تحرر المرأة اللبنانية وقائع عنيدة لأوهام التحرر
الحركة النسائية اللبنانية

هالة الحسن/ مجلة “سيدة سوريا”- حَفل تاريخ الحركة النسوية اللبنانية بكثير من المحطات والمواقف، وقد بُنيت قضايا تحررهن وسط قيود تاريخية ومجتمعية وثقافية ودينية، كانت ولا تزال تقف عائقاً أمام تقدم واقع المرأة اللبنانية وتحسين موقعها ووضعها الإنساني على كل الصُعد.

وربما كانت علة العلل، التي تعتور كفاح المرأة السياسي والمطلبي، تتركز في بنية النظام الطائفي اللبناني الذي أنتج مجموعة من القيم والمعايير السلبية، التي سمحت بتهميش دور المرأة بفعالية عامة، أو قطاعية على حد سواء، وجعل دورها القيادي بحكم الوراثة عن زوج أو أب، والأخطر في ماهية هذا النظام قدرته على تفتيت وحدة العمل النسوي والحؤول دون وحدتهن على أهداف وقضايا مشتركة، بالإضافة إلى آلية القوانين الانتخابية التي كان يجري تفصيلها وفق متطلبات قادة الطوائف وآليات سيطرة كل زعيم على طائفته.

لمحة تاريخية

لم يقف الوجود الاستعماري الفرنسي حائلا أمام انخراط المرأة اللبنانية المنتظم في الجمعيات والأحزاب السياسية، لكن هذا الحضور لم يتأسس ويتجذر إلا بعد الاستقلال، وفي العودة الى هذا التاريخ ظهرت على سبيل المثال لا الحصر، جمعية حقوق المرأة اللبنانية عام 1947، والتي عرّفت نفسها بصفتها منظمة نسائية ديموقراطية علمانية، والعمل فيها تطوعي، وقد وضعت الجمعية نصب عينيها العمل من أجل تحقيق المواطنة الكاملة، وصيانة استقلال لبنان وسيادته فضلاً عن تعزيز الديمقراطية والحريات العامة من خلال السعي لإيجاد مجتمع علماني لا طائفي، واستحداث قانون مدني عصري اختياري للأحوال الشخصية، وتوفير البيئة الاجتماعية والقيمية الثقافية لوصول المرأة إلى مواقع القرار السياسي، جنباً إلى جنب مع تطوير موقع المرأة في عملية الإنتاج وتحقيق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة.
لكن بزغ أمام هذه الجمعية ومثيلاتها الكثير من العوائق والموانع، في بيئة اجتماعية طائفية مقطّعة الأوصال، وميراث سياسي طائفي، عدا كونه تابعاً لمرجعيات إقليمية ودولية تفرض نفسها على موازين القوى، لصالح طبقة سياسية متجذرة المصالح بصورة أنانية، والبحث عن المكاسب والصفقات السريعة التي حتمتها بنية النظام الكومبرادوري – الخدمي التابع في لبنان، بعيداً عن أي مشروع استراتيجي تنموي ونهضوي.
وبالرغم من حصول المرأة اللبنانية على حق الترشح والانتخاب عام 1953 ودخول أول امرأة مجلس النواب، وهي (ميرنا البستاني)، ابنة النائب إميل البستاني عن منطقة الشوف، والثانية أرملة النائب أنطوان سعيد عن منطقة جبيل، إلا أن ما يُلحظ هو مدى سيادة منطق التوريث في مشاركة تلك الرائدات في العمل البرلماني.
أما (ليندا مطر)، رئيسة لجنة حقوق المرأة اللبنانية، فقد رأت أن النظام الطائفي هو سبب مصائبنا كلها، والسبب الرئيسي لغياب المرأة عن السياسة اللبنانية، وقالت: “النظام الطائفي يفرض أن ترضى الطائفة عن المرشح للانتخابات، وبالنسبة لكافة الطوائف فالمرأة ليست إنساناً كاملاً، وهي تفضّل أن يتولى العنصر الذكوري السيطرة”.
وقد لفتت مطر إلى أن المرأة اللبنانية، وبالرغم من كل نضالاتها خلال القرن الماضي، لم تتمكن بعد من تغيير القوانين المجحفة بحقها، مشيرة الى أن المرأة تُختصر لبنانياً بالأم والزوجة، أما العمل السياسي فهو للرجل.
كما لخّصت مطر العوائق التي تواجه وصول المراة إلى البرلمان بالتالي: النظام الطائفي المهترىء، أنظمة الانتخابات النيابية المتعاقبة، والافتقار الى وحدة الكلمة النسائية.

استقطاب 2005

انقسم المجتمع السياسي والحزبي والمدني في لبنان بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى كيانين سياسيين، عبَّرت عنهما قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، في تجاذب وتعاكس للاتجاهات السياسية، التي انعكست في ميدان المطالبات الحقيقية والمعيشية، وتكريس واقع انقسام سياسي، لم يكن فيه من طرف رابح، بل إن الخسارة فيه عادت على الجميع، وأمام ضعف الدولة التاريخي ووظائفها التقليدية بل ومؤسساتها، كان لا بد أن تنبري منظمات المجتمع المدني والأهلي للقيام بالأعباء التي تخلت عنها الدولة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لتغلغل المنظمات غير الحكومية (NGOS).
وفي اعتراف صريح لمدير إحدى تلك المنظمات في تقرير لمركز دعم لبنان لذي عقد في بيروت شهر ايلول2016 بأن نموذج الإدارة الحالي للمنظمات صار أشبه بنموذج إدارة الأعمال التجارية، أي البحث عن مصادر التمويل ثم العمل على تنفيذ المشروع. ومثل هذا الواقع هو ما يُجمع عليه أغلب كوادر 36 منظمة نسوية غير حكومية، وفق ما يشير إليه تقرير بعنوان “لمحة عامة عن الأطراف الفاعلة في مجال الجندر وتدخلاتها في لبنان”. وهذا ما أدخل الحركة النسوية في سياق جديد ومآزق جديدة تعمل على تقسيم الوحدة الداخلية للمجتمع، وإدخال مبدأ الاختصاص “الوهمي وغير الحقيقي” في عمل تلك المنظمات – بغض النظر عن النوايا الحسنة – وتكريس النضالات الجزئية، بمعزل عن فهم علاقة الجزئي بالكلي، في ميدان الممارسة الاجتماعية والسياسية، وموقع النساء الاجتماعي الفعلي فيه، بعيداً عن منطق الخصوصية الجنسية والجندرية.
وصار واقع المنظمات النسائية أمام نموذج معمّم لطريقة عمل معظم منظمات المجتمع المدني، حيث يقوم على معادلة التمويل ثم القضية، ما أدى إلى فبركة العديد من القضايا، والنظر إلى العديد من المشكلات ليس من جانبها البنيوي – الاجتماعي بل التقني والإداري المحض، الذي لا يُعنى بتناول القضايا من جذورها بل معالجة آثارها، ومقاربتها ثم ايجاد معالجات تتوافق ومنظور ومصالح الجهات الممولة. والمفارقة أن أغلب العاملات في تلك المنظمات التي تُعنى بقضايا المرأة وحقوقها ليس لديهن ضمان اجتماعي أو عقود عمل بل غياب نقابي في معظم الأحوال.
في أيلول 2016 تم تناول تلك الظاهرة في سلسلة من النقاشات التي تولاها مركز دعم لبنان، عبر لفت النظر إلى غياب مسألة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن برامج منظمات المجتمع المدني، وعدم ربط القضايا الجندرية بتلك الحقوق وما تفضي إليه من عدم المساس ببنية النظام السياسي والاقتصادي والقانوني. يتبدى ذلك جلياً في مقاربة قضية العنف الأسري التي يُفتقد فيها الربط مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالفقر والبطالة تولدان الجهل والضياع الشخصي، وسيادة الأمية التعليمية والتربوية، والعنف الممارس ضد النساء، وهو ما بلغ حدوداً غير متوقعة في السنوات القريبة الماضية.

وأمام ظاهرة السلاح المتفلّت، الذي أوقع الكثير من النساء ضحايا لأسباب لا تتعلق كما تذهب تفسيرات سوسيولوجية وجنائية ببُعد فردانيّ أحاديّ، بل إلى واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي متشنج، ولّدته آليات عمل السوق والاقتصاد، وآليات توزيع الثروة المهدَرة أصلاً، جنباً إلى جنب سيطرة أعراف وتقاليد كرّستها نظم طائفية وعشائرية. وتشرح المحامية “منال زعيتر”، وهي من المجتمع النسائي الديموقراطي، كيف تحولت المنظمات إلى مؤسسات لديها خطاب ضعيف، مع غياب للرؤية في قضايا النساء، ضمن المنظومة السياسية، معتبرة أنه يجب إعادة بناء حركات اجتماعية لمثل هذه المهمة الضرورية.

متى تتحد السلطة

لا يغيب عن البال كيف وقف الأضداد في الطبقة السياسية الحاكمة وِقفة رجل واحد، كما أشار (حازم الأمين)، في تعليق حاذق، عندما طرح قانون حماية المرأة من العنف الأسري، فضلاً عن الموقف من قانون الأحوال الشخصية، والصمت الحكومي على الدعاوى المتأتية من حزب الله وهو يحضّ على الزواج المبكر، والتي يشجع الحزب على تكريسه، في محاولة لسد النزيف البشري والشبابي، جراء تدخله في الحرب السورية.
وفي محاولة تطويق ردود أفعال جمهور نساء الحزب، الذي عبّر عن سخطه في مناسبات عديدة، وفي أماكن العزاء المنتشرة، لا يتوقف الأمر عند هذه الحدود بل يتعداها إلى انتشار قيم وممارسات لا تنسجم مع تاريخ الحريات العامة في لبنان، سواء في ما يتعلق بالحضّ على التحجب، عن طريق منشورات توزع في وسائل النقل أو على الجدران. وبرغم رفع التحفظ على عمل وتعليم الفتيات، فإن آليات عمل مؤسسات الحزب الإيديولوجية والمالية لا تتوقف عند إعادة تسويق مواقف الحزب في أمكنة العمل أو مقاعد الدراسة، خصوصاً ما يتعلق بموضوع تدخله في الشأن السوري، بل تبرير تدخله السافر بحجة حماية المراقد الدينية، أو تسويق فتاواه المتعلقة بالقطاع النسائي.
ولأننا أمام عالم بالغ السيولة والطفرات، فيجب دوماً أن تتجه الأنظار، كما الوعي، إلى إعادة النظر في مفاهيمنا وأدواتنا التنظيمية، وتمييز الحقيقي من الزائف في القضايا المطروحة، وهو ما يجب أن نضعه نُصب أعيننا: إعادة بناء حركات اجتماعية نسوية تبني مشروعيتها على قضايا حقيقية، موحدة أو منسقة على أقل تقدير، على طريق تحررهن الحقيقي.

الحركة النسائية اللبنانية

الحركة النسائية اللبنانية

أترك تعليق

مقالات
زينة أرمنازي/ أبواب- خلال بضع سنوات من الاغتراب طرأ تحولٌ كبير في المفاهيم لدى السوريين ولدى النساء خاصةً، سلباً أو إيجاباً، المهم أنه حدث بالفعل. ونتج عن هذا تغيير كبير في قناعات ومعايير اجتماعية عدة، كانت تقيّد بعض الأشخاص في إظهار هويتهم الاجتماعية. فما هي تلك القناعات الجديدة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015