لن يكون حديثي عن النسوية يوماً سخيفاً
الحديث عن النسوية ليس سخيفاً!

أليس سبع/ Raseef22- لسنا دائماً من نختار معاركنا. هناك معارك يجرّنا إليها المجتمع من دون موافقة منّا، فإمّا أن نُهزم في الجولات الأولى ونعترف بسلطة الفائز علينا، أو أن نتمادى في المراحل المتقدمة في اختيار الانسحاب بحنكة من المعركة.

يبدو حديثي عن النسوية، كفتاة من عائلة منفتحة (إلى درجةٍ ما)، ومقيمة منذ أعوام في ألمانيا، حديثاً سخيفاً يمكن مواجهته بسؤال بسيط: “شو ناقصك؟”، أو بعبارة استفزازية من أحد الذكور: “آخدين حقكن أكتر منا”، في حين لا أزال إلى اليوم أحاول اكتشاف نفسي وقدراتي بعيداً عن الضغط الاجتماعي والصور النمطية، وأواجه باستمرار نظرات وتصرفات ذكوريةً متخفّيةً بأقنعة التحضر والتباهي بالـOpen-minded الزائفة ضمن المجتمعات العربية المغتربة، ولست أجهل تماماً، بالرغم من ضعف ذاكرتي، ذكريات طفولتي ومراهقتي التي آلت بي إلى ضمر جانب من شخصيتي ونحت كياني الداخلي بصورةٍ تلائم ما ينتظره مني المجتمع.

في المرحلة الإبتدائية، التصقت بي لسنوات صفة الـ”مصبينة” (أي التي فيها صفات الصبيان)، بين أصدقائي في المدرسة، إذ لم تكن شخصيتي وتصرفاتي تبلغان المستوى المطلوب لوصفي بالـ”بنت”، ولطالما تلقيت تعليقات مثل “لا ترفعي صوتك أنتِ بنت، ولا تركضي ورا الشباب أنتِ بنت، وكوني أهدى، ولا تردي جواب…”، وقد شكّلت تعليقات كهذه تعريفي للأنوثة الصحيحة على مدى طويل. مع تطور وعيي بذاتي تبدلت ردود أفعالي على تلك العبارات والأوصاف، فبينما كانت صفة “مصبينة”، بما تحمله ضمنيّاً من هيئة القوة والقدرة على الدفاع عن النفس، تشعرني بالكثير من الرضا غالباً، وبالقليل من الانزعاج حين تُلقى عليّ من أحد الشبّان الملفتين بالنسبة إلي، تحولت في مرحلة لاحقة لتكون مثيرةً للغضب وشائنةً.

لماذا ترتبط القوة بالذكورة؟

 يُعدّ لقب “أخت رجال” نوعاً من المديح الذي تتلقاه النساء القويّات والمسؤولات، أي أنّه في الحالات التي يتم منحنا فيها الحق في أن نكون قويّات، تُزال منّا مباشرةً لسبب ما أنوثتنا، وكثيراً ما يستنكر البعض تصرفاتي وأحاديثي بقولهم: “شكلك cute ما مبيّن عليكِ”، وكأن مظهري الأنثوي مرتبط بالضعف والدلع الدائمين، واهتمامي بملابسي وتسريحة شعري تحدّ في نظر الآخرين من مجال اهتماماتي الأخرى، والأمور التي يمكنني مناقشتها والخوض فيها. أعترف بأنّي سبق واستخدمت ألقاباً مشابهةً للتعبير عن إعجابي بشخصية إحداهن، بالرغم من رفضي التام لربط القوة بالذكورة، وقلة الرجال وكثرة النساء في حياتي الذين/ اللواتي تناسبهم/ نّ حقاً صفات القوة، إلّا أن هذا لم يمنعني من التورط في استخدام مفردات خطأ اعتدت سماعها منذ طفولتي، وما جعل أيضاً أمهاتنا متورطات في خلق نسخ متكررة من البنات تطابق توقعات المجتمع، فكيف لنا أن نحطّم هذه الحلقة إن لم نكرر بشكل يومي الحديث عنها؟

تقضي معظم الفتيات في مجتمعاتنا حيواتهن في محاولة تحقيق الصورة الخارجية المناسبة لتكنّ زوجات وأمهات لائقات، لإنجاز المهمة الأساسية الأسمى للمرأة في نظر المجتمع. ملاحقة قطار الزواج فكرة تزرعها أمهاتنا في عقولنا، قصداً أو من دون قصد، في عمر يسبق إدراكنا لذواتنا واهتماماتنا الفردية في الحياة، ودائماً ما نكون نحن النساء في قصص الزواج كأحجار عاجزة في لعبة النرد، يتم تحريكنا بأيادٍ أخرى، وكلما حققنا شروط الطاعة كلما ازدادت الأيادي المطالبة بنا، وأكاد أجزم أن جميع الفتيات العربيات قد صُرفن عن بعض السلوكيات بعبارات مشابهة، مثل “إذا ضليتي هيك ما حدا بياخدك (بيتزوجك)”، من دون أن ترافق تلك التهديدات تبريراً منطقياً مرتبطاً بالسلوك بحد ذاته، وكأن لا حاجة لنا إلى التساؤل عن الأسباب ما دام المجتمع قد أصدر الحكم بدلاً منّا.

ماذا إن تبيّن أنّ لرأيي شيئاً من الأهمية؟

 لا أريد أن أكبر لأبدو نسخةً جديدةً من صياغة المجتمع، ولا أريد أن تصقلني تجارب الآخرين ورغباتهم، ومن حقي أن أمتلك خياراتي المختلفة في ما بتعلق بجسدي ومستقبلي، فالزواج ليس تحصيل حاصل في حياة أي فتاة، والإنجاب ليس دائماً أسمى ما يمكن للأنثى إنجازه، ومن حقي أن أبدو قويةً وعنيدةً ومتقلبةً من دون أن أفقد أنوثتي، وأن أعيد تعريف نفسي في مراحل عمرية مختلفة من دون الرضوخ لمعايير محددة وتوقعات مسبقة، وأن أكون طرفاً في أي علاقة، يقبل أو يرفض، لا حجراً يُؤخذ أو يُترك.

ربما يرى البعض أنه لا زال أمامنا الكثير لنلتفت إلى تفاصيل يومية كهذه، إذ ما أهمية الألقاب والصور النمطية في حياة النساء اللواتي يتعرضن للضرب والقتل، ويُحرمن من التعليم وممارسة جميع أشكال الحياة؟ لكن الحديث عن حقوق النساء لا يمكن تجزئته إلى تفاصيل صغيرة وقضايا كبيرة، لأن الأفعال المتوحشة ضد المرأة ليست إلا نتيجة لتراكم مفاهيم اجتماعية تهينها وتحدّ من مكانتها، فتصوير المرأة على أنها كائن ضعيف وخاضع، وتربيتها بعقلية تجعلها غير قادرة على رفع رأسها والتطلع إلى حياة مستقلة، تمنح الحق للرجال مجتمعياً بفرض سيطرتهم بجميع الأشكال، بدءاً من اختيار الألقاب وصولاً إلى القتل.

كنت سابقاً أرفع صوتي بحدّة في كل مرة يتم تجاهلي فيها لكوني فتاةً، وأحاول إثبات نفسي واستحقاقي لإبداء رأيي واتخاذ القرارات، وأنفعل حين يُحكم عليّ بصفات منمّطة للأنثى لا تشبهني. خطيئة المجتمع ليست فقط في ما يفرضه عليّ من الخارج في العشرينات من عمري، إنمّا أيضاً في الأنماط الجامدة والمغلوطة التي حُقن رأسي بها منذ الطفولة. احتجت زمناً طويلاً لأختار معاركي في الحياة، وزمناً إضافيّاً لإدراك أنّي كنت أحارب على الجانب الخطأ، أحارب رغباتي وعفويتي بدلاً من محاربة ما يفرضه المجتمع، وأدركت أن بعض المعارك في الحياة، وخاصةً تلك الموجهة ضد مجتمعاتٍ بالية، لا تستحق أن نبذل أنفسنا فيها.

الحديث عن النسوية ليس سخيفاً!

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
كيف تتعامل الأماكن العامة مع أجساد النساء؟ وكيف يُعاد إنتاج الجندر والهوية الجندرية من خلال المكان؟ وكيف يُعاد خلق الثنائيات وتطهير ممارسات الأفراد من خلال الفصل والجمع والتقريب والمباعدة بين أجسادهم المختلفة؟ تقدّم الباحثة والمخطّطة المدينية جنى نخّال قراءة نسويّة لإنتاج المكان في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015