لا اندماج من دون النساء
المرأة السورية اللاجئة في ألمانيا

يحيى الأوس/ صحيفة ” زود دويتشه” تسايتونغ- أفكر دوماً بأن عملية الاندماج هي فعل ديمقراطي أيضاً يحتاج إلى ممارسة ديمقراطية ومن غير الممكن ان ينجح بالإكراه أو الضغط، كما أن نجاحه لا يمكن أن يتم بدون النساء. في بلادنا رفعت الجمعيات النسوية شعاراتٍ من مثل، لا ديمقراطية من دون النساء أو لا تحلموا بالحرية بدون النساء، للأسف بعد فشل ثورات الربيع العربي لم يتمكّن الرجال ولا النساء من الحصول على الديمقراطية، وتوقّفا مؤقتاً عن الحلم بالديمقراطية.

للأسف تتملكني فكرة الاندماج الناقص كلما رأيت عائلة من اللاجئين الذين يظهر جلياً أنها تمنح الأفضلية المطلقة للذكور على حساب الإناث، كأن يلبس الذكور فيها سراويل الجينز الممزّقة والأقراط وأحياناً الوشوم، بينما تقبع الفتيات تحت مانطو طويل وحجاب، أو عندما يجاهر بعض هؤلاء الشبان أمام عائلاتهم بمغامراتهم العاطفية لا تتمكن الفتيات من التحدّث على الهاتف بحرية!..

لا أعرف كيف يمكن أن يحدث هذا وكيف يمكن لفردٍ في عائلة أن يصف نفسه بأنه مندمج وأنه يمتلك أصدقاء جدد وأنه منخرط في نشاطات اجتماعية مختلفة، بينما تبقى أمه أو شقيقته في المنزل وتمضيا معظم وقتهما في المطبخ!.. هذا ما أسميه بالاندماج الوهمي وفي هذا برأيي تمييزٌ واضح ضدّ النساء، عاجلاً أم آجلا سوف يؤثّر بشكل عميق في وضع العائلة واستقرارها.

الدولة الألمانية تدرك أيضا أنه لا اندماج بدون النساء بدليل الاهتمام الواضح الذي توليه بدعم هائل من مؤسسات المجتمع المدني للنساء والأطفال، مثل دورات اللغة والتأهيل والدعم النفسي ودورات التوعية والتعريف بالحقوق والقوانين، وهو ما يدفع الكثير من الرجال إلى تبني نظرية المؤامرة التي تقول أن الغرب يسعى إلى دفع النساء للتمرّد ضدّ الرجال ونزع الحجاب والتخلّي عن العادات والتقاليد الشرقية، كما يحرّض الأطفال على تبني القيم الغربية والتمرّد على الآباء.

وعلى ذلك، ينظر الكثير من الرجال المحافظين إلى دورات اللغة والاندماج والعناية التي تحظى بها المرأة، بكثيرٍ من الشك، كونها النافذة التي يمكن للنساء من خلالها الشروع في علاقاتٍ جديدة واكتساب معارف وخبرات قد تشكل تهديداً لنمط الحياة الذي سارت عليه حياتهما من قبل، والذي يقوم على هيمنة الزوج على مقاليد حياة زوجته أو بشكلٍ أقل التحكّم بالقرار الاقتصادي للأسرة.

الاندماج هو فعلٌ جماعي برأيي، ومن الصعب تقبّل فكرة نصف اندماج، ربما أتقبّل فكرة التدرّج في الاندماج بمعنى أن الأسرة قد تكون في مرحلة انتقالية باتجاه الاندماج، ولكن لا أعتقد أن وجود أفراد غير مندمجين وأفراد مندمجين في أسرة واحدة هو أمرٌ منطقي، لأن هذا سرعان ما يؤثّر في حياة الأسرة وقد ينتهي بها الأمر إلى الطلاق.

الحديث عن ارتفاع نسب الطلاق في أوساط اللاجئين السوريين على سبيل المثال يصبّ أيضاً في خانة أنصار نظرية المؤامرة، فهؤلاء يحمّلون المجتمع الجديد مسؤولية وقوع الطلاق في الغالب، لكن الحديث عن ارتفاع هذه النسبة دون التوقّف عند الأسباب الحقيقية للطلاق وأسبابه البعيدة التي تعود في غالبيتها إلى البلد الذي أتى منه الزوجين ودون التطرّق إلى ارتفاع نسب الطلاق داخل سورية في الوقت الراهن، هو أمرٌ غير عادل، ذلك أن ارتفاع نسبة الطلاق في أوساط السوريين، لا يتوقّف على السوريين في دول اللجوء فقط، بل إن هذه النسب ارتفعت في السنوات الأخيرة في الداخل السوري بفعل العديد من العوامل أولها الحرب وتفرّق الأسر وصعوبة الظروف الاقتصادية. بعيداً عن نظرية المؤامرة وأسباب الطلاق الحقيقية فإن مجرد وقوعه هو امرٌ محبط للعائلة وهو أمرٌ من شأنه عرقلة عملية الاندماج وتأخيرها.

بصورةٍ عامة فإن العائلات التي تقوم على أساسٍ من العلاقة المتكافئة بين الرجل والمرأة، كانت أكثر قدرةً على الاندماج والتأقلم في المجتمع الجديد، لأن النساء كُنّ أكثر قدرةً على لعب دورٍ في عملية الاندماج من خلال خلق حالةٍ من التوازن بين القيم والأفكار التي تحملها العائلة وبين قيم المجتمع الجديد.

إحدى السيدات قالت لي أنها توافق تماماً على فكرة أنه لا اندماج من دون النساء، لكنها أضافت، أن لا اندماج من دون استقرار، في إشارةٍ إلى الحديث عن امكانية إعادة اللاجئين إلى بلادهم، فمن الصعب إحراز تقدّم في مسألة الاندماج بينما تشعر بأنك قد تفقد فرصة البقاء في ألمانيا، إنها إضاعةٌ للوقت أن تُمضي ثلاثة سنوات أو أكثر في تعلّم اللغة أو الانسجام مع مجتمعك الجديد، وفجأةً تجد نفسك في مواجهة الترحيل.

المرأة السورية اللاجئة في ألمانيا

المرأة السورية اللاجئة في ألمانيا

المقالة هي ترجمة منقولة عن صفحة الكاتب يحيى الأوس عالفيسبوك لمقالته التي نشرها بالألمانية تحت عنوان “Keine Integration ohne die Frauen” في صحيفة “Süeddeutsche Zeitung” الألمانية.

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015