مدوّنة “عيني عينك” .. كاتبات الحرب السوريات
مدوّنة "عيني عينك"

بتول خليل/ المدن- المعاناة التي عاشتها النساء السوريات، من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، منذ انطلاق الثورة والتهجير وحرب الإبادة الشاملة التي شنّها النظام، عرّضتهن لمختلف أشكال العنف والمعاناة والمرارة في مجتمعٍ وحربٍ تكاد هيمنة الطابع الذكوري عليها تكون شبه كاملة. إلا أن ذلك لم يمنع المرأة السورية من لعب أدوار بارزة في الحراك السياسي والثورة، كانت الكتابة والتعبير أحد سُبلها، ما أضفى على دورها بُعداً أعمق طوال سنوات الحرب، كونها مؤهلة أكثر من غيرها في التعبير عن الحالة الإنسانية، من خلال إدراكها أن إخراج ما يحدث في الداخل السوري إلى العلن يتخذ أهمية كبرى لناحية نقل الحقيقة والتأثير بالرأي العام، الأمر الذي يترك أثره في مسار الأحداث في سوريا.

المرأة التي حضرت في الإعلام السوري البديل، كمؤسسة وكاتبة ومراسلة ومدونة، تغطي وتنقل الأحداث اليومية وتطوراتها، متحدية انحسار مساحة حرية الرأي والتعبير إلى أدنى مستوياتها، هو أمر حاز اهتمام ومتابعة مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية. في حين أن تفاصيل الحياة اليومية وسردياتها ومعاناة المرأة السورية في ظل الحرب، لم تحظَ بتغطية كافية من وسائل الإعلام الـmainstream، ما جعل من إطلاق مدونة “عيني عينك” مؤخراً، جسراً تنقل من خلاله نساء سوريات من مختلف الشرائح والطبقات، آراءهن، فيسلطن الضوء على المسائل العامة والحياة اليومية وتفاصيلها في زمن الحرب، انطلاقاً من المناطق المحاصرة في حلب وإدلب والغوطة الشرقية. يوثّقن اليوميات الممهورة بالمعاناة، ويوسّعن مساحة التعبير عن الهواجس، وتحويلها إلى قوة صمود، وهو ما مكّنهن من التغلب على مختلف التحديات والعقبات، وذلك بعد مساعدتهن في التمكن من أساليب الكتابة وتدريبهن على كيفية معالجة نصوصهن التي يتطلبها العمل الصحافي، كي يكون لها الوقع والتأثير المطلوب.

المشروع الذي تديره وتنفذه منظمة ASML/Syria، بالتعاون مع “شبكة الصحافيات السوريات”، يقوم على تدريب المشاركات والمساهمات من النساء المقيمات في مناطق المعارضة السورية، على أساسيات الصحافة، وتزويدهن بالمواد اللازمة لمواصلة تطوير مهاراتهن، ومنحهن من خلال منصة “عيني عينك” منبراً للتعبير بالمواد المكتوبة أو المرئية أو المسموعة.

وبذلك تتاح لهن الفرصة لإجراء مقابلات مع نشطاء وقادة من المجتمع المدني وأصحاب المبادرات التي تستحق الإضاءة عليها، ما يدعو للتساؤل عما إذا كانت سياسة المدونة تركّز على نقل صور وأحداث الواقع كما هو، وبالقدر الذي تتمكن المدوّنات من الإحاطة به، أم أن هناك اتجاهاً يتعلق بأولوية إظهار أمور والتركيز عليها على حساب أمور أخرى؟

تشرح مديرة المشروع، الفرنسية لوسي زغراد، لـ”المدن” بأنّ إطلاق “عيني عينك” حمل أهدافاً عديدة، أبرزها أن تكون “واجهة لآلية تدريب متواصل، غايتها دعم المرأة من طريق الإعلام”، إلى جانب كونها منصة إعلامية جديدة تروّج لمواضيع قادرة على إثارة اهتمام الجمهور في الداخل السوري، فيما تقوم المدونات بمعالجة الأحداث المختارة وحقيقة حياة الكاتبات كما هي. فهن من وسط اجتماعي متوسط وشعبي، صوتهن لا سابق له في الساحة الإعلامية، وهذه تجربتهن الأولى، ولهنّ حرية اختيار أفكار المواضيع والقصص التي تهمهن. أما من جهتنا، فنحن في المدونة لدينا سياسة تحريرية بالطبع، على غرار أي وسيلة إعلامية أخرى، لذلك قررنا منح الأولوية قدر الإمكان لقصص تبرز الدور المحرك للمرأة في المجتمع ومبادراتها الإيجابية التي تلهم الجمهور وتحثه على خوض مثلها”.

أمرٌ طبيعي أن يسيطر الخوف في ظل الحرب، وأن تكون الظروف من أصعب ما يكون في المناطق المحاصرة، ما يعكس وينتج بالضرورة حالات ومشاعر تختزل قمة المعاناة الإنسانية والألم والقلق.. فهل تتيح المدونة إظهار هذا الكم وهذا النوع من المشاعر؟ أم أنّ هناك التزاماً بإبراز سمات الأمل والتركيز عليها؟ وبالتالي، عندما يتضارب واقع يدعو لليأس مع فكرة انبعاث الأمل، لمن تنحاز الأولوية في هذه الحال؟

تقول زغراد إنّ طبيعة المواضيع المُعالجة تغيّرت منذ بداية البرنامج التدريبي، فالقصص الأولى غلب عليها الغضب والحزن، وتمحورت حول الاغتصاب والتحرّش واغتيال الزوج. غير أن التدريب المتواصل مكّن المشاركات من رؤية ما مررن به من منظور أوسع ومختلف، فصارت معالجتهن لقضاياهن بعيدة من مواقفهن كضحايا في قصصهن، إذ ساهم التدريب في تعويم قوتهن وقدارتهن النضالية في المجتمع. واليوم تأخذ المدونات في الاعتبار أولوية تأثيرهن المحتمل في الجمهور، وصرن يركّزن على الكتابة عن مبادرات إيجابية، مثل عمل الجمعيات في الميدان أو إظهار دور المرأة السورية في القيادة.

المتابع لما يُنشر في مدونة “عيني عينك” منذ إطلاقها، سيلحظ التركيز على تفاصيل الحياة اليومية بواقعية كبيرة، ما يسمح بتظهير جوانب شخصية، ومعاناة المرأة في الحرب السورية، خصوصاً النواحي المتعلقة بطغيان الذكورية، ولا سيما الفئات المهمشة من النساء الغارقات في همومهن وأحزانهن وخوفهن وعجزهن وإحباطهن، فتبرز الحاجة لتخصيص مساحة لهن على حساب تلك المتاحة لفئة “النخبة”.

ووفقاً لزغراد، فإن الفضاء التعبيري المتاح في مدونة “عيني عينك”، يجمع نساء من طبقات متوسطة وشعبية ممن لا يمتلكن أي خبرة مسبقة في مجال الإعلام، وبعضهن لم تصل إلى الجامعة، وبعضهن ربات منازل وأخريات نازحات “هؤلاء النساء أثبتن قدرتهن أكثر من غيرهن على نقل حقيقة الحياة في مناطق الحصار. فإحدى المدوِّنات، على سبيل المثال، قررت تناول مواضيع اجتماعية بطريقة الحكواتية، وهذا الأمر لا سابق له في المنطقة”.

هذا الأمر يعدّ ابتكاراً يمزج بين الأدب الروائي الشعبي والنقل الإخباري التوثيقي الصحافي، وهذا شيء مميز يُحسب للشعب السوري الذي حين قمعه النظام، قيّد موهبته وسلب حقه وقدرته على التعبير. الآن، وفي المناطق التي تقع تحت سلطة مجموعات مختلفة من المعارضة، هل تولدت القدرة على النقد وتظهّرت، بحيث أضحت هوامش الحرية ذات مدى مقبول؟

تقول زغراد أن “الوضع تغيّر كثيراً منذ العام 2011، والآن حصل سكان المناطق المعارضة على الإمكانات التقنية للتعبير عن أنفسهم، وكسروا حاجز الخوف. بيد أن سياسة زرع الأفكار التي كانت تقوم بها مدارس النظام السوري وأجهزة إعلامه، وغياب حرية الصحافة منذ ما قبل الحرب، شكّلت بلا شك التحدي الأكبر في سياق تدريبنا وتأهيلنا للنساء المشاركات. لذلك كان لطبيعة التدريب المتواصل دور رئيسي في هذا المشروع، الذي يسعى إلى التمكين الذاتي على المدى المتوسط والبعيد. وفي هذا المجال أيضاً نرى تطوراً في اختيار القصص ومعالجتها”.

لكن، هل إعطاء المُدوِّنات مزيداً من الحرية يضع القائمين على “عيني عينك” في موقع المراقب من بعد؟ خصوصاً أن نقل تفاصيل يوميات الحصار هو أيضاً وسيلة لكشف وإخراج معلومات قد تفيد النظام وتضرّ بالمناطق المحاصرة، من خلال السرد العفوي للناس ولتفاصيل قد لا ينتبهون إلى أنها قد تشكّل استفادة للنظام وتؤدي إلى الإضرار بهم…

تجيب زغراد: “نحن منتبهون جيداً لهذا الأمر”، موضحة أن “ASML/Syria خبرت وسائل النظام كوننا نعمل في الداخل السوري منذ العام 2011، ولدينا إجراءات أمنية صارمة نطبقها في كل مشاريعنا، بما فيها هذا المشروع، ومن هذه الإجراءات التدقيق في المحتوى وإخفاء هوية المدونات أو بعض الأشخاص الذين تتم مقابلتهم، ما يؤدي إلى استخدام الصيغة الصوتية بدلاً من الفيديو في بعض القصص”.

مدوّنة "عيني عينك"

مدوّنة “عيني عينك”

أترك تعليق

مقالات
سناء عبد العزيز/ ضفة ثالثة- ظلّت قضية التحرّش الجنسي القضية الأكثر جدلاً في ما يتعلّق بردود الفعل تجاهها. فما بين معارضة وتأييد واستهجان وتجاهل تام، تضيع بين الأرجل، فتبهت معالمها، وتخفت جذوتها تدريجياً، إلى أن يطويها النسيان بالنسبة للجميع، عدا ضحيتها التي تختزنها في صندوق أسود، لا ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015