خرابيش نسوية: الفن في مواجهة العنصرية الجندرية‎
صفحة "خرابيش نسوية" عالفيسبوك

موقع (فايس)- “أعتقد أن الموضوع بدأ بطريقة عشوائية، كنت أجلس مع صديقتي في إحدى حانات بيروت مستغرقين في عدة أحاديث، وفجأة من حيث لا ندري، وخلال لحظات الصمت القليلة التي فصلت بين جملة وأُخرى، ظهر شابٌ من خلفنا وكأنه خرج من علبة “السحبة” وتوجّه لصديقتي بالسؤال: شو بو الحلو زعلان؟” – وبعد تجاهل الصديقتان له قالت مؤسسة خرابيش نسوية لصديقتها: “كان لازم تقوليلو يلي زعجني هو هيمنة الرجال على المساحات العامة مثلاً.”

هكذا كانت انطلاقة خرابيش نسوية بحسب مؤسسة الصفحة التي قررت أن تقوم بتصميم الصورة ونشرها، وهي تضحك كلما سُئلت عن البداية.

شرحت لنا القيّمة على المشروع خلال اتصال هاتفي تفاصيل انطلاقة الصفحة الذي بدأ عبثياً وهدفه التسلية فقط، لتتحوّل إلى واحدة من أكثر الصفحات الساخرة متابعةً وإثارةً للجدل، مع وصول عدد متابعيها إلى 27 ألف على فيسبوك. الرسمة الأولى التي نشرتها المصممة اللبنانية الشابة التي فضلت ابقاء هويتها مجهولة، نالت عدداً كبيراً من المشاركات بالنسبة له وهو أمر لم تتخيل حصوله: “بعد أن قمت باختيار الصورة وإضافة الكلمات السحرية التي نطق بها الرجل الشبح، نشرتها على صفحتي الخاصة. أغلقت الفيسبوك وخلدت للنوم، اليوم التالي استيقظت لأجد بحدود المائتي مشاركة للصورة، يبدو أن عدد كبير من الأصدقاء والغرباء أيضاً وجدوا صلة ما بينهم وبين التصميم الذي عبّر عن واقع موجود.”

لم تكن تلك الأصداء محفّزة بعد للانطلاق بصفحة خاصة ولكن عدد الحوارات والحوادث التي تبادرت إلى ذهن صاحبة الصفحة بدت كثيرة وشاملة وتمسّ عدد كبير من الأشخاص في العالم العربي وليس لبنان وحده. التصميم الثاني الذي أثار جدلاً وحقق نسبة مشاركة عالية كان تصميم “عزيزي الرفيق “كول خرا” والتي تطلب فيه المصممة من شاب يشاركها القضية، أن يتوقف عن الكلام، مستخدمة عبارة نابية تقول المصممة أن الكثير من النساء عبرن عن تمنيهن استخدامها مع “عدد من الرفاق” (بالإشارة إلى الأحزاب اليسارية التي تدعي دعمها الكامل لحقوق المرأة): “مجدداً، استيقظت أيضاً لأجد عدد كبير من المشاركات والتعليقات،”

تقول، “ولكن ما قلب الموازين يومها هو الرسائل التي وصلتني والتي عبرت فيه نساء عن رغبتهن بالاجابة بتلك العبارة لعدد من الرجال. شعرت أنني أتواصل مع جيل كامل من النسويات اللواتي تعرضن لخيبة أمل وإحباط من “أولويات” الرفاق اليساريين،” كما تقول.

“صورة “الرفيق” هي ما دفعت المصممة إلى اطلاق صفحة خاصة بسبب كمية التفاعل. لكن الطريقة لم تكن معبّدة دائماً بالتعليقات الداعمة: “وصلتني انتقادات عديداً وصلت إلى حد الشتائم، بالإضافة إلى ذلك امتلئ الانبوكس الخاص بحسابي على فيسبوك بصور أعضاء ذكرية وتهديد ووعيد. لم أكن أطمح يوماً أن أصبح محور الحديث والنقاشات كشخص، لهذا قررت الفصل بين صفحتي الشخصية وبين تلك الرسومات وبدأت بنشر عملي على صفحة جديدة أنشأتها بعنوان خرابيش نسوية.”

مصممة الصفحة والقائمة على المشروع تعرّف عن نفسها كونها نسوية بالدرجة الأولى. دراستها الأولى كانت في مجال “الفنون الجميلة” وهو ما ساعدها بشكل غير مباشر لتصميم وإعادة ابتكار الرسوم التي تقوم بنشرها على الصفحة، وهي اليوم تتابع دراساتها العليا في مجال “الأنثروبولوجيا” رغبةً منها أكثر في الغوص بعلم الإنسان. تشدّد الشابة التي في الثلاثينات من العمر، أنها لا تريد أن تكون موضع النقاشات وتقول: “الرسومات يجب أن تكون موضوع النقاشات برأيي، وليس أنا لذلك قررت ألا أكون في الأضواء. أستوحي الأفكار من تعليقات الأصدقاء أو من نقاشات أراها على فيسبوك. الموضوع غير متعلق بالنساء فقط، هو متعلق بأي شخص مستضعف بسبب شخصه أو ميوله، يتعرض لأي نوع من التحرش أو التهديد أو الاهانة.”

ولكن ماذا عن أعنف هجمة تعرّضت لها خرابيش؟

“أنا لا أجد الكثير من الوقت لتفقد الصفحة بشكل مستمر غالباً بسبب عملي ودراستي، ولكنني أذكر جيداً يوم فتحت الصفحة ووجدت أن تقييمها انخفض من 5 إلى 3. كان ذلك صدمة بالنسبة لي، وكان بالتأكيد هجوم منظم بسبب تصميم كنت قد نشرته. وجدت تعليقات عنيفة وتهديدات بالقتل وإهانات عديدة. كوني باحثة أيضاً أردت توثيق ما يحصل ولكن الجزء الآخر مني أراد تجاهل ذلك بسبب الكم الهائل من الهجمات.”

كانت رسمة “محور الكون” هي السبب في هذه الهجمة وبسبب التبليغ المستمر عنها قام فيسبوك بحذف الصورة بشكل مؤقّت ليعود ويعتذر عن ذلك ويعيد نشرها: “المضحك المبكي أنه ومن بين كل التصميمات التي نشرتها، والتي أعتبرها مُستَفِزّة، لم ينزعج الرجال إلا من تلك الرسمة التي قلنا فيها أن الرجل ليس محور الكون. كان موقف سوريالي بالنسبة لي بصراحة، أعتقد أن تلك الجملة معروفة من الجميع وجميعنا نفكر بها ونستخدمها بشكل غير مباشر، ولكن يبدو أنه عندما تم وضعها “على ورق” في تصميم، تسببت بهزة حقيقية لمست الوتر الحساس.”

خلفية المصممة الفنية سهلت لها عملية جمع مضمون الصور، فكان من السهل أن تجد الصور المناسبة أونلاين وتقوم بإعادة تصميمها وتحديداً أغلفة المجلات القديمة أو الدعايات القديمة المعروفة اليوم برسومات الـ pop art. ولكن لماذا أختارت هذه الرسومات بالذات؟

“قرّرتُ ألا أقوم باستخدام رسومات أفلام عربية ودعايات عربية قديمة لأنها قد تمس بأشخاص بشكل غير مباشر، بينما الرسومات التي أستخدمها لا تمثّل أشخاصاً معروفين أو مشهورين وبالتالي لا يمكن ربطها بشخصهم. أحياناً أقوم برسم التصاميم بنفسي ولكن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً ولا أستطيع الالتزام بذلك بشكل مستمر. الصور التي استخدمها راسخة بذهن عدد كبير منا وجزء من هذا الجيل، وبرأيي لا تشكل تهديد مباشر بأي شكل من الأشكال. لذا أنا أفضل إعادة تدوير الـ pop art وأعطيهم نفحة نسوية.”

من التصميمات التي قامت بإعادة تدويرها مؤخراً كانت رسمة الطفل الذي يبكي، وهو رسمة تاريخية تم استخدامها ضد مجموعة “سوفراجيتس Suffragettes النسوية البريطانية التي كانت تطالب بحق المرأة بالتصويت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحت شعار “أصوات من أجل النساء.” رسمة الطفل الباكي هي رسمة قديمة استخدمت في حملات ضد المجموعة في دلالة من المنظمين إلى بكاء الطفل “لأن والدته عضو في المجموعة.” خرابيش نسوية أعادت تدوير رسم الطفل ولكن استخدمت كلمات مختلفة للتعبير عن سبب بكائه اليوم وهي برأيها إعادة إحياء للتاريخ القديم، بنفحة حديثة.

“هدفي ليس إرضاء الجميع بصراحة، لان النسوية بالنسبة لي هي تحدي هيكليات القمع ومحاولة فكفكتها، ومنها محاولة إسكات المرأة.”

القيّمة على الصفحة لا تنشر التصميمات لاستفزاز أحد بالتحديد، بل على العكس، تأمل بحصول نقاش بَنّاء، قد يؤدّي مستقبلاً إلى نوعٍ من التغيير.

“أشعر أن العمل على خرابيش أمر علاجي يساعدني على التعامل مع التحديات اليومية للقمع الموجود في المجتمع والتعبير عن أفكار نظرية بطريقة فكاهية.”

صفحة "خرابيش نسوية" عالفيسبوك

صفحة “خرابيش نسوية” عالفيسبوك

أترك تعليق

مقالات
موقع (الجمهورية)- يتلعثم أحمد، الطالب في الصف الثامن الإعدادي، وهو يقرأ بضع جمل سهلة اختارها له والده من كتاب مخصص لطلاب الصف الخامس الابتدائي، إذ يقوم بتهجئة الحروف ليتمكن من استكمال قراءة الكلمات، ودون مراعاة التشكيل أيضاً. كما أنه لا يجيد معظم العمليات الحسابية التي تضم «ثلاث ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015