية، باستثناء القوانين التي تخص مكانة المرأة في الأسرة، حيث كانت، وما تزال، ذات مرجعيات دينية في جميع المواد التي تتحدث فيها عن أدوار النساء في الأسرة وعن حقوقهن. وعلى سبيل المثال، تمنح جميع قوانين الأحوال الشخصية حق الولاية مطلقًا لذكور الأسرة: الأب، الزوج، الابن، الجد ..، ولا تمنحها للنساء، حتى إن قانون الأحوال الشخصية للكاثوليك الذي سمح، بعد تعديله 2006، بنقل الولاية إلى الأم، قد اشترط سقوط حق الأب في الولاية، ومن ثم تكون الولاية للأم وفق شروط حددتها المادة 91 منه. وكذلك أعطى قانون الأحوال الشخصية للسريان الأرثوذكس الحق لعائلة الأم بالدرجة الثانية، في حالة خاصة فقط. ويستند حق ولاية الرجال على النساء في العائلة إلى مبدأ قوامة الرجل على المرأة المعترف به في جميع الأديان والطوائف المعترف بها في سورية (1).

لقد رأى هذا الفريق أن المعارضة السورية، التي يفترض أن تكون علمانية، استخدمت شعارات العلمانية لتحقيق أهداف سياسية، فتحدث ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية في بيانه الأول عن انتصار الثورة، والتحول إلى بناء دولة مدنية حديثة على أسس من المواطنة الكاملة وغير المنقوصة لأي مكون من مكونات الشعب السوري. ولم يذكر مساواة النساء بالرجال، وهي شرط رئيسي لتحقق العلمانية. كما أن المحافظين ومن يسمون أنفسهم بالإسلاميين الديمقراطيين يروجون أن فكرهم السياسي يقوم على المركب القيمي المتمثل بقيم خمسة، وهي الحرية والعدالة والمواطنة والتعددية والتسامح، ولا يتطرقون أبدًا إلى قيمة المساواة التي كانت واحدة من أهم قيم الثورة الفرنسية (2). وأنه في الوقت الذي يفترض فيه أن أمر قبول فكرة الجندر ومعاهدة سيداو وطروحات الأمم المتحدة بهذا الشأن، قد حسم، ما يزال بعض المحافظين وذوي الميول الإسلامية لا يسلمون بهذا، ويعتبرون أن حضور بعض قيادات المعارضة لورشات عمل تهدف إلى إدخال الجندر في دستور سورية المستقبل لا يعني أبدًا قبولهم بهذه الطروحات (3).

ورأت السيدة سوسن زكزك، الناشطة في قضايا النساء، أن الخطاب العلماني في سورية ليس خطابًا علمانيًا عميقًا بل هو خطاب رد فعل سياسي، خاصة أن القوى السياسية العلمانية، كالقوى والأحزاب الشيوعية والقوى القومية الاجتماعية، لا تذكر العلمانية إلا ما ندر ولا تروج لها أبدًا.

كما انتقدت بشدة هذه القوى العلمانية، بسبب عدم تصديها للدفاع عن حقوق النساء الإنسانية في سورية في مرحلة ما قبل حصول الصدام بين القوى الأصولية والقوى العلمانية جراء النقاشات المحتدمة التي رافقت مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية في سورية عام 2009، ووقتها انبرى كثيرٌ من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية للتصدي للمشروع الأصولي الذي يستهدف النهوض بأوضاع النساء، كما ترى السيدة زكزك، وهي ترى أن الحراك النسوي نجح وقتذاك في استنهاض مجموعة كبيرة من هذه القوى للتصدي لهذا المشروع. وكان الرد على هذا المشروع سيلًا من المقالات والبيانات التي أكدت الموقف المناهض لهذا المشروع الأصولي، إضافة إلى جرأة كبيرة في طرح مقترحات لتشريع الزواج المدني، وتشديد العقوبات على “جرائم الشرف”. إلا أن دفاع القوى العلمانية عن حقوق النساء لم يستمر بهذا الزخم، خاصة بعد اندلاع النزاع المسلح في سورية، حيث تركز الخطاب العلماني على مناهضة ما سُميّ “التيار الإسلامي الوهابي” و”المؤامرة” و”الفاشية الدينية”… حتى إن ردات أفعال القوى العلمانية الداعمة للنظام على قانون وزارة الأوقاف الجديد كانت أعلى وأقوى بكثير من ردات أفعالها على التعديلات المحدودة لقانون الأحوال الشخصية العام، وعلى استمرار التمييز ضد النساء في كثير من القوانين السورية؛ كما أن كثيرًا من العلمانيين تعامل مع قضية “الأطفال مجهولي النسب”، باعتبارها قضية تخص أبناء “الدواعش”، وليست قضية تخص أبناء نساء سوريات متزوجات من غير سوريين.

وخلاصة القول: يرى هذا الفريق أن علمانية القرن الحادي والعشرين يجب أن تكون علمانية حديثة وعميقة، ولا يمكن فصلها عن ضمان حقوق النساء كافة، وعن ضمان الديمقراطية بكل تبعاتها، وأننا أمام مثلث العلمانية والديمقراطية والمساواة في حقوق المرأة، يقود كل ضلع فيه إلى الضلعين الآخرين في ترابط لا يمكن فصل عراه، كما يرون أن حقوق النساء لن تصبح واقعًا معاشًا في سورية، ما لم ينص الدستور بوضوح على المساواة التامة ين جميع المواطنين، وتضمينه مبادئ الجندر، وأن تعترف الدولة السورية بمعاهدة سيداو. وهذا يعني بالطبع أن لا مجال في سورية سوى لقانون واحد مدني، وإلغاء كل قوانين الأحوال الشخصية ذات المرجعية الدينية.

أما المحافظون وذوو الميول الإسلامية من دعاة الحفاظ على قوانين الأحوال الشخصية الحالية بمرجعيتها الدينية مع إجراء إصلاحات جوهرية فيها، فلهم حججهم، وبالرغم من إقرارهم بوجوب حيادية الدولة المطلقة تجاه الحقوق، فإنهم لا يسلمون بأن قوانين الأحوال الشخصية تقع ضمن باب الحقوق التي ينبغي على الدولة أن تكون حيادية بشكل مطلق تجاهها، بل يعدّونها تقع في باب الحيادية النسبية للدولة تجاه القيم، وأن الدولة لا يمكن أن تكون حيادية بشكل مطلق، بشأن الزواج المثلي الذي يخالف كل مثل المجتمع وقيمه، ولا حق المرأة بالإجهاض، وفق ما أقرته معاهدة سيداو (من منطلق أن من حق المرأة أن تفعل بنفسها ما تشاء)، ويستدلون بأن الولايات المتحدة -وهي أعظم بلد ديمقراطي في عالم اليوم- لم تقر معاهدة سيداو.

كما أن هذا الفريق لا يقر أبدًا بأن قوانين الأحوال الشخصية ذات المرجعية الدينية يعتريها القصور والحيف والإجحاف في أصلها بحق المرأة، وعدم قدرتها على تلبية حاجات المجتمع المعاصرة، ويرون أن هذه القوانين يمكن إصلاحها حتى في القضايا الشائكة الكبرى التي يثار حولها الجدل، كتعدد الزوجات وعدم التساوي في الميراث والزواج المدني. وهم يدفعون بأنه لو تمّ استبعاد الاجتهادات الفقهية المرجوحة التي ليس لها أصل في القرآن الكريم لحللنا معظم الإشكالات، وأنه لو تم الأخذ بعين الاعتبار أمهات القيم السياسية في القرآن والبالغة ما يقرب من سبع وعشرين قيمة، التي تكاد تتطابق -كما درس ذلك الدكتور محمد المختار الشنقيطي– مع قيم الدولة المدنية الحديثة؛ لما احتجنا إلى التورط بنسف هذه القوانيين، متسببين بشرخ عمودي وأفقي في المجتمع، ليس من السهل رأب صدعه. ويرى بعضهم -ومنهم محدثكم اليوم- أن القرآن ينطلق من فكرة أن الأصل في الزواج هو الإفراد وليس التعدد، وكرر أكثر من مرة ربط التعدد بالعدل، وأن التعدد أمر تحدث به القرآن أنه بالغ الصعوبة ولن يتحقق، كما تحدث عن حالة واحدة أخذت صيغة الأمر وهي حالة الزواج من زوجات الشهداء اللواتي لديهن أولاد، وبالأخص البنات، لحل مشكلة اجتماعية تظهر تجلياتها الخطيرة زمن الحرب، فقال تعالى في سورة النساء {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا). أما ما يتعلق بالميراث، فكما هو معلوم أن في الميراث أربع وثلاثون حالة، ثلاثون حالة منها يتساوى الرجل والمرأة، ومنها تساوي الأبوين في ميراث ولدهما المتوفى، والأرض الأميرية، وكذلك الأرض التي تسقى سقيًا وليس ريًا بماء السماء وتحتاج المرأة إلى استئجار عامل فيها، بينما الرجل يفلحها بنفسه. هذه الحالات يتساوى فيها الذكر والأنثى، إن لم يكن للأنثى أكثر، وأربع حالات للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذه الحالات التي فيها للذكر أكثر من الأنثى مرتبطة بسياسة الإنفاق في الإسلام، التي تحمّل الرجل كامل المسؤولية في الإنفاق على الزوجة والعائلة ولا تحمل المرأة شيئًا، لا بل على الرجل أن يدفع لها مهرًا، وأكثر من ذلك ليس للرجل أن يكره زوجه على إرضاع وليده في حالة رفضها إرضاعه دون أن تقدم سببًا، فعليه أن يستأجر المرضعات. فكيف يقال إن الإسلام ظلم المرأة في الميراث. أما قضية الزواج المدني وحق المرأة في الزواج من غير دينها أو طائفتها، فجوهر المشكلة -كما يراها كثير من الفقهاء أولي العلم- يتعلق بالخشية من قيام الزوج الكافر بإكراه زوجته على ترك دينها وفتنتها فيه، وهذا ما يمنعه الإسلام، وليس لمجرد كفره، وأن الآية القرآنية في سورة الممتحنة (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهم وآتوهم ما أنفقوا). هذه الآية تتحدث عن عدم إرجاع النساء اللواتي قدمن المدينة بعد توقيع صلح الحديبية وكن متزوجات من كفار في مكة، تخص المرأة الفارة بدينها وحسب. وإذا استطاع الفقهاء حل هذه المعضلة الفقهية، وخصوصًا من خلال المجامع الفقهية، فما الحاجة إلى نسف قانون الأحوال الشخصية ذي المرجعية الدينية، إذا كان بالإمكان حل الإشكال من داخل منظومة الاجتهاد الشرعي، أم أن القضية في مكان آخر، وأن ما تخفي قلوب العلمانيين أعظم، على حد تعبير أحد الإسلاميين.

وخلاصة القول: في هذا الجانب يرى بعض الإسلاميين المحدثين أن معظم هذه الإشكالات يمكن حلّها، إذا اتفقنا أن المرجعية في مواد قانون الأحوال الشخصية، هي للنص القرآني، وهو ذو صيغة مرنة قابلة للتأويل وتغلب عليه صفة العمومية وصالح لكل زمان ومكان، وليست للسنّة النبوية التي ينظر إليها البعض على أنها فهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم البشري للقرآن الكريم، في عصره، وقد تأخذ صفة التاريخانية لا صفة التشريع الدائم الملزم لكل زمان ومكان.

على أن أكبر قضية يرى الإسلاميون أن العلمانيين يسعون إلى نقضها وكسب معركتها هي قضية المرجعية الإسلامية لقانون الأحوال الشخصية، مهما تكن طبيعتها، وفِي أي مجال كانت، وأنهم يعمدون إلى تسجيل سوابق ونقاط يصعب التراجع عنها فيها بعد، ومنطلق العلمانيين في ذلك أن الله لا علاقة له بعلاقة شخصية بين ذكر وأنثى، فلماذا تكون له -جلّ جلاله- المرجعية في قوانين الأحوال الشخصية. وباختصار يرى المتدينون أن جوهر المعركة، ودعك من لبوسها المدني والحضاري والديموقراطي، هو صراع بين من يؤمن بالله واليوم الآخر، وبين من يرى أن هؤلاء يؤمنون بفكر غيبي لا أساس له في الحياة، وعلى العالم المعاصر أن يجد طريقة لاحتوائهم وحشرهم في زاوية لا أثر لهم، أو أخذهم إلى مشفى المجانين. ويرى المتدينون كذلك أن أتباع الغرب من العلمانيين العرب قد فهموا أن الغرب قد مرّ بمرحلة لفظ الدين وتبني الكفر أولًا، قبل مرحلة الأخذ بالديمقراطية كآلية للتعامل مع واقع مجتمعي غالبيته لا تؤمن بالدين، وكأسلوب لحل المشكلات بين الناس إذا اختلفوا، ولترتيب حقوق المواطن تجاه الحاكم في مجتمع على الجميع الاعتراف بأنه كافر. وبناء على هذا فإن المتدينين وجزءًا ملحوظًا من دعاة قوانين الأحوال الشخصية بمرجعية دينية، يتهمون العلمانيين العرب بأنهم يريدون مغالطة الناس اليوم من خلال الربط بين الديمقراطية كآلية وأسلوب، وبين مرحلة إخراج الدين من حياة الناس السياسية والتضييق عليه في الحياة المجتمعية، والربط بينهما غير صحيح، كأن تقول إن الديمقراطية لا تقوم بدون علمانية، ما يعني قطع الصلة بين الدين والدولة والمجتمع، وبالتالي إلغاء المرجعية الدينية وبالأخص الإسلامية في قوانين الأحوال الشخصية.

يرى دعاة قوانين الأحوال الشخصية بمرجعية دينية أن عليهم أن يحموا هذه المرجعية، وأنها في خطر، وأنهم، وإن اتفقوا مع العلمانيين في بعض الجزئيات، لا يرون بأسًا في ذلك. فالمعركة تتعلق بجوهر المرجعية، لا بالخلافات الجزئية، وأن قضية الأحوال الشخصية هي الحصن الأخير الذي لم يستطع العلمانيون اختراقه، بالرغم من أنهم قد قوضوا فكرة تطبيق الشريعة في معظم دساتير دول الوطن العربي والإسلامي، ولا ينبغي أن يتسللوا إلى الحاجز المعنوي والمادي الأخير.

على أن فريقًا ثالثًا، وعلى رأسهم السيدة بسمة قضماني السياسية السورية المعروفة، اقترح حلًا وسطًا بين الطرفين، ينطلق من حق كل مواطن أن يسجل نفسه إلى أي فريق ينتمي، كأن يسجل المواطن نفسه سلفًا باعتباره دينيًا أو لا دينيًا، فإن سجّل نفسه شخصًا متدينًا، وجب عليه الالتزام بقوانين الأحوال الشخصية ذات المرجعية الدينية، وإن سجّل نفسه لا دينيًا أو ملحدًا، فإنه سيطبق عليه قوانين الأحوال الشخصية ذات المرجعية المدنية (4). وقريب من هذا طرح الدكتورة سميرة مبيض، في لقاءات ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي وندوات عديدة شهدتها، وإن كانت أكثر تشددًا من الدكتورة بسمة قضماني، في بعض القضايا المتعلقة بمرجعية قوانين الأحوال الشخصية.  وأهم ما تتبناه ما يلي: القانون المدني غير المرتبط بمرجعية دينية هو الأكفأ والأقدر على ضمان الحريات وحمايتها وتحقيق العدل دون تمييز من أي نوع، لذلك فوجوده كمصدر من مصادر التشريع أمرٌ أساسي وجوهري في مستقبل سورية، وفي الوقت نفسه تعتقد بأن من حق المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم أن يستندوا إلى مصادرهم للتشريع في الأحوال الشخصية غير المرتبطة بالفضاء العام للدولة والمجتمع، على أن تحقق هذه القوانين الشروط التالية: 1- أن لا تتعارض أي من هذه القوانين مع شرعة حقوق الإنسان. أي أنه في حالة التعارض فالأفضلية واليد العليا قانونيًا هي لتطبيق شرعة حقوق الإنسان وليس للأحكام الدينية. 2- أن لا يتم فرضها على الآخرين من دين مختلف أو من غير المتدينين. 3- أن يكون لكل إنسان حرية اختيار مرجعياته في قانون الأحوال الشخصية دون ترهيب أو ضغط.

وبالرغم من أن هذا الطرح يبدو أنه لا يتعارض مع أسس الديمقراطية وحق الإنسان في حرية معتقده، فلست أدري أهذا الأمر قابل للتطبيق في مجتمع كالمجتمع السوري أم لا، وهل بالإمكان الجمع بين القانونين في هذا البلد؟ وكيف ستعالج الإشكالات الناجمة عن ذلك؟ وهل بالإمكان تقبل فكرة أن أفرادًا في أسرة واحدة ينتمون إلى قانونين مختلفين بشدة.

مما لا شك فيه أن إمكانية التوافق بين طرفين: الأول ذي مرجعية مدنية والثاني ذي مرجعية دينية، بالغة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة، فمرجعياتهما متناقضة تمامًا، وكل منهما يرى أن طرحه هو الذي ينبغي أن يسود وإلغاء الآخر. بينما نرى إمكانية التفاهم بين الطرفين الثاني والثالث، وخصوصًا أن الطرف الثالث يقبل بوجود الطرف الثاني، ويعتبر أن ما يطرحه حق ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار. وإذا ما وافق الطرف الثاني على وجود قانونين للأحوال الشخصية في البلد، فإن إمكانية التوافق قائمة، وبحسب علمنا فإن بعض الإسلاميين يقبلون هذا.

إن ما يطرحه الطرف الثالث يحتاج إلى دراسة مستفيضة، ومن التسرع إعطاء حكم نهائي فيه حاليًا. وعلى الرغم من عدم ارتياحنا لطروحات دعاة وجود قانونين للأحوال الشخصية، أحدهما بمرجعية دينية والآخر بمرجعية مدنية، مع أن فيها أفكارًا منطقية تنطلق من مبدأ قرآني: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ونحسبها طروحات مثالية وصعبة التطبيق، وتمنينا عدم رؤيتها واقعًا معاشًا؛ فينبغي علينا ألا نشعل حربًا إذا أقرّت في سورية، ومن المؤكد أننا لن نقبل بأن يمر الطرح الإقصائي الذي يتبناه الفريق الأول الداعي لأن تكون قوانين الأحوال الشخصية ذات مرجعية مدنية وحسب.

الخاتمة

على الرغم من حرصنا على أن تكون المواد الدستورية المتعلقة بالحريات العامة والخاصة تفصيلية محددة واضحة غير قابلة للتأويل، ولا تسمح بإمكانية التلاعب بها والالتفاف عليها من قبل الأنظمة المستبدة، فإننا نوصي بأن تكون المواد الدستورية التي سيبنى عليها قانون الأحوال الشخصية، رغم كونها في باب الحريات، مرنة يشعر من خلالها كل الأطراف أنه ممثل فيها، وأن رأيه وموقفه مأخوذ بعين الاعتبار، فما أحوجنا إلى مزيد من العدالة وما أغنانا عن مزيد من الانقسامات، فثورة بهذه العظمة تقتضي منا أن نرتقي لنكون بمستواها فكريًا وسلوكيًا.

الهوامش والتعليقات

1- راجع دراسة السيدة سوسن زكزك، في موقع صالون سورية بتاريخ 24 أيلول/ سبتمبر 2019، بعنوان أي علمانية تناسب سورية، ففيها كثير من التفصيلات المهمة، وقد نشرت هذه المادة ضمن ملف آفاق العلمانية في سورية.

2- جرت نقاشات صاخبة، بين العلمانيين والإسلاميين الديمقراطيين، في ندوة حول قانون الأحوال الشخصية، نظمها مركز جسور في إسطنبول في أيلول/ سبتمبر 2017 ضمن اللقاء الإسلامي العلماني. ويومها اتهم بعض العلمانيين الدكتور أحمد طعمة بأن طرحه -بالرغم من مرونته النسبية بطرحه ما يسمى بالمركب القيمي القائم على خمسة قيم وهي: الحرية والعدالة والمواطنة والتعددية والتسامح- كان منقوصًا، وأن هذه القيم -على أهميتها- لن تكون كافية، لأنها لا تتضمن القبول بالمساواة، كما يطرحها النموذج الغربي، وليس فيها قبول بالعلمانية كمرجعية أساسية في الفكر السياسي، وأن هذه القيم الخمسة لا تحقق بالضرورة التطلعات نحو ديمقراطية كاملة.

3- إشارة إلى حضور رئيس هيئة التفاوض السورية الدكتور نصر الحريري ورشة عمل في جنيف، صيف 2019، نظمتها مجموعات نسوية تهدف إلى إدخال الجندر في دستور سورية المستقبل، ما اعتبره بعض العلمانيين أنه قبول بالفكرة في مقابل نفي الإسلاميين لدلالتها، وسط غضب المجلس الإسلامي السوري لهذا الحضور.

4- موقف الدكتورة بسمة قضماني معلن، في كثير من الندوات واللقاءات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي وداخل أروقة هيئة التفاوض السورية، وليس لها بحث منشور بهذا الصدد، بحسب ما أعلم.

اللوحة للسورية ديما نشاوي

اللوحة للسورية ديما نشاوي 

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
متابعات- لطالما كان انخـراط المرأة فـي الجيوش العربية بطيئـاً وغيـر متسـق ويشـكّل مشـكلة اجتماعية وسياسـية.. وعلى الرغــم مــن ذلــك يشــهد هـذا الوضـع تغيّراً تدريجياً. وعلى الرغم من تزايد انضمام النساء إلى صفوف الجيوش على مرّ التاريخ، فإن الجهود العربية المبذولة حتى الآن لا تكفي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015