ألم الهجرة والنزوح واللجوء تتجاوزه طفلة سورية بكتابة الشعر
أمينة أبو كرش (16 عاماً)

UN News- “سوريا هي رائحة القهوة التي كانت تتناولها جدتي قرب شجرة الياسمين على صوت فيروز. هي استيقاظي في الصباح الباكر  مع إخوتي لنذهب مع أولاد الجيران إلى المدرسة. أريد أن يعرف الجميع كيف كانت سوريا”. أمينة أبو كرش (16 عاما) غادرت سوريا مع أسرتها عندما كانت طفلة، وفيما انشغلت الأسرة بواقعها المرير ونضالها من أجل البقاء والعيش حياة كريمة، بحثت أمينة عن وسيلة لتعبر بها عن نفسها وبدأت توثق مشاعرها وذكرياتها وآلامها وطموحاتها.

ملكة الكتابة بدأت تظهر عند أمينة التي تعيش الآن في المملكة المتحدة أثناء رحلة الهجرة.

وضمن فعالية افتراضية عقدتها الأمم المتحدة في شباط فبراير بعنوان “الطفولة بعد الجرائم الفظيعة: أين الأمل في السلام والكرامة والمساواة؟”عُرضت قصيدة أمينة “في رثاء سوريا” التي نالت على جائزة “بيتجيمان” البريطانية عام 2017 . بحثت هذه الفعالية في أساليب دعم الأطفال الذين نجوا من الهولوكوست، ونظرت في كيفية مساهمة هذه الأساليب في النماذج المعتمدة للممارسات المعاصرة للعمل مع الشباب الصغار الذين نجوا من الجرائم.

اتصلنا بأمينة أبو كرش عبر تقنية التواصل عن بُعد لنتعرف أكثر على تجربتها ونصيحتها للأطفال واليافعين الذين قد يعانون من ظروف مشابهة.

أخبار الأمم المتحدة: مرحبا بك أمينة. حدثينا أكثر عن نفسك. من أي منطقة من سوريا أنتِ؟ كم كان عمرك عندما غادرتِ سوريا؟.

أمينة أبو كرش: أنا من سوريا، عشت في داريّا، تركنا سوريا أواخر عام 2012، وكان عمري بين 7 و8 أعوام. بسبب عدم الاستقرار تنقلنا لمدة عامين من مكان لمكان وكنا نشعر بالخوف والتوتر، لا ندري ما الذي ينتظرنا يوم غد.

هذا ما جعلني أتوقف عن التعليم لفترة، أنا وأشقائي، وعندما توجهنا إلى مصر شعرنا بأن رحلتنا بدأت هنا، ابتعدنا عن الأهل والأصحاب والجيران وعن العادات التي اعتدنا عليها. ارتدتُ مدرسة شعبية في مصر، لأن الحالة المادية لم تسمح لنا بدخول مدرسة خاصة، ولذلك شعرت أن التأسيس لم يكن جيدا، فقد كان عدد الطلاب 90 في الصف الدراسي الواحد وهذا كان يؤثر بي كثيرا. كنت أتذكر كيف كانت مدرستي القديمة، وأصدقائي.

كان الطلاب في المدرسة في مصر لديهم أصدقاء وأنا بالنسبة لي لم أعتد على أحد منهم لأن اللهجة جديدة والأشخاص جدد وكانت دنيا جديدة، هناك بدأت أعي ذلك. بدأت أشعر بالشوق وبالعذاب، أنني بعيدة عن بلدي وعن أحبائي وعائلتي. بدأت أكتب ما أتذكره، ما كانت عليه حياتي في السابق، وكيف تغيّرت. بدأت بالكتابة، لكنني كنت أخفيها ولا أشاركها مع أحد. كنت أحتفظ بها لنفسي، ما كنت أريد أن أقول لأحد عمّا أتذكره أو ما يتسبب بضيق لي. على الرغم من أن لغتي العربية لم تكن جيّدة بسبب عدم التأسيس الجيد منذ البداية.

أخبار الأمم المتحدة: أمينة أنتِ برعتِ بالشعر. وحصلت على جائزة “بيتجيمان” البريطانية لقاء قصيدك “في رثاء لسوريا” باللغة الإنجليزية عام 2017. ماذا كتبتِ عن سوريا؟ ما الذي تتذكرينه وقد غادرتيها بعمر صغير؟

أمينة أبو كرش: أواخر عام 2016 رحلنا إلى المملكة المتحدة. هنا شعرتُ أننا نبتعد أكثر فأكثر. كنا نبتعد كل يوم. كان الأمل أن نعود إلى سوريا بعد شهر عندما كنا في مصر، ولكن ساءت الأوضاع ولم يكتب لنا الله العودة.

عندما توجهنا عام 2016 إلى المملكة المتحدة ارتدتُ مدرسة الحمد لله، بعد عذاب بسبب اللغة والحياة المختلفة تماما عن البلدان العربية، من عادات ولغة وأشخاص، من كل الجوانب. في الصف الثامن درستُ اللغة الإنجليزية.

استغرقني الأمر نحو عام، إذ لم أكن أتحدث اللغة الإنجليزية أبدا. أثناء الدراسة، كنا ننضوي تحت ما يُسمّى باللاجئين، في المدرسة، وحتى نعبّر عن كل ما يجول في خاطرنا، وكي لا نشعر بأننا غرباء أو أننا بعيدون عن مجتمعهم فأرادوا أن نتحدث عن كل ما يجول في خاطرنا، وألا يبقى الحزن داخليا على اعتبار أن ذلك سيساعدنا.

بدأنا بدورات لكتابة الشعر، واستعانوا بشعراء عرب، كانوا يقولون لنا “اكتبوا، أي شيء يصدر عنكم ضعوه على ورق، أي أمر تفكرون به سواء كان أمرا جيدا أو سيئا، اكتبوا كل ما تتذكرونه”. هنا شعرتُ أن الفرصة سنحت لأخرِج كل ما كنت قد كتبته. كانت البداية عبارة عن نقاط ثمّ طرأ تحسّن على الكتابة. بعض الشعراء كانوا من العراق وبعضهم من المغرب وكانوا يقدمون لنا المساعدة حتى نحسّن من أنفسنا.

في البداية كنت فقط أكتب، وبعدها أصبحت أحوّل الكتابة إلى شعر. تعلمت كيفية تحويل الكتابة إلى أبيات شعر، وكيفية الإلقاء. حتى الآن أعاني من بعض المشاكل في القراءة أو بالمفردات، ولذلك يساعدني والدي في هذا الأمر.

بعد عام تقريبا، اشتركتُ في “مسابقة بيتجيمان” البريطانية على أمل الفوز وإيصال صوتي وإيصال ما كتبته. كنت سعيدة جدا بهذا الأمر. عندما دخلتُ المسابقة شعرت بتوتر شديد، لم أعرف كيف سأعرض كتابتي، لا أتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، فبدأنا بترجمة ما كتبته للغة الإنجليزية، وبعد ذلك واصلتُ الكتابة بالإنجليزية. عندما دخلتُ المسابقة ونجحت كان شعوري لا يوصف وشعرت أنني أنجزت وفعلت شيئا ساعدني على إخراج كل ما في داخلي.

كتبتُ عن قصيدتي وكل ما كنتُ أتذكره من ذكريات: كيف كنّا نستيقظ صباحا، وقهوة الصباح، كانت جدتي تستيقظ كل صباح تحتسي القهوة بجانب شجرة الياسمين على صوت فيروز، وتنادي الجيران. أتذكر كيف كنت أستيقظ صباحا مع إخوتي ونذهب مع أولاد الجيران إلى المدرسة. أثناء سيرنا نرى صبيا يدخن وعندما يرى والده أو شقيقه الأكبر يخفي السيجارة. كل ذلك لا يزال عالقا في ذاكرتي، وفجأة تغيّرت حياتي وانقلبت رأسا على عقب وأصبحت باللون الأبيض والأسود منذ أن غادرتُ سوريا.

أكتب لأقول إنني أريد أن يعم وطني الحب والسلام وأن يكون خاليا من الحروب. عندما شاركتُ في المسابقة لأقدم شعري، كنت أقف وأنا ألقي الشعر وأشعر أن الدمعة عالقة في مقلتي وأشعر أنني سأبكي ولكنني تماسكت. وكلما كنت ألقي الكلمات أرى الذكريات أمامي تماما كعرض فيلم، وأتذكر جميع تلك المواقف.

عندما أعلنوا اسم الفائز، وأعلنوا فوزي، شعوري كان لا يوصف. لم أشعر أنه إنجاز لي وحدي، كنت أشعر أنني أوصل شعور كل الأطفال السوريين. وهذا فخر لي ولسوريا. بعد هذه المسابقة شاركت في مسابقات أخرى، وتجاوزت المرحلة والآن أكتب كل شيء بالإنجليزية ووالدي كان يساعدني دوما، وخاصة في المصطلحات والمفردات لأنني لا أعرف كثيرا من الأشياء. أشعر أنني أوصل الفكرة باللغة الإنجليزية بطريقة أبسط.

أنا أدرس حالياً الأحياء وعلم النفس والفنون. ومنذ صغري وأنا أرغب في أن أدرس الطب، وآمل أن يتحقق هذا الأمر وأصبح طبيبة أسنان، هذه هي أمنيتي. لم أعد أخشى من شيء أو أشعر بالتوتر، أتذكر بالفعل تلك الذكريات وأتألم، ولكن على أمل تحسّن الوضع، وفي نهاية المطاف أي حرب ستنتهي بسلام، منذ بدء الخليقة والحروب مستمرة ولكن جميع الحروب انتهت وعمّ السلام، وإن شاء الله ستعود سوريا مثلما كانت – بل أفضل.

أخبار الأمم المتحدة: ما الرسالة التي أردتِ إيصالها للجماهير باللغة الإنجليزية عن سوريا عبر شعرك؟

أمينة أبو كرش: أكثر شيء أردت إيصاله هو الذكريات. أريد أن أخبرهم كيف كانت سوريا، لا أريد أن تكون الفكرة عن سوريا هي فقط الحرب أو أن يرسموا في عقولهم صورة لسوريا باللونين الأبيض والأسود، أريد أن أعطيهم صورة عن سوريا بألوانها ورائحتها وشكلها. عن سكان سوريا وعاداتنا وما تربينا عليه وما أتذكره عن سوريا. هذا ما كنت أود إيصاله.

اللغة العربية قوية جدا وثقيلة، وعند الترجمة للإنجليزية أحيانا تكون الكلمات مبسطة ويكون إيصال الفكرة مختلفا عمّا تريدينه، فعند الكتابة مباشرة بالإنجليزية ستصل الفكرة بشكل أفضل وسأخبرهم عن سوريا كيف كانت وكيف أصبحت. شعرت أن الفكرة وصلت للكثيرين، أن يكون هناك سلام دائم وحب بعيدا عن الكراهية والحروب. شعرت أنني نجحت بهذا الأمر، وأوصلت هذا الإحساس لهم: رسم صورة عن سوريا كيف كانت وكيف أصبحت.

أخبار الأمم المتحدة: أمينة استطعتِ التعامل مع محنة الحرب واللجوء عبر كتابة الشعر. بعد عشر سنوات على الحرب في سوريا ما الذي تقولينه للأطفال اليوم كيف يمكن تجاوز المحنة؟

أمينة أبو كرش: بشكل عام، داخل كل طفل يوجد حلم وأمل يحب أن يوصله لكنّ الحروب والضغوط التي يتعرّضون لها تجعلهم غير قادرين على ذلك. يجب أن تتوفر الأدوات لديهم، مثل التعليم. يوجد شيء داخلهم ولا يستطيعون إيصاله ويشعرون بأن حلمهم بعيد جداً.

أود أن أقول للأطفال بشكل عام وللأطفال السوريين في المخيمات إنه إذا كانت وسائل التعليم متاحة بالمخيمات، أتمنى أن يوصلوا أصواتهم بالكتابة، لأن القلم هو سلاحهم الوحيد، إيصال كل ما يدور في خلجاتهم، وكتابة كل ما يشعرون به على الورق. لأن هذا الأمر سيجعلهم يشعرون بالراحة. هم يعيشون بقلق وعذاب، بعضهم يقول لنفسه “سأموت غدا”، ويخافون من الغد. يجب أن يخرجوا ما بداخلهم حتى يشعروا بالارتياح.

مهما كانت الموهبة، وحتى لو كان الطفل يشعر مع نفسه أنها موهبة سخيفة، أو لا تؤخذ على محمل الجد، يجب عليه إخراجها. لأن هذه الموهبة سواء كانت الرسم أو غيره، ستساهم في بناء المستقبل فيما بعد، إنها تخفي وراءها حلما يمكن تحقيقه فيما بعد.

أنا كنت أشعر بضيق داخلي شديد، لا أحد يصغي إليّ، لم يكن هناك وقت للدراسة وكتابة الشعر، وكان أهلي منهمكين بضغوط الحياة والتنقلات ضمن الأزمة، ولا أحد يشعر بما كنت أشعر به من عذاب لمدة سنتين في سوريا، وتنقّل من مكان لآخر، كل ذلك محفور في الذاكرة، وحتى الآن أتذكر مواقف صعبة جدا جعلتنا نخاف من الغد.

أمينة أبو كرش (16 عاماً)

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
wilpf- إن التحديات والمعاناة التي تواجه النساء السوريات منذ اندلاع النزاع قبل عقد من الزمن باتت واضحة وضوح الشمس. لقد فقدت النساء بشكل مطرد الأمن والسكن وسبل العيش وأفراد من أسرهن ومكانتهن الاجتماعية، بالإضافة إلى تعرضهن للعنف الأسري والتحرش الجنسي والتمييز المؤسسي الممنهج في كل جانب ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015