نساء معنفات.. مجتمعات مريضة
نساء معنفات.. مجتمعات مريضة

الأهرام- مع بدء حملة الـ16 عشر يوماً العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، التي تبدأ من 25 نوفمبر وتستمر حتى 10 ديسمبر من كل عام، ينشط المجتمع المدني والمنظمات الأممية في تقديم برامج توعية وتوقيع عرائض ونشر نتائج دراسات تحث على التصدي للعنف ضد المرأة الذي يأخذ صوراً عديدة فى مجتمعاتنا العربية. معظم تلك الحملات تؤكد أن العنف ضد المرأة لا يعني فقط الإيذاء الجسدي، بل يشمل أيضاً العنف المعنوي الذي غالباً ما يترك آثاراً أشد قسوة على المرأة تحد من قدرتها على اتخاذ القرار وتجعلها خاضعة للرجل. ناهيك عن العنف الجنسي، مثل السبي والاغتصاب، الذي تظل آثاره تطارد المرأة مدى الحياة. وتؤكد تلك الحملات أن الآثار السلبية للعنف ضد المرأة لا تنحصر في الأضرار الجسدية والنفسية والصحية للمرأة والتي قد تصل إلى الموت، بل تشمل أيضاً الأطفال الذين نشأوا في أسر يسود فيها العنف لتصيبهم بالاكتئاب والخوف وتصل بهم أحياناً إلى إدمان المخدرات وانتهاج سلوكيات خطرة.

ولكن السؤال المحيِّر هو لماذا لم تسفر تلك الجهود والحملات عن تغيير جذري لهذا الوضع، ولماذا لم تستطع الحلول المطروحة خفض نسب العنف المنزلي أو العنف في العمل والأماكن العامة؟ فالتعديلات الدستورية والقانونية الجديدة التي سنتها دول عربية عدة، مصاحَبة باستراتيجيات وطنية وبرامج توعية، لم تحدث التغيير المطلوب. ولا تزال ظاهرة العنف ضد المرأة منتشرة في المنطقة العربية أكثر مما هي عليه في المناطق الأخرى من العالم: المرأة العربية تُضرب أو تُعنَّف إذا أحرقت الطعام أو إذا خرجت بدون إذن زوجها. ولا يزال ختان البنات يمارس بشكل كبير في بعض الدول مثل مصر حيث تخضع للختان 92 في المائة من البنات في الفئة العمرية ما بين 15 و49 سنة. كما تصل نسبة الفتيات في الفئة العمرية ما بين 20 و24 سنة اللاتي تزوجن قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، إلى 34 في المائة في اليمن و32 في المائة في السودان.

ورداً على هذه الاسئلة المتشابكة يمكن القول إن الحلول المطروحة حالياً من قبل معظم الدول للتصدي للعنف ضد المرأة لا تتعامل مع الموضوع بنظرة شاملة ولا تستفيد من الممارسات الجيدة التي ثبت نجاحها في أنحاء أخرى من العالم. فعدم إدراك التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة يساهم بشكل مباشر في عدم وجود رؤية واضحة ويزيد من حدة المشكلة، مما يؤثر على قدرة أصحاب القرار على إيجاد حلول وبرامج فعالة لمنع العنف. ولذا، هناك توجه عالمي تساهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبى بشكل عام والدول الاسكندنافية بشكل خاص، إلى اعتماد نظرة شاملة للتصدي للعنف ضد المرأة، من خلال تقدير تكلفته الاقتصادية على المجتمع. وقد ساعد هذا التوجه على بناء شبكة متكاملة من الدعم في تلك الدول حدَّت من ظاهرة العنف وأدت إلى تغيير الوضع على أرض الواقع.

فالممارسات العالمية تشير إلى أن التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة تشمل تكلفة اقتصادية نقدية تُحسب على أساس الفرص البديلة، مثل الخسائر من العائد بسبب انقطاع المرأة المعنَّفة عن العمل. كما أن هناك تكلفة اقتصادية تتمثل في الخدمات الصحية والقانونية والاستشارية المقدمة للمرأة المعنَّفة. بالإضافة إلى ذلك، يوجد تكلفة غير نقدية يصعب حسابها في الدول العربية بسبب غياب البيانات، مثل الآلام التي تتكبدها المرأة المعنَّفة والآثار السلبية على أطفالها. فوجود بيانات توضح التكلفة التي تتحملها كل من الدولة، والمجتمع المدني، والمرأة المعنفة وأسرتها سوف يؤكد أن العنف ضد المرأة شاغل عمومي وليس مشكلة خاصة يتم علاجها خلف جدران المنزل. وهذا التحليل سوف يساعد متخذي القرار على وضع برامج وقائية من الدرجة الأول التي تمنع تلك الظاهرة وبالتالي تحد من تكلفتها على المجتمع ككل.

كانت مصر، تحت رعاية المجلس القومى للمرأة، أول الدول العربية التي انتهجت هذه الفكرة وقدرت التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة بحوالى 2،17 مليار جنيه في السنة الماضية متضمناً التكاليف المباشرة وغير المباشرة. كما أن مركز المرأة في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا (الإسكوا) اعتمد مع الدول الأعضاء مشروعاً اقليمياً لحساب التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة فى المنطقة العربية يهدف إلى رفع وعي متخذي القرار بأهمية تقدير التكلفة الاقتصادية للعنف وتصميم نموذج يمكن ملاءمته مع احتياجات الدول العربية لحساب تكلفة العنف التي يتكبدها المجتمع.

فإذا استطعنا أن نمشى فى طرق متوازية لنعدل القوانين المجحفة ونغير النظرة المجتمعية التى تسمح بالعنف ضد المراة وتشجعه، وفى نفس الوقت قدرنا التكلفة الاقتصادية للعنف، سيصبح لدينا نظرة متعمقة للمشكلة تساعدنا على وضع حلول فعالة ترحم مجتمع بأكملة من الانهيار.

د. مهريناز العوضي / مديرة مركز المرأة فى الإسكوا

نساء معنفات.. مجتمعات مريضة

نساء معنفات.. مجتمعات مريضة

أترك تعليق

مقالات
تخلص سعاد العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015