تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية » اللجوءُ والتحرّرُ القائمُ على الفقدان
اللجوءُ والتحرّرُ القائمُ على الفقدان
المرأة

مقاربةٌ لواقع السوريّات على هامش اختلافِ البيئة والذهنيّة

في سوريا اليوم نساءٌ يمتْنَ، ونساءٌ يحلّلن صورةَ الموت؛ نساءٌ يُفقَدنَ ويَفقِدْنَ، ونساءٌ يحصين أعدادَ المفقودين والمفقودات؛ نساءٌ يعانين خبثَ السياسة قصفًا ودمارًا، ونساءٌ يطالبن عنهنّ وعن الثكالى والمحزونات باختراق صفوفِ السياسيّين وبالجلوس على مقاعدِ صناعة القرار.مرّت أغلبُ المجتمعات المتحضّرة بما تمرُّ به مجتمعاتُنا اليوم في ما يتعلّق بمكانة المرأة أمام الرجل، ودرجة مساواتها به على مستويات الحياة المختلفة. وتجاوزًا لعرضٍ تاريخيٍّ لا حاجةَ له في هذا المقام، وسعيًا لاستشفافِ نقاط عبورِ السوريّات من اللاجئات إلى ما بلغتْه النساءُ في الدول الوِجْهة، وتسليطِ الضوء على بؤرِ التحدّي والتعثّر أمامهنَّ نعرض الآتي:

المساواة بين السوريّات معادلةٌ مستحيلة

حين السؤال عن وضع المرأة السوريّة في تجربة النزوح أو اللجوء ،نجد أنفسَنا نصحّح السؤال؛ فللمرأة السوريّة أنماط، ومن الظلم لمُّها في إطار واحد، ولعلّ تجربة اللجوء ظهّرت الصورةَ بشكلٍ جليّ. فحين اضطرّت الظروفُ الحاليّة العديدَ من السوريّين إلى النزوح أو اللجوء، كنّا أمام مشهديْن بالغَي الوضوح: الأوّل يتجلّى في أنّ المرأة لم تملك الخيارَ في وجهتها المفروضة عليها، وذلك من باب الانصياع إلى رغبة ربِّ الأسرة إنْ وُجد، أو بداعي الهرب من الاغتصاب أو الزواج القسريّ أو جريمة الشرف؛ والثاني يتجلّى في عدم امتلاكِ الكثيرات خيارَهنَّ أمام رغبةِ الرجل في البقاء في سوريا تحت خطر الموت، أو عدم القدرة على السفر حالَ غيابِ الرجل وتعذّر الإمكانيّة. ناهيكم بما تشهده الحدودُ من مواقفَ يوميّةٍ تختصر حيواتِ السوريّات في لحظاتٍ من العذاب والانتظار والخذلان. وفي المقابل، تستطيع الناشطاتُ والمثقفات وبنات الأسر الكبيرة البقاءَ في سوريا، أو المغادرة في ظروفٍ أقرب إلى رفاهيتهنّ الماديّة أو الفكريّة، فلا نجدُ إحداهنّ في مخيّمٍ أو قاربِ لجوءٍ يعْبرُ مياهَ المتوسّط باحتمالات موتٍ لحظيّة.

نحن نرى اليوم الكثيراتِ من سيّدات المجتمع ونساءِ الصفّ الأوّل في العمل المدنيّ، لكنّنا لا نعرفُ الكثيرَ  عن نساءٍ بلغن شأوًا بعيدًا يوم سُمِحَ لهنَّ بارتياد صفوفِ محو الأميّة! الأوليات يدافعن عن حقوق النساءِ اللواتي يقفن خارج الصفوف، لكنّ المجموعتين في الواقع لا تلتقيان ولو في مأتم، إذ يَصعب على كلٍّ منها الهبوطُ أو الصعودُ إلّا في استثناءاتٍ قليلة.

ولا نحاولُ هنا عكسَ صراعٍ طبقيٍّ دفينٍ بين السوريّات، بقدر ما نسعى إلى قول ما يتمُّ تجاوزُ قوله من قبل الريادةِ “النسويّة” في مناسباتٍ ينصفها وصفُ “الخجِلة”، تحقّق أغلبُها بعد بداية الأحداث في آذار 2011. وبالنظر إلى ما ساقته السنواتُ الخمسُ الأخيرة على المرأة السوريّة، نجدها من أبرزِ الخاسرين، المجبرين على طمس الخسارة أحيانًا تجنّبًا لخساراتٍ أفدح. ففي سوريا اليوم نساءٌ يمتْنَ، ونساءٌ يحلّلن صورةَ الموت؛ نساءٌ يُفقَدنَ ويَفقِدْنَ، ونساءٌ يحصين أعدادَ المفقودين والمفقودات؛ نساءٌ يعانين خبثَ السياسة قصفًا ودمارًا، ونساءٌ يطالبن عنهنّ وعن الثكالى والمحزونات باختراق صفوفِ السياسيّين وبالجلوس على مقاعدِ صناعة القرار.

باختصار، لقد نزحتْ نساءُ الطبقة الأشدِّ فقرًا والأقلِّ تعليمًا؛ أمّا اللجوءُ الاختياريُّ فكان من حظّ العائلات الميسورة نسبيًّا، والسيداتِ المتمتّعات بهامشٍ واسعٍ من الحريّة، أو الوحيدات الهاربات من الاعتقال أو احتمالاته.

علاقةُ السوريّات بالمنزل: من الحلم إلى الخيم والسكن الجماعيّ

تتفرّد أمّهاتُنا بعلاقةٍ خاصّةٍ بالمنزل، نتوارثُها باللاشعور، ونرتبطُ بها (إناثًا وذكورًا) بفعل عواملَ عديدة: تبدأ من غرق الأنثى في اختيار أدقِّ تفاصيل الأثاث، وصولًا إلى مذاق طعامِ الأمهات الذي يشدّنا باستمرارٍ إلى تلك البقع المعروفة بـــ”مسقط الرأس”؛ فترانا نحنُّ إليها ونلهجُ بصغائر محتوياتها ونحملُ صورًا دقيقةً لها في ذواكرنا، لا يمحوها تعبٌ ولا تغيّبها مسافات.

وإذ تقضي النساءُ سنواتٍ في جمع الأثاث وانتقائه والتنافسِ مع القريبات والصديقات بخصوصه، تأتي تجربةُ النزوح صادمةً ومؤلمةً، تفرضُ علينا نحن النساءَ اختصارَ منازلنا في أكياسٍ صغيرة، تحيلنا على المفاضلة بين ذكرياتنا وانتقاءِ ما نحمله معنا وفقَ أهمّها. لذاكرة الأنثى أن تستيقظَ لحظةَ الرحيل بكلِّ طاقتها وشدّتها، ولقلبها الذي ما اعتاد التنازلَ إلّا عن الكؤوسِ والملاءات أن يتنازلَ لحظتها عن مكوّناتِ هذا العالم الذي ظنّت أنّه لن يدهمَها فيه أحد.

ومن انتقال إلى آخر تعود حياةُ النساء بدائيّةً باردةً قلقةً، هذا إذا اقتصر الانتقالُ على مناطق داخل حدود الوطن. وتتحوّلُ جدرانُ الخيمة إلى كلِّ أشكال التضاريس، تفصل بين الأنثى وصورتها، بينها وبين أبسطِ عوالمها.

لقد غادرت الكثيراتُ سوريا، وكانت هواجسُ بعضهنّ، حتى من المثقّفات، أثوابَها المطيّبةَ التي قد يجرؤ مسلّحٌ ما على “الفرجة” عليها، وشمِّ آثار العطر فيها إذا ما اقتحم منزلها. هي تفاصيلُ تغصُّ بها النساءُ من دون القدرة على البوح بها، نظرًا لأنها لا تشكّلُ أولويّةً، بل لأنّه قد يكون من المعيب أو السخيف ذكرُها.

تبقى النقطةُ الأهمّ في حياة الأسرة السوريّة، وهي “الخصوصيّة” التي تفرضها أولويّاتٌ كالعيب والشريعةِ وحرمةِ النساء عند سواد السوريّين. وهذا ما تفتقده الأُسَرُ في النزوح داخل سوريا، وفي المراحل الأولى من اللجوء إلى البلدان الأوروبيّة على وجه الخصوص، حيث تنتفي خصوصيّةُ الأسر حتى الحصولِ على الإقامة أيًّا كانت صيغتها.

تجربةُ الوحدة وتداعياتها

حتى اجتياز الحدود السوريّة، شكّل موضوعُ مغادرة المرأة وحيدةً تحدّيًا كبيرًا لها ولأسرتها في كثيرٍ من الحالات. لكنْ مع بلوغ أراضي البلدِ المضيف، تحوّل هذا الموضوعُ إلى فضاءٍ جديدٍ لتحديد الأولويّات وترتيبها من وجهة نظرٍ شخصيّةٍ وحرّةٍ، وذلك للمرّة الأولى في حياة العديدِ من الشابّات السوريّاتِ اللواتي قصدن بلدانًا كلبنان وتركيا.

ومعروفٌ أنَّ حياةَ المرأة الوحيدة داخلَ سوريا أمرٌ مستهجَنٌ ونادرٌ، لكنّه بات واقعًا في السنوات الثلاث الأخيرة في دول الجوار، وكان سببًا في ظهور العديد من النساء تحت الضوء، في مؤشّرٍ على طاقاتٍ كبيرةٍ كامنةٍ أخرجتها الظروفُ ووجّهتْها ــــ ولو بعشوائيّةٍ في بداية الأمر ــــ ونراها تتحوّلُ اليومَ إلى إنجازاتٍ لافتة.

ربطُ التحرّر بالفقد

لا ينطبق ما سلف ذكرُه على كلّ السوريّات من النازحات واللاجئات؛ فقد تترافقُ تجربةُ اللجوء مع مساحةٍ مفتوحةٍ من الحريّة الشخصيّة للعازبة أو للأمّ الشابّة أو المسنّة. لكنّه تحرّرٌ مرتبطٌ في نسبته الأعلى بالفقدان، الذي يبدأ من البيئةِ الأصل والمكان، مرورًا بالمحيط،ووصولًا إلى الإطار الأضيق المتمثّلِ في أفراد الأسرة من الذكور الذين تشكّلُ رقابتُهم وتملّكُهم حاجزًا أمام حريّات النساء يزول بغيابهم (فقدانهم).

واقعُ اللجوء يتيح للسوريّات هامشًا من الحريّة، ثمنه مدفوعٌ سلفًا بالتحلّل من العلاقات الأسريّة، على ما نجد في حالاتِ الكثير من المعتقلاتِ الهاربات ــ بعد إطلاق سراحهنَّ ــ إلى عالمٍ لا جرائمَ شرفٍ فيه، ولا نظراتِ احتقارٍ أو نظراتٍ مشبوهةً مليئةً بالأسئلة لمجرّد أنّها كانت معتقلةً أو بسبب فقدان “وليِّ الأمر.”

تواجه السوريّاتُ كذلك تحديّاتٍ تتعلّقُ بآليّات التواصل مع البيئة الجديدة، وعلى رأسها اللغةُ. وفيما تجد المتعلّمات، المتقدّماتُ نسبيًّا في السنّ، صعوبةً في العودة إلى مقاعد الدراسة وتعلّمِ لغةٍ لبدء حياةٍ جديدة، يتراوح الأمرُ لدى بعض الأميّات بين الاستحالةِ والحلمِ الذي آنَ أوانُ تحقيقه. يضاف إلى ذلك تحدّي قبول الثقافةِ الجديدة، بكلِّ ما تحتويه من اختلافات عمّا نشأتْ عليه المرأةُ السوريّةُ، أيًّا كانت خلفيّتُها الفكريّةُ أو الدينيّة.

القوانين الأوروبيّة وتفاعلُ السوريّات معها

تتراوح الفترةُ التي انقضت على لجوء بعض الأسر السوريّة إلى دولٍ أوروبيّةٍ مختلفةٍ بين أيّامٍ معدودةٍ وثلاث سنوات. خلال هذا الوقت، خبرت الكثيراتُ تفاصيلَ القوانين الأوروبيّة في ما يخصُّ المساواة بين الجنسيْن، ومدى الحريّاتِ المتاحة للمرأة، وعلى رأس هذه الحرّيّات تأتي الحريّةُ الاجتماعيّة، ولا سيّما الحصولُ على الطلاق. فالمرأة التي تردّدتْ في سوريا ـــــــــــــــ مهما كانت ظروفُ حياتها صعبةً ـــــــــــــــــ في السعي إلى نيل الطلاق، إنّما خافت من “كلام الناس،” أو من تراجع مكانتها في عائلتها، والأهمّ أنّها خافت من واقعٍ اقتصاديٍّ سيّئ قد تخضعُ له في حال طلاقِها وخسارتها المعيلَ لها ولأطفالها. كلُّ ما سبق من عوائقَ لم يعد موجودًا أمامَ المرأةِ السوريّة اللاجئة، وصار عليها أن تتأقلم مع الثقافة المختلفة التي تُبقي على قيمة المرأة أيًّا كان وضعُها الاجتماعيّ، ومع فكرة دعمها بالضمانات الاقتصاديّة التي تؤمّن لها ولأولادها مرتّبًا شهريًّا حتّى تتمكّنَ من الحصول على عمل. إذًا، لم يعد هنالك من مبرّر للصبر على حياة زوجيّةٍ فاشلة، واتّخذ عددٌ من السوريّات قرار الانفصال بمجرّدِ بلوغ وجهةِ اللجوء.

النقطة الأخرى اللافتة في واقع اللاجئين السوريّين، إلى أوروبا بشكلٍ خاصّ، هي اختلافُ أنماطِ التربية والتعامل مع الطفل. فقد تردّدت أنباءٌ عن إقدامِ مسؤولين، من بلديّاتِ بعض المدن المضيفةِ للاجئين السوريّين، على سحب أطفالِ بعض الأسر  إلى دُور رعاية، نتيجةً لما يعتبرونه سوءَ معاملةٍ للطفل، وتحديدًا: الضرب الشائع في مجتمعنا السوريّ، الذي يُعتبر جزءًا “طبيعيًّا” من العمليّة التأديبيّة عند الكثير من الأسَر! هذه الإجراءات والقوانين التي تحمي الفرد تمثّلُ فضاءً لانعتاق كثيرٍ من النساء، لكنّها في نظر بعض الرجال تفكّكُ الأسرةَ السوريّة وتخلق صدماتٍ يصعبُ عليهم تجاوزُها، ولاسيّما في حالات الطلاق وما ينتج عنها في الغرب من حرمان الرجل أطفاله؛ الأمرُ الذي أخاف رجالًا كثيرين من قرار اللجوء، ودفع بآخرين إلى السفر من دون أسرهم في المرحلة الأولى.

في الختام، يستحيلُ أن تُنتجَ كلُّ هذه التحوّلات نمطًا اجتماعيًّا وحياتيًّا مطابقًا لما سلف في حياة السوريّات، إذ ستصحو كلٌّ منهنّ على تحوّلاتٍ جذريّةٍ فيها، تعْبرُ ذهنيّتها ونمطَ تفكيرها. وقد يصل الأمرُ  بها إلى الانطلاق نحو مرحلةٍ أكثرَ  تقدّمًا من مجرّدِ “التكيّف” مع حياةٍ مختلفة، بل إلى صنع حياةٍ جديدةٍ تجمع فيها بين أصالةِ ما تحمله وطرافةِ ما اكتسبتْه، في رحلةِ شعبٍ قد تكون الأبرزَ في تاريخ البشريّةِ الحديث.

أترك تعليق

مقالات
جينا مسعود/ موقع (ولها وجوهٌ أخرى)- جاءت بداية الحَراك النسوي في سوريا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت البداية من خلال إقامة الصالونات الثقافية  وكتابة المقالات للمجلات والجرائد، وقد اقتصرت هذه المرحلة على نساء الطبقة العليا، وذلك لما توفر  لهن من مساحة للتثقف لم تكن ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015