معضلة مؤشرات العنف الأسري
العنف الأسري

جريدة الوسط البحرينية/ منى فضل- أفضى الاهتمام بمفهوم حقوق المرأة وقضاياها التي شكلت محوراً أساسياً لنشاط الحركات الاجتماعية والنسائية، إلى بروز منظومة من التعهدات الاختيارية والطوعية للدول فضلاً عن تنفيذ الالتزامات والتوصيات الدولية المتمثلة في الإعلانات والمؤتمرات والاتفاقيات الدولية، وأبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكالالتمييز ضد المرأة «السيداو» (CEDAW) التي شكلت منعطفاً تاريخيّاً في تعزيز حقوق المرأة وحمايتها، وترسيخها على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

بدورها مثلت المراجعات الدورية التي اتخذتها لجنة وضعية المرأة (CSW) لمراقبة الدول وتقييم أدائها، مجالاً رحباً في حث الدول الأعضاء على أهمية تجسير الفجوة بين الجنسين، لتحديث التشريعات الوطنية المتعلقة بمناهضة التمييز والعنف، وإنشاء مراصد لمتابعة هذه الظاهرة وقياس مستوياتها ودرجاتها، ولاسيما أن أغلب الباحثين والعاملين في هذا الميدان بمجتمعاتنا يعانون نقصاً في بيانات العنف، وصعوبة شديدة في الحصول على معلومات إحصائية معتمدة تشخصه، كظاهرة تقع تبعاتها على النساء وتكشف ما يتعرضن إليه من صعوبات في إنجاز إجراءات الطلاق بالمحاكم، أو تنفيذ عقوبة تجريم العنف وخصوصاً في البلدان التي تفتقر لقوانين الأحوال الشخصية أو للحماية من العنف.

إشكالية التعميم

من هنا فإن الكشف عن البيانات الإحصائية، وتوفير المعلومات المتعلقة بضحايا العنف من النساء، يعد مسألة مهمة؛ بل ويشكل جزءاً لا يتجزأ من الاستجابة لتنفيذ التوصيات الدولية التي تعزز آليات مناهضة العنف بكافة أشكاله، لم لا؟ وقد تنامت الظاهرة باطراد سواءً في محيط الأسرة أو من خلال الممارسات المسكوت عنها، وبحراسة من منظومة القيم والأعراف والعادات والتقاليد، كما أن الكثير من حالات العنف لا تصل إلى مراكز تلقي الشكاوى، وتسجيل بياناتها، بحجة الحفاظ على كيان الأسرة والأطفال، وخوف المرأة من الطلاق والنظرة الدونية، إلى جانب عدم مساندة أهالي الضحايا ممن يلقى بعضهم اللوم على الزوجة، وتحميلها تبعات ممارسة العنف الواقع عليها، وما يزيد الأمر تعقيداً كما أشرت في مقالاتي السابقة، أن أغلب إحصاءات التقارير المعتمدة تتضمن على بيانات تعوزها المنهجية في الإعداد، وتفتقر لآلية الرصد والتسجيل العلمي الدقيق، ولهذا يتكرر تسجيل حالات العنف في عدة مراكز للإرشاد الأسري، أو عدم التبليغ عن الكثير منها أصلاً، وهذه الخلاصة وصلت إليها الكثير من الدراسات التي نفذتها جهات رسمية أو أكاديمية أو مؤسسات أهلية، ما يعني أننا بصدد إشكالية الاعتماد على التعميمات المطلقة لنتائج بعض الدراسات والبحوث، التي تناولت البحث ببيانات منقوصة أو بأدوات بحثية غير ملائمة، ولاسيما تلك التي تسعى للوصول إلى خلاصات إيجابية مريحة، يراد اعتمادها في تحقيق تقدم ما في مناهضة ظاهرة العنف على النساء.

البحرين كما غيرها من دول عربية، تفتقر لوجود مراكز رصد وجمع وتوثيق متخصص لحالات العنف الأسري، وبالتالي فإن قاعدة البيانات والمعلومات الإحصائية الشاملة والمعتمدة حسب النوع الاجتماعي تبقى ضعيفة ومبتورة في سياق تحليل واقع العنف ضد النساء، بعوامل ذات صلة وتفاعل وتشابك بتعليم المرأة، وعملها، وبمشكلات الفقر والعوز، وانتشار البطالة، ونقص الحقوق الإنسانية، وانعدام الحريات، وتفشي سياسات التمييز الطائفي والإثني، وحالة الاحتراب التي تمر بها المجتمعات، إضافة إلى عدم استخدام تلك الدراسات لمؤشرات الجندر المعتمدة دوليّاً في متابعة وقياس ظاهرة العنف، والآليات والتدابير المنفذة للحد من تمددها، فكل جهة كما درجت العادة تصدر إحصاءاتها منفردة، واستناداً إلى سجلاتها الخاصة من خلال مؤشرات زيادة حالات الطلاق بين الأزواج، وحجم الدعاوى المرفوعة في المحاكم وغيرها من آليات، بيد أن تلك البيانات الإحصائية والمعلومات المنجزة، من أسف لا تلبي الاحتياجات الحقيقية للباحثين في ميادين إدماج المرأة في مشاريع التنمية المستدامة أو لتحقيق المساواة وردم الفجوة، بل نجد صعوبة في تيسير الوصول إلى المعلومات المفصلة والبيانات الإحصائية الدقيقة وجعلها في متناول الجميع، والأسوأ تقييد السماح لإجراء مسوحات ترصد واقع العنف وربطه بالمتغيرات المجتمعية، فما يعلن عنه من نتائج بخصوص العنف الواقع على النساء في سياق الاحتفالات الموسمية، غالباً ما يكون عرضاً كمياً لأرقام صماء مبتورة عن سياق مناقشتها لجذور ظاهرة العنف، وتحليلها في إطار ظاهرة العنف المجتمعي.

بيانات منزوعة الدسم

إن الإفصاح عن البيانات الإحصائية الجامدة للعنف، لا يساعد وحده في مناهضة هذه الآفة الخطيرة، فالأمر بحاجة إلى ممارسة الشك والتفكيك في دراستها، وتحليل نتائجها بصورة تتجاوز عملية تشخيص العلة والمشكلة بشكل سطحي، ذلك لأن استمرار الظاهرة وتفاقمها له علاقة بمتغيرات وعوامل مجتمعية كثيرة محلية وخارجية، ما يعني أن عملية الرصد والبحث تتطلب مناقشة وتحليلاً لفرضيات، وإلى تفتيت البيانات، وتفريغها بصورة شفافة وعلمية كماً وكيفاً، فضلاً عن الإجابة على تساؤلات إشكالية ممارسة العنف ودلالاتها ومؤشراتها في السياق العام والخاص، إذ لا يمكن قراءة بيانات العنف ونسبها بصورة مجتزأة ومقاربتها حصراً في عينة غير ممثلة تمثيلاً صادقاً عن واقع من يتعرضن للعنف، أو عبر الكشف عنه في أوساط المتزوجات فقط، ذلك لأنه يقع على الابنة والأخت والحفيدة وعاملة المنزل… الخ في نطاق الأسرة، كما ليس من المنطق تعميم نتيجة ما بشكل جانبي وأحادي صرف وتأكيدها بصورة مطلقة، كالقول بانخفاض نسبة الزوجات المعنفات من «0.25 في 2015 إلى 0.26 العام 2016»، فضلاً عن الحكم نهائياً عليها بأنها نسبة متدنية، أو القول إن إجمالي الزوجات المعتدى عليهن بلغ 955 حالة العام 2015 من بينها 719 لبحرينيات و236 غير بحرينيات، وبانخفاض حالات العنف الجسدي «من 60.6 في المئة إلى 56.7 في المئة» وارتفاع العنف اللفظي «من 9.7 في المئة إلى 11.4 في المئة»… الخ»، والتأكيد أن ذلك حدث بسبب صدور القانون «17» لسنة 2015 بشأن الحماية من العنف الأسري وفاعلية برامج الوقاية والحماية.

خلاصة الأمر تعميم نتائج البحوث والمسوحات المتعلقة بظاهرة العنف الواقع على المرأة، بحاجة إلى اعتماد المعايير الدولية في عملية القياس، وتحديد آليات بحثية ومنهجية للدراسة التي ينطلق منها الباحثون، وربطها بجميع عناصر الظاهرة الرئيسية والثانوية، وتبيان حجمها الحقيقي في إطار المتغيرات التي تطرأ على المجتمع، وما يمر به من أزمات سياسية ومشكلات اقتصادية، وما يتوفر في البيئة من عدالة اجتماعية وإشراك للمرأة في مشاريع التنمية المستدامة، ومدى توفير تكافؤ الفرص، كما أن مؤشرات النسب المئوية والبيانات الكمية لا تكفي لوحدها لإثبات انخفاض ممارسة العنف في إطار العلاقة الزواجية بهذه النسبة أو تلك مثلاً وتعميمها بشكل مطلق، كما ومن غير المنطقي فصل نتائج الدراسات عن إحصاءات العنف المتناثرة التي وثقتها المؤسسات الأهلية، أو اختصار التحليل على المعطيات الرقمية فقط، فالهدف في نهاية المطاف لا يقصد منه الحصول على شهادة تقر بتنفيذ الالتزامات الدولية فقط على رغم أهميته، بقدر ما يمكن أن يساعد في إيجاد أساليب عملية وناجحة لانتشال النساء من مستنقع دائرة العنف والتمييز، الذي يتعرضن إليه في محيط الأسرة وفي المجال العام.

العنف الأسري

العنف الأسري

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015