“تزوّجتُ هرباً من الفقر”… العوز يسحق ربيع قاصرات
ضحايا تزويج الطفلات

ميريام سويدان/no2ta- “لو ما كان الوضع هيك ما كنت انجبرت أتجوّز بهالعمر، ولا كنت انجبرت أتجوّز رجال هلأد أكبر مني… بس نحنا السوريات ما في إلنا حياة”، تقول إيمان (17 سنة) وهي تقطف حبّات البندورة من الأرض. 

غادرت إيمان بلدها سوريا منذ سنوات وأتت إلى لبنان برفقة والدتها وجدّتها. لم تعرف الشابة والدها قط، لقد هجر والدتها وهي حامل بها، جدّها رحل منذ زمنٍ ورجال العائلة لا يُبادرون ولو بسؤال عن “المطلقات الثلاث”، كما أسمتهن إيمان. 

لم ترَ إيمان رجلاً في حياتها، ولم تشعر مرّة بدفء حضنٍ آمن. كان أوّل ما رأته وهي لا تزال طفلة لا تتجاوز الـ15 من عمرها، هو شبح ذلك الرجل الذي بات على حين غفلةٍ زوجها.

“رجلٌ خمسيني أصلع وله كرشٌ كبير… يشتهيني كل مساء وأنا أنفر منه، حاولت مراراً تقبّل الأمر بعدما وبّختني والدتي ووالدته، لكنني لم أستطع احتمال انقضاض وحشٍ عليّ… حتى طلّقني بعد سنة ونصف السنة”، تقول إيمان. 

انفصلت إيمان عن زوجها الذي أُجبرت على التزويج منه بسبب سوء وضع عائلتها الاقتصادي، كان ذلك التزويج أقرب إلى صفقة يعقدها طرفين لصالح كليهما، هن سيحصلن على الأمان والعيشة الميسورة وسيخلصن من نظرات المحيط الذكوري لنساءٍ وحيدات، مقابل حصول عارض الطلب على “زوجةٍ بكر يُطوّعها كما يرغب وتعيد له شبابه”. 

لم تكتمل تلك الصفقة لحسن حظّ إيمان، لكن الشابة خسرت الكثير بالمقابل. خسرت تعليمها الذي كانت تطمح باستكماله لتصبح ممرضة، كما التصق بها لقب “مُطلقة” في القرية حيث تسكن، والأهم أنها خسرت طفولةٍ كانت تتمنى ولو أنها لم تحمل كل هذا الأسى. 

تعيش إيمان اليوم مع أمها ووالدتها في بلدة لبنانية في شمال لبنان. هناك، عطف رجل عليهن، قدّم لهن غرفة مجانية قرب أرضه الزراعية مقابل اهتمامهن بالمزروعات. 

إيمان ليست قصة منعزلة، وقد تكون أقل القصص مأساوية من بين ضحايا تزويج الطفلات كونها نجت من تزويجها. من لبنان، حيث لا يُجرم القانون تزويج القاصرات، إلى المغرب حيث يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة تُزوّج بموجبها عشرات الطفلات، وصولاً إلى سوريا والسودان والعراق ومصر، حيث يُنظر إلى تزويج الفتيات على أنه حلاً للخلاص من الفقر والعوز، هناك عشرات القصص التي نسمعها يومياً، ومئات من تلك التي تموت خلف جدار “الشرف” و”العيب”، عن فتيات كبرن قبل أوانهن. آخر تلك القصص، الطفلة ضياء (14 سنة) التي صوّبت مسدساً إلى معدتها وأنهت حياتها في بلدة قرحيا في قضاء المنية- الضنية شمالي لبنان، بعدما مارسا أسرتها ضغوطاً عليها للتزويج من رجلٍ يكبرها بعشرات السنين. 

التزويج… أداة للسيطرة على النساء

“قبل جائحة كوفيد-19، كانت 100 مليون فتاة مُعرّضة لخطر تزويج الأطفال في العقد المقبل. والآن، هناك ما يصل إلى 10 ملايين فتاة إضافية معرّضات لهذا الخطر”، ورد ذلك في آخر تقريرٍ لـ”اليونيسيف”.

100 مليون فتاة مُعرّضة لخطر التزويج المبكر، أي 100 مليون قصة مأساوية تُضاف إلى قصص الفتيات في دول العالم النامي. هناك غالباً ما يكون تزويج الأطفال نتيجة لانعدام المساواة المتأصّلة بين الجنسين، ما يجعل الفتيات يتأثّرن على نحوٍ غير متناسب بهذه الممارسة. إذ لا يمثّل انتشار تزويج الأطفال بين الصبيان سوى سُدس نسبته عند الفتيات في العالم، وفق إحصاءات “اليونيسيف”. 

في هذا السياق، تشرح الباحثة النسوية مايا ح. أن ظاهرة تزويج الطفلات وتفاقمها في السنوات الأخيرة لا يمكن أن تنفصل عن السياقات الاقتصادية والسياسية المحيطة بها. إذ ترى مايا أن “التزويج يكون في كثير من الحالات صفقة تباديلية كجزء من سعي أسرة الطفلة لتأمين حياة أفضل”. وبالتالي فإن العنف الاقتصادي تجاه الأُسر الأقلّ فقراً، يكون دافعاً في أغل الأحيان نحو تزويج الطفلات، لا سيما أن جهود المنظمات والمؤسسات تقتصر على العمل التوعوي ولا تطرح حلول مستدامة لأزمة الفقر. 

ذلك التزويج يحرم الفتيات من طفولتهن ويُهدّد حياتهن وصحتهن. الفتيات اللواتي يتزوجن قبل بلوغهن سن 18 سنة أكثر عرضة للعنف المنزلي، ويقلّ احتمال بقائهن في المدرسة، ويعانين من مشاكل اقتصادية وصحية أسوأ من أقرانهن غير المتزوجات. علماً أن تلك الممارسات تنتشر في البيئات الفقيرة، لا سيما في المخيمات وفي مناطق اللجوء والأزمات، هناك حيث لا قانون يردع ولا تشريعات تحمي النساء.

في العراق مثلاً، يُحدّد القانون الحالي سن التزويج بـ18 عاماً، لكن المادة الثامنة من القانون تُجيز تزويج من أكمل سن 15 عاماً بشرط موافقة المحكمة  وولي الأمر، وللقاضي أن يأذن بتزويج من بلغ السن الأخير “إذا وجد ضرورة قصوى تدعو إلى ذلك”، شرط تحقق “البلوغ الشرعي والقابلية البدنية”. وبطبيعة الحال، سيأذن القاضي لكل رجلٍ صاحب نفوذ أو راشٍ، أو حتى غير لذلك، لأن الاستثناء أصبح القاعدة. هذا الأمر يُعسّر الحصول على إحصاءات دقيقة عن عدد المتزوجات القاصرات في العراق، لأن أغلب حالات التزويج تتم خارج المحكمة، بحسب ما ذكرته منظمات حقوقية.

تُعيد مايا تحويل الاستثناءات إلى قاعدة في تلك الدول إلى حقيقة أن أغلب قوانين الأحوال الشخصية العربية قائمة على مبدأ الشريعة وليس على قوانين مدنيّة، وهو ما يجعل تدخّل القاضي أمراً مُتاحاً. 

ينطبق ذلك تماماً على ما يحصل في المغرب. إذ لا يُمكن تزويج القاصر في المغرب إلا بإذنٍ من القاضي، لكن ذلك لم يمنع المحاكم من منح 13 ألف إذن لتزويج قاصرات في العام 2020، من أصل 20 ألف طلب. 

في دولٍ أخرى، لم ينصّ القانون على سنّ تزويج معين. في لبنان مثلاً، شلّت السلطات عملية إقرار قوانين مُنصفة بحقّ النساء والفتيات بما فيها تلك التي تضع حدّاً لتزويج القاصرات. والحال هذه ليست سوى نتيجة موقفٍ واضحٍ اتخذته الكتل الحزبية النيابية بتكريس الطائفية وإعلائها على أيّ مشروع أو قرار أو حكم دستوري يدفع باتجاه قانون مدنيّ موحَّد للأحوال الشخصية.

أما في السودان، لم يُحدد قانون الأحوال الشخصية سن التزويج، لكن بعد جهود كثيرين، تمّ تضمين هذا التحديد في مسوّدة الدستور الذي تمت مناقشته أثناء مؤتمر الحوار الوطني الشامل عام 2014. إلا أن الدستور الجديد لم يرَ النور نتيجة الحرب التي بدأت بسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على العاصمة صنعاء ومدن أخرى، مروراً بالتدخل العسكري من قبل السعودية والإمارات على رأس تحالف ضم دولاً أخرى، وهي الحرب التي لم تنتهِ حتى اليوم.

مصر… أكثر من تزويج قسري!

في مصر، يُعد تزويج الأطفال ظاهرة مجتمعية منتشرة، خصوصاً في الصعيد والأرياف. وأعلن “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء”، في آخر مسحٍ ديموغرافي صحي في مصر، أن 117 ألف طفل في الفئة العمرية من 10 إلى 17 عاماً متزوجون أو سبق لهم التزويج. المسح الديموغرافي نفسه أشار إلى أن محافظات الصعيد (جنوبي البلاد) هي الأعلى لناحية معدلات التزويج والطلاق، بينما سجّلت محافظات مصر الحدودية (البحر الأحمر وسيناء ومرسى مطروح وأسوان) أقل نسبة في تزويج الأطفال.

اللافت في مصر أن التزويج تطوّر ليصبح اتجاراً بالبشر. فتشتهر مدينة الحوامدية مثلاً، التي تقع على بعد 60 كيلومتراً جنوب القاهرة، بمباركة الأهل لتزويج ابنتهم القاصرة من ثريّ عربي يشتريها بالمال، والتي يُسميها البعض “سوق النخاسة المصري”، أو سوق بيع “اللحم الرخيص”. 

في تقاريرٍ صحفية عدة، وثّق صحافيون تحوّل تزويج أثرياء العرب من فتيات مصريات من أُسر فقيرة إلى ظاهرة و”صفقة تجارية” يسعى إليها الطرفين. وفق التقارير، تأتي السعودية في المرتبة الأولى للتعاقد مع وسطاء أو مكاتب محاماة مصرية للحصول على فتاة قاصر للتزويج العرفي أو لتزويج المتعة، وتحتّل الكويت بعدها المرتبة الثانية وتأتي في المراكز التالية الإمارات والبحرين. 

في التفاصيل، يتوافد الأثرياء العرب إلى مصر لقضاء العطلات أو للسياحة، وتختلف الأسعار طبقاً لمواصفات الفتاة، حيث يُدرج الراغبون في بيع وشراء ابنتهم لرجال الخليج العربي الأثرياء مواصفات الفتاة عند أحد الوسطاء أو مكاتب المحاماة، ليختارها المُشتري و”يتمتع بها” لفترة من الوقت. ووفق “المجلس القومي للأمومة والطفولة”، يتراوح سعر الصفقة لـ”الفتاة البكر” ما بين 10 آلاف و25 ألف جنيه مصري (500 إلى 1200 دولار تقريباً). 

في التقرير الأخير، تقول مديرة “وحدة مكافحة الإتجار بالأطفال” إن “بعض الفتيات عندما يبلغن الـ 18 من العمر يكون عدد زيجاتهن الموقتة قد وصل إلى 60 زيجة”. 

هكذا إذاً، يدهس الفقر ربيع قاصرات ظنّ ذويهن أن بالتزويج حلاًّ للعوز، فيما تغفو كل ليلة عشرات الفتيات على أسرّة “وحوشٍ”… باسم التزويج.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

ضحايا تزويج الطفلات

أترك تعليق

مقالات
صدر مؤخراً عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة و منظمة الصحة العالمية دليل إرشاد فني عالمي؛ وفق وصف المنظمتان الأمميتان للدليل. تحسين جمع البيانات الإدارية بشأن العنف ضد المرأة واستخدامها: الإرشاد الفني العالمي Improving the collection and use of administrative data on vilence against women: ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015