كتاب “نساء فى غرفة فرجينيا وولف” للدكتورة سعاد العنزي
"نساء في غرفة فرجينيا وولف" سعاد العنزي

وكالات- صدر حديثاً كتاب “نساء في غرفة فرجينيا وولف” للدكتورة سعاد العنزى أستاذة النقد الأدبى الحديث بجامعة الكويت عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق يناير 2021. يشكّل الكتاب مقاربة أدبية بين الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، والكاتبة اللبنانية مي زيادة، ويكشف الكثير من المشترك بينهما، على مستوى الحياة الشخصية والجهود النقدية النسوية المبكرة، إذ تلتقي مي زيادة بفرجينيا وولف في أكثر من جانب، من أهمها معاناتهما الإنسانية، ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة التي لم تجمع في سياق نقدي واحد.

قليلاتٌ هنّ الكاتبات اللواتي كان لهنّ حضور فعلي بارز في مطلع القرن العشرين، ويعود ذلك إلى الهيمنة الذكورية على عوالم الثقافة والفن والنقد والفكر. لكنّ كاتبتين كل منهما في بيئة مختلفة، فيرجينيا وولف في إنجلترا ومي زيادة في القاهرة، نجحتا في اختراق البيئة الذكورية، غير أنه على الصعيد الشخصي كان مصيرهما المأساوي متشابهاً.

تطرح الباحثة والناقدة الكويتية سعاد العنزي في دراستها المقارنة بين الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة، والمعنونة “نساء في غرفة فرجينيا وولف” تساؤلات مهمة من بينها: ما هي نقاط التشابه والاختلاف بينهما؟ ولم تم تجاهل جهودهما في الكتابات النقدية العربية الحديثة بينما يتم تداولهما بشكل شبه يومي بوسائل التواصل الاجتماعي، والثقافة المحكية مع غياب الكتابات النقدية والأكاديمية الحديثة عنهما؟ كيف تأثرت كل منهما بظروف حياتهما الأسرية، وبالظروف السوسيو ثقافية في عصرهما، وأثرت على حياتهما الشخصية وتأثرت سيكولوجيتهما وأنتجت أعراض الصدمة على حياتهما ولا سيما في المرحلة الأخيرة من حياتهما؟ كيف عبّرت كل منهما عن قضايا المرأة والمجتمع بروح نقدية متقاربة جعلت من السهل الربط بين أفكارهما الخاصة بالمرأة؟ فرجينيا وولف من خلال أعمال مثل “غرفة تخص المرء وحده” و”القارئ العادي” و”ثلاثة جنيهات”، ومي زيادة في ثلاثيتها النسوية الشهيرة: عائشة تيمور، باحثة البادية ووردة اليازجي وبقية رؤاها النسوية المنتشرة في مقالاتها الصحفية ومؤلفاتها المتعددة.

المثير في الكتاب هو ما جمع وولف بزيادة، ليس على مستوى النص الأدبي، بل في ما عاشته كل منهما على الصعيد الشخصي، وهما اللتان توفيتا في نفس السنة وولدتا في نفس العقد، وكانت حياتهما متشابهة إلى حد كبير. وترى المؤلفة أن اطلاع القارئ العام على جهود الكاتبتين لا يعدو معلومات عامة حول أثرهنّ، وكأنه أصبح بيننا وبين هذه المرحلة انفصالاً تاماً. الكتاب لا يهدف،وفقاً للدكتورة العنزي، لمناقشة جهود الحركات النسائية الغربية والعربية بشكل عام، بل «إلى قراءة جهود ناقدتين تم تجاهل جهودهما النقدية في الوطن العربي لأسباب مختلفة ومتعددة منها ما يتعلق بذكورية الثقافة العربية، وآخر يتعلق بالاهتمامات النقدية للدارسين والمشتغلين في الدراسات الأدبية والنقدية» وفق تعبيرها.

تقول العنزي إنها درست في هذا الكتاب حياة كل من فرجينيا وولف ومي زيادة ورؤيتهما النسوية المبكرة في نقد أدب المرأة، مشيرة إلى أنها لا تهدف من الدراسة التي يضمها الكتاب مناقشة جهود الحركات النسائية الغربية والعربية بشكل عام، بل تهدف إلى قراءة جهود ناقدتين تم تجاهل جهودهما النقدية في الوطن العربي لأسباب متعددة، منها ما يتعلق بذكورية الثقافة العربية، وما يتعلق بالاهتمامات النقدية للدارسين والمشتغلين في الدراسات الأدبية والنقدية.

ناقشت مقدمة الكتاب بعضاً من المناطق المشتركة بين كاتبتين ينتميان لنفس العصر، ولدتا وتوفيتا في نفس السنوات، ولكن الأولى تنتمي لثقافة ولغة وفكر المستعمر، فيما كانت مي زيادة تنتمي لواحدة من الشعوب المستعمرة للأمة العربية، ومع هذا، نجدهما ناهضتا الاستعمار بكافة أشكاله، أما على مستوى هويتهما الفردية فكانت نقاط الالتقاء كثيرة، أهمها الصدمة التي عاشتها كل منهما على اختلاف تفاصيلها أدت إلى نتيجة واحدة هي الموت: انتحار فرجينيا وولف، وانعزال مي زيادة عن الفضاء العام وصولا إلى الموت. بإمكان المرء، القول بأن صدمتهما انبثقت من قلب أنوثتهما.

تشير العنزي في دراستها إلى أن الأدب النسوي يمثّل واحداً من أهم ملامح أدب الحداثة في الغرب والشرق، ويعدّ أحد منتجات العصر الحديث الذي ظهر متأثراً بالثورات الصناعية، والدخول إلى عالم المدن الذي هيأ للإنسان الحديث الاستقرار، وقدم له فرصة كبيرة للالتقاء بالآخر وتنظيم جماعات أدبية وحلقات فلسفية هيأت للأدباء الالتقاء والاطلاع على المستجدات العلمية والفكرية والفنية. وترى الباحثة العنزي أنه إذا كان الأمر في الغرب شهد تنوّعاً واختلافاً في الطروحات والرؤى وأنتج مسارات نقدية لافتة ومهمة في تعدّدها وكثرتها، فإن الوضع في الوطن العربي في مجال الدراسات النسوية تحديدا، لم يزل يعاني من عدد من القضايا الإشكالية منها:

أولاً: عدم الاتفاق على مصطلح “الأدب النسوي” وعدم تحديد دور الأدب والنقد النسوي والتذبذب بين رفضه وتأييده.

ثانياً: عدم إدراك أن وجود المرأة الكاتبة والحضور الكمي لا يعني أن المرأة قد أنجزت منجزا يمثل قضاياها الخاصة، فلا يزال أمام المرأة طريقا طويلا من تحقيق الكثير من المطالب التي يمكن أن يكون الأدب عالما رحبا لمناقشتها. يظن الكثير من المهتمين بالأدب النسوي أن خروج المرأة للعمل ووجود كاتبات نساء يعني أن النسوية قد وصلت إلى منتهى غايتها، فإذا كان لدينا نساء كاتبات لا يعني هذا أن المرأة قد تم تمكينها بشكل كامل، فثمة نساء من بيئات ثقافية أقل تعليما وثقافة وحرية وتحتاج إلى أن تسمع صوتها للعالم وأن يتم الدفاع عنها ما دامت غير قادرة على امتلاك أدواتها. 

ثالثاً: تبتعد كثير من الكاتبات النساء عن قضايا المرأة لاعتبارات كثيرة إذ ترى بعض الكاتبات أن لديهن قضايا إبداعية أخرى تختلف عن الطرح النسوي، وأنهن لسن مضطرات لتبني موضوع المرأة ومن حقهن التعبير عن رؤيتهن للحياة من دون الارتباط برؤية فكرية محددة. 

رابعاً: ثمة نوع من الكاتبات اللاتي يتخوفن من التطرق لقضايا تهميش المرأة لئلا تنسب هذه القصص لهن وتلصق بحياتهن الخاصة أو أن يخسرن مواقعا معينة حصلن عليها بمباركة السلطة الذكورية.

وتؤكّد العنزي أنه في خضم هذه الإشكاليات المتعددة نجد فضاء تبعثر كبير في الكتابات النسوية والدراسات النقدية التي تظهر بين فترة وأخرى لسد الفراغ وتسجيل موقف هنا وهناك من دون أن تسجل لنا الدراسات النسوية خطا متصلا من طرح المفاهيم والرؤى النقدية التي تراجع ما سبقها وتضيف عليه شيئا جديدا يتصل بمستجدات الثقافة وتطورات أدب المرأة والنقد الأدبي. حتى الموجة الأولى من النسوية في الوطن العربي لم تجد من يتفحصها ويكتب عنها إذ تم الاكتفاء بما تمت مناقشته وكتابته في الماضي عنهن من دون مراجعة واستعادة هذه الأصوات في الزمن المعاصر. من هنا، يتعيّن على المهتمين بالنسوية مراجعة الخطاب النسوي وتطوراته وعدم الثقة التامة بمراجعات الماضي، لأنها كانت محكومة بظروف ثقافية معينة تتوجب المراجعة وإعادة القراءة والاستفادة من المعطيات المعاصرة للثقافة والمفاهيم النقدية الجديدة.

وتتابع العنزي أن أهم العوامل التي دعتها للمقاربة بين جهود وولف وزيادة تمثّلت في:

أولاً: إنهما كاتبتان تنتميان لعصر واحد متقارب في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلت كل منهما. ولدت فرجينيا وولف تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 1882 وتوفيت بتاريخ 28 مارس/آذار 1941، أما مي زيادة فقد ولدت في 11 فيراير/شباط 1986 وتوفيت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1941. وهذا يعني أنهما عاشتا في نفس الفترة الزمنية بكل ما تمر به من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية من حروب عالمية، وتغييرات سياسية واجتماعية مهمة سواء في المملكة المتحدة أو في مصر. في هذه الفترة الزمنية، طرأت مفاهيم جديدة على الثقافة أتاحت فرصة التفكير في صورة المرأة والهوية الإنسانية بطريقة مختلفة عن المألوف مستفيدة من معطيات التفكير العلمي الحديث. 

من ناحية الطبقة الاجتماعية، نشأت فرجينيا وولف بأسرة غنية من أعلى الطبقة المتوسطة، بينما نجد أن مي زيادة هي كذلك من أسرة ميسورة الحال من الطبقة المتوسطة لرجل مثقف وكاتب أعطاها امتياز أحد الصحف، وهذا ما سيدرس في الفصل الثاني من هذه الدراسة.

ثانياً: تقاطعت ظروف حياتهن وصولا للمرحلة التراجيدية المؤلمة في حياتهما الموت انتحارا بالنسبة لوولف وشبه انتحار بالنسبة لمي. فرجينا وولف أراد قومها إنقاذها من الموت والجنون بكل ما أوتوا من قوة بينما قادت الظروف الاجتماعية والعزلة والتجاهل الثقافي ميا إلى الموت أيضا بكل قوة! وقادتها مشاعر الخيبة والخذلان والصدمة النفسية القاسية إلى الانهيار واعتزال الكثير من المحيطين بها إلى أن وصلت إلى الموت: كانت تحاول قتل نفسها بإهمال حياتها وأخذ جرعات كبيرة من الدواء.

ثالثاً: بحثت كل منهما في تناقضات الثقافة الذكورية، ونقدتاها نقدا عقلانيا أوضح التحيزات الذكورية ضد المرأة ووضع المقارنات والمفارقات الحادة التي أنتجتها أفكار الفلاسفة مثلما قوضتا أفكار أفلاطون وأرسطو حول المرأة. ومن أهم أمثلة التشابه الدقيق بينهما هو أنه كتبت فرجينيا وولف عن أخت شكسبير المتخيلة، بينما كتبت مي زيادة عن فيلسوفة في القرن الرابع الميلادي قامت بدور مشابه فقوبلت بالجحود والنكران، كما قارنت تناقضات رؤية فولتير الدونية للمرأة، وهو الذي فهم الفلسفة عن طريق امرأة. 

رابعاً: كانت كل من فرجينيا وولف ومي زيادة مهتمتان بتوظيف كتابتهما لخدمة المرأة، وقضايا المرأة لدرجة أنهما تدخلان موضوع المرأة في أي قضية نسائية، وهذا يعني محاولة تأكيدهما على موضوع المرأة في كل سياق. الأمر اللافت أن لا فرجينيا وولف ولا مي زيادة كانتا تتعرضان لأي قهر ذكوري بسبب البيئة المنفتحة التي تنتمي لها كل منهما مما يعطي كتابتهما أهمية إنها ليست نتاج رؤى واقعة تحت وطأة التجربة الشخصية والمعاناة مما يقلل من أهمية نقدهما.

إن محنة مي زيادة، تقول الباحثة بشكل صريح، إن كل امرأة في الوطن العربي هي مشروع وأد ثقافي صريح ورمزي. ولا تزال النساء في الوطن العربي تعاني من أشكال تهميش مختلفة، وتشتيت لهويتها ولرؤيتها ولوجودها. وتوضح أن لم تكن الأحداث سابقة الذكر حاجبة لهن عن ممارسة دورهن الثقافي والتزامهن الفكري وتبنيهن لقضايا مجتمعاتهما والمجتمعات المحيطة بهن. فكتبت كل واحدة منهن عن قضايا المجتمع وأخذتا الدور التنويري في المجتمع برغبة قوية في تنوير المجتمع وحمل شعلة التغيير. لقد اهتمت فرجينيا بضحايا الفاشية والاستعمار، وناقشت قضايا الفاشية والمرأة الألمانية، فيما كتبت مي معلنة رفضها لأي منتج ثقافي ألماني وقت الحرب الألمانية. إضافة إلى كتاباتهما في كثير من القضايا الإنسانية رغم أنها ستثير غضب المؤسسات الثقافية.

وتؤكّد العنزي أن دراستها أرادت أن تقول إن الحاجة للدراسة النسوية في الوطن العربي، هي أمر ضروري لأسباب منها: إن وضعية المرأة العربية لا تزال وضعية دونية، وإن شرعت القوانين لخدمة قضايا المرأة، إلا أنه لا يزال البون شاسعا بين التنظير والتطبيق، وليست غالبية النساء في الوطن العربي قادرة على أخذ حقوقها كاملة. وهذا الأمر يكثر في مناطق تغصّ بمظاهر الحياة البطريركية ويقلّ في أماكن أكثر انفتاحاً وتحرّراً. والسبب الثاني: إن أدب المرأة لا يزال أدباً ناشئاً في كثيرٍ من البلدان في الوطن العربي، ولا سيما في الخليج العربي مما يعني أن هذا الأدب يحتاج لمراجعة ومناقشة بنّاءة من حيث اللغة والأسلوب وقدرة المرأة على تمثيل موضوعاتها بحريّة من دون خوف من سلطة المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي قد تعرقل الأدب الجاد في معالجة القضايا الإنسانية. 

وفي الخاتمة توضح الباحثة الكويتية سعاد العنزي أن هذا الكتاب بدأ بتساؤل مهم عن العلاقة التي من الممكن أن تجمع بين وولف وزيادة، وناقشت مقدمته بعضاً من المناطق المشتركة بين الكاتبتين، وتضيف “صحيح، أنهما تنتميان لنفس العصر وولدتا وتوفيتا في نفس السنوات، ولكن الأولى تنتمي لثقافة ولغة وفكر المستعمِر، فيما كانت زيادة تنتمي لواحدة من الشعوب المستعمَرة، ومع هذا، نجدهما ناهضتا الاستعمار بكافة أشكاله، أما على مستوى هويتهما الفردية فكانت نقاط الالتقاء كثيرة، أهمها الصدمة التي عاشتها كل منهما على اختلاف تفاصيلها والتي أدت إلى نتيجة واحدة هي الموت: انتحار فرجينيا وولف، وانعزال مي زيادة عن الفضاء العام وصولاً إلى الموت وبالتالي انبثقت صدمتهما من قلب أنوثتهما”.

وتسرد الباحثة في عرض الفصل الخاص بالموت، أعراض الصدمة التي أدت إلى موتهما وأحدثت اضطرابات خطيرة على شخصية وولف ومي، التى كان سببها الرئيسي كونهما نساء، عانت كلٌّ منهما من أحداث الموت والفقد، وبشكل أساسي عانت فرجينيا وولف من الاغتصاب، ومشكلة العقم والوصول إلى سن اليأس، فيما عانت مي من محاولة ودأها ثقافياً وإنسانياً؛ فتعرّضت إلى استلاب كبير، وجسد يُقاد بالمؤامرات إلى العصفورية/مشفى المجانين. والمفارقة هنا، إن مجتمع وولف وبالذات زوجها، حاول إنقاذها من الجنون، فيما كانت مي زيادة المرأة التي حاربها مجتمعها حتى أوصلها إلى المرحلة الأخيرة من حياتها بعدما تآمر عليها الأقربون، وتخلّى عنها الأصدقاء، وصلت إلى مرحلة الشك والوسواس القهري، إن محنة مي زيادة تقول بشكل صريح، إن كل امرأة في الوطن العربي هي مشروع وأد ثقافى صريح ورمزى، ولا تزال النساء في الوطن العربى تعانى من أشكال تهميش مختلفة، وتشتيت لهويتها ولرؤيتها لوجودها.

نهايات مأساوية

نغوص أكثر في الحياة الشخصية للكاتبتين، فقد كان الفصل الأخير غاية في القسوة في حياة زيادة، التي لقبوها بملكة دولة الإلهام، وفريدة العصر، ونادرة الدهر، إلى آخر ما منحوها من ألقاب، لكن زوجها الذي منحته قلبها ولجأت إليه في محنتها، شاء أن يكون لقبها الأخير “مجنونة”، ليقتل روحها التي تعلّقت به.

عانت زيادة من خيانة زوجها لها مرتين، الأولى عندما تركها ليتزوج من فرنسية، والثانية حينما لجأت إليه شاكية ما بها بعد رحيل الأب والأم، فاستغل ثقتها وحصل منها على توكيل لإدارة أملاكها، لكنه استدرجها من القاهرة إلى بيروت واتهمها بالجنون وأودعها مستشفى للأمراض العقلية في لبنان، ليستولي على ممتلكاتها، وهو المكان الذي يعرف بـ”العصفورية” وهو المصح العقلي.

رغم أنها فتحت عالمها للكثير من المثقفين والأدباء والفنانين، وكانت قبلة القاصي والداني وساهمت بشكل كبير في بلورة حراك ثقافي هام مطلع القرن العشرين، فقد تعرضت زيادة إلى ظلم اجتماعي كبير، سواء من أصدقائها الذين تخلوا عنها أو من أهلها ما تسبب في عزلتها القاسية، إذ تآمرت عليها عائلتها وحتى الجماعة الثقافية باعتها، وبدا كأن الجنون الذي اتهموها به، جاء “ليرضي أعماق جماعة مريضة، لا ترى في المرأة إلا أداة متعة لا اعتبار وجودياً لها”.

تمكّن الشاعر أمين الريحاني من إخراج زيادة من المستشفى، بعد ذلك ظلت فترة في ضيافته إلى أن أعادها إلى القاهرة، وبعد عام واحد من عودتها رحلت عام 1941، ولم يكن في وداعها إلا النزر القليل من الأصدقاء ورواد الصالون الذي أسسته، والذي كان أبرز صالون ثقافي عربي، وودعها ثلاثة فقط، هم أحمد لطفي السيد وخليل مطران وأنطوان الجميل، لتنتهي رحلة حياة وصفها الكاتب الجزائري واسيني الأعرج بأنها “جزء من حياتنا العربية المقهورة اليوم، ومطية لنكون شركاء في زمن بدأته هي وجيلها بعدها، بشجاعة وسط ذكورة متسلطة خربتها الحروب والهزائم والخيانات المتعاظمة، وأتممنا نحن كل البؤس المؤجل، بل مددناه أكثر بدلاً من كسره نهائياً ومنحناه كل سبل الاستمرار المتخلف والمتطرف أيضاً، لتصبح أجسادنا وقوده وجمره ثم رماده المثقل بصرخاتنا الأخيرة”.

أما فرجينيا وولف فقد كانت على مشارف الجنون ثلاث مرّات على الأقل، نتيجة لمعاناتها من الأصوات التي اعتادت على مطاردتها في صحوها. وعلى الرغم من أنها كانت عاجزة عن مواجهة هلوساتها، فقد ألزمت نفسها بإجراء احترازي، وهو اللجوء إلى الكتابة كلما انتابتها نوبة من نوبات الهلوسة.

وقد كانت هذه الأصوات تدفعها إلى محاولات الانتحار، ورغم أنها حاولت أن تجمع بين السخرية والصرامة والبذاءة، فقد أودت بها في النهاية بطريقة محزنة حين ألقت بنفسها في مياه نهر أوز.

بدأت وولف عام 1905 العمل ككاتبة محترفة. وبعد عام توفي شقيقها توبي بسبب إصابته بالحمى التيفية بعد رحلة عائلية إلى اليونان. بعد وفاة والدها قام آدريان وفانيسا ببيع منزل العائلة وشراء منزلٍ آخر في في لندن. وخلال هذه الفترة التقت الكاتبة بعدة كتاب ومثقفين وفنانين مثل الناقد الفني كلايف بيل والروائي إي.أم فورستر وكاتب السيرة الذاتية ليتون ستراتشي وعالم الاقتصاد جون مينارد كينز، وكانوا في مجموعة لاقت شهرة كبيرة. لكن كحال زيادة، انفض من حولها الجميع مع اشتداد مرضها.

وفي الفترة الأخيرة من حياتها بدأت وولف تغرق في اكتئاب شديد. ورغم أن زوجها لم يتركها، إلا أنها قررت في الثامن والعشرين من مارس عام 1941 أن تغادر العالم.

تلتقي الكاتبتان في نهاياتهما المأساوية، وقبل ذلك في نجاحهما في ترسيخ نفسيهما وسط بيئة ثقافية ذكورية، ونجاحهما في تجميع الكتاب والمثقفين والفنانين، الذين انفض أغلبهم عنهما في الأخير.

تخلص سعاد العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء السلاطين والخلفاء، أما صورتها في الواقع تبقى صورة تنبئ عن بؤس اجتماعي ظاهر أو خفي. ولأن هناك إمكانية قول أشياء جديدة ترويها المرأة بعد أن تتمكن من لغتها وتثق بموقعها الأصيل في الثقافة الإنسانية، وتضيف شيئا أصيلا للثقافة الإنسانية اليوم، باختلاف الثقافات والمجتمعات الإنسانية بكل ما تحمله من غنى وثراء. لأن معركتنا اليوم كأفراد أن يكون لنا صوتنا الخاص، والدفاع عن حقنا في التعبير عنه، على المرأة أن تستعيد حكاياتها بصوتها وبلغتها تحرر كل الذكريات المسروقة والمستلبة والضائعة عبر فضاءات التبعثر في التاريخ. كل هذا يمكن أن يعيد للكون توازنه، ويسمح للتاريخ بأن يسير على قدميه، ويعدل من صورة الفلسفة التي مارست عنفها المفاهيمي ضد المرأة والملونين وهوامش الثقافات الرئيسية، ويعيد للأدب بريقه الخاص وإنسانيته الحقيقية بتمثيله قضايا الأفراد واحتوائه الجنس واللون والبشرة والطبقة.

“نساء في غرفة فرجينيا وولف” سعاد العنزي

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

2 تعليقان في “كتاب “نساء فى غرفة فرجينيا وولف” للدكتورة سعاد العنزي”

  1. يقول الكاتب الأديب جمال بركات:

    أحبائي…….
    الدكتورة المبدعة المتألقة سعاد العنزي…….
    أثرت المكتبة العربية والمكتبات العالمية بهذا الكتاب……..
    هذا الكتاب الذي تناول حياة فرجيينيا وولف ومي زيادة واستعرض مأساتيهما وبحث في الظروف والأسباب………
    ومن ضمن الإشارات الواضحة في الكتاب هو التشابه بين من عاشت ضمن قافلة البلد المستعمر ومن عاشت ضمن بلد من البلاد التي استعمرها المستعمر ..هذا التشابه في الفكر والرؤية الذي ذهب بواحدة إلى التعجيل بالموت وجعل الثانية تنتظره في عزلة خلف الباب………
    أحبائي…….
    دعوة محبة…….
    أدعو سيادتكم إلى حسن التعليق وآدابه…..واحترام بعضنا البعض……
    ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والنسامح والعطاء بيننا في الأرض…….
    نشر هذه الثقافة بين كافة البشر هو على الأسوياء الأنقياء واجب وفرض……
    جمال بركات…..رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة

    • يقول د شهيرة الزناتي:

      أستاذنا الأديب العربي الكبير المعلم جمال بركات
      لاشك أن قامة علمية كبيرة مثل الدكتورة سعاد العنزي عندما تتناول شخصيتين أدبيتين كبيرتين مثل فرجيينيا وولف ومي زيادة ستتناولهما بعلم وحرفية عالية تثري حياتنا الثقافية
      ونحن دائما نستمتع بالعبارات الجميلة التي تخطها بقلمك الذهبي
      تحياتي الخالصة لك وللدكتورة

أترك تعليق

مقالات
مايا البوطي/aljumhuriya- في صفحات موجزة لكن إشكالية، تبحث جوديث بتلر في مفهوم اللاعنف كحل لتعقيدات عصرنا الراهنة، والتي ترتبط بالهوية ومفهوم الأمة والحدود والبحث عن آليات المقاومة اللاعنفية ضمنها. جوديث بتلر فيلسوفة أميركية، لها إسهامات رائدة في مجالات الفلسفة النسوية، ونظرية النوع ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015