عن تأسيس (رجلٍ) لدار نشرٍ نسوية
الكتابة النسوية

سارة عابدين/ ضفة ثالثة- لكي يتعاطى الإنسان مع أحد الفنون يصبح بحاجة إلى فهم وإدراك جوهر الفن وما يحويه من مفاهيم يحاول تصديرها، حتى يستطيع التعاطي معه بشكل مناسب، والفن النسوي في جوهره فن مضاد للسائد يخالف مفاهيم المجتمع ويحاول خلق معايير جديدة، غير المفاهيم المترسخة.

من هنا اختار الروائي والمسرحي المصري رجائي موسى أن يؤسس لدار نشر نسوية، بكل ما يمكن أن تمثله النسوية من معان مادية ومعنوية، حتى اختياره للمكان كان بعيدا عن المباني الخرسانية المكتملة، لكنه مكان بحس  نسوي، وألوان مراوحة، الأثاث يبتعد عن الكمال والحدة، أقرب للمواد الخام والتطريز النسائي، بعيدا عن اللمسة النهائية الذكورية المكتملة.

في البداية فرض السؤال عن سبب تأسيس رجل لدار نشر نسوية،  لماذا هذا التحديد والتركيز فقط  على الكتابة النسوية دون غيرها، يجيب موسى بتساؤل يطرحه هو عن مفهوم الرجل ومفهوم الهوية الذكورية، وما هي محددات الهوية، بعيدا عن الشكل، لأن كل إنسان بداخله الجانب الأنثوي، والجانب الذكوري، وقد يغلب أحدهما الآخر بغض النظر عن الجندر، نحن نتحدث هنا عن الاختلافات ما بعد البيولوجية.

يقول موسى إنه ضد المساواة المطروحة بشكلها العام، المساواة التي تعتبر الرجل معيارا لما تبنى عليه الحقوق، بالرغم من قدرة المرأة الأكبر على التغيير، وتجاوز السلطات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي ترسخ لوضع الرجل المستقر، ذلك الوضع الذي لا يفجر أي أسئلة حول وجود الرجل، أو مركزه الاجتماعي والجنسي وهويته المتحققة بشكل عام، والامتيازات التي يحصل عليها لمجرد كونه رجلا، بعكس النساء اللواتي يشغلهن سؤال الهوية، والحضور والقدرة والتعبير والإرادة، كأنهن يمثلن الهامش، لكن ليس المعنى السائد للهامش، بل بمعناه القادر على تبديل المتن وتغييره، كما يظهر تماما في الكتب التراثية الكبرى، حين يصبح الهامش هو الشارح والمفسر للمتن، وربما يكون معاكسا له، يعمل على خلخلته، مثل حالة من الحقيقة المؤجلة دائما، التي لا يرغب أحد في تداولها، أو كتاريخ مواز لم ترغب السلطة في تسجيله، لكنها لم تستطع محوه.

يذكر المسرحي وصاحب دار نشر “هنّ” مقالاً كتبه في وقت سابق بعنوان “لماذا نحدق في النساء” ويقول إن الرغبة في الاستحواذ تسيطر بشكل دائم على الذكور،  وذلك التحديق يمثل تلك الرغبة في الانتهاك والاختراق الذكوري الوقح للمرأة، وتحويل المرأة من إنسان أو ذات إلى آلة أو أداة للمتعة، ويظهر ذلك في استعمال السلطة السياسية للنساء، حين تستعملهن كأدوات دعائية للغناء والرقص، أو حتى التصويت الجماعي فيما يشبه القطيع، لمساندة السلطة الذكورية، سواء كانت سلطة سياسية او إجتماعية، أو دينية.

يستعيد موسى خيط السؤال من جديد، ويضيف أن كل تلك الأسباب السابقة هي التي جعلته ينحاز للأدب النسوي والكتابات النسوية، بالإضافة إلى الشكل التسويقي أو التجاري، وعدم وجود دور نشر عربية تعمل تحت عنوان الأدب النسوي فقط، بالرغم من وجود دور نشر في أوروبا وأميركا تتبنى الأدب النسوي فقط، ويذكر أنه عندما قرأ رواية آذار نفيسي “أن تقرأ لوليتا في طهران” استلهم الفكرة من روايتها التي ذكرت وجود دار نشر نسوية بفرنسا بسبعينيات القرن الماضي، وبدأ بالفعل في تنفيذ الفكرة.

أما فيما يخص فكرة التمييز الإيجابي لصالح المرأة، وكونها تتنافى مع مطالب المرأة بأن تكون شخصا عاديا، بدون انحيازات أو امتيازات تمنحها السلطات، وبدون تهميش، لصالح أي فئة أخرى، لذا يمكن النظر إلى دار نشر نسوية، كأنها دعم لفئة مستضعفة أو منتهكة داخل المجتمع، يقول موسى إنه يتحدث عن رؤية للعالم، رؤية بعيون النسويين أو النسويات اللواتي يراهن أجدر بإيصال أصواتهن، ومعاناتهن وحياتهن، بعين نسوية يمكن أن تكون لرجل أو امرأة، رجل يكتب للمرأة وعنها، دون أن يستعملها كأداة، ودون أن يصنف نفسه فارسا لتحقيق أحلامها، ويضيف أنا أتحدث هنا عن النساء  كأشخاص متعينين في الواقع المعيش، نساء منغمسات في الحياة اليومية، وليس مجرد فكرة أو صورة أو حتى لوحات النساء الموجودة في متاحف عصر النهضة، أو لوحات الفنانين المستشرقين للنساء العربيات. اللوحات التي تمثل النساء بضّات وبيضاوات ورقيقات أو شهوانيات، حسب مزاج السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، لذا أنا أبحث عن الكتابة التي تمثل المرأة كما هي، لا كما يرغب بها الرجل.

عند سؤال موسى عن الفارق الذي لاحظه كناشر بين الكتابة النسوية منذ بدايتها وحتى الوقت الحالي، يقول موسى إنه قبل ثورات الربيع العربي، كانت الكتابة نسوية تقليدية، أي كتابة تمثل صراعا بين الرجل والمرأة، والتي تمثلها كل من نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، ذلك الصراع المستمر بين الرجل والمرأة الذي تم تجاوزه في النسوية الحديثة، وبالطبع تجاوز ذلك النظر إلى الحقوق الدنيا مثل حق التصويت، وحق الترشح، وكل تلك الحقوق التي تم تداولها من رائدات الحركات النسوية الأوروبية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، لنبدأ في الحديث عما بعد النسوية، التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي في أوروبا، ذلك المفهوم الذي عمل على تفكيك مركزية أوروبا، والحديث عن امتياز الاختلاف لصالح النساء، وتجاوز ثنائية الرجل والمرأة إلى الهويات المتعددة، وأصبح هناك حديث يخص كل مجموعة من النساء على حدة (عرق، طبقة، لون، معتقد) وليس حديثاً عن المرأة بشكل عام، وهو ما بدأ في التسلل إلى الكتابة العربية بعد الثورات العربية حيث أصبحت النساء أكثر قدرة على التعبير عن تجاربهن الحياتية، وأكثر انفتاحا واستيعابا لفكرة الخصوصية والتعدد.

لذا يعتقد موسى أنه حتى لو لم تحقق الثورات أهدافها السياسية بشكل كامل إلا أنها نجحت في خلق حراكٍ ثقافي، اجتماعي، هادئ وبسيط وسري، ويظهر هذا بقوة في كاتبات صعيد مصر غير المكرسات. الكتابة أصبحت أكثر تحررا واحتفاء بالشخصي والهامشي، بعكس الرجال بشكل عام، الذين لم يشعروا بأي تغير عميق، لأنهم في وضع الاستقرار والسلطة الدائمة، وكأن الثورات أقرب للنساء وهن المكون الرئيسي بها.

يذكر موسى من ضمن الكتابات النسوية عن دار هنّ، ديواناً بعنوان “السيدة كليمونتين” للشاعرة التونسية أمل خليف، وهو يعتبره نصّاً ضد السلطة، وضد الثورة بمعناها السلطوي، يمثل مشاغل ذاتٍ مهووسةٍ بتفاصيل بسيطة وعابرة، منشغلة بأمراضها ومخاوفها، في ظلّ المدّ الثوري، لا تحتفي بالأحداث العظيمة، لكن تحتفي بحياتها الإنسانية بكل متناقضاتها.

وبالحديث عن تأثير فيسبوك كمنصّةٍ اجتماعية على الكتابة، يعتقد موسى بأن استعمال التقنية بحد ذاته يختلف بين النساء والرجال، في الوقت الذي يستخدمه الرجال للاستعراض الذكوري والتحرّش هنا وهناك، تستخدمه النساء لتسريب تجاربهن الشخصية، والتلاعب من أجل تأكيد الذات، والبحث عن الهوية الشخصية، لكن لا ينفي رجائي أن هناك نساء يستعملن الفيسبوك بنفس طريقة استعمال الذكر له، لكنه يعتبره بشكل ما رد فعل على التعامل المجتمعي، ومحاولاتها لرد العنف والانتهاك بانتهاك مماثل، وهنا تبدأ المرأة في خسارة خصوصيتها وتميزها الإنساني.

أما عن أهم ما يميز الكتابة النسوية، يقول موسى إن الكتابة النسوية لا تحمل إيديولوجيا وتعبر عن الحياة اليومية بصوت واهن لا يحمل اليقين السلطوي، بالإضافة إلى أن النساء يتراجعن لصالح النص، دون تضخم أو مركزية بينما في الكتابة الذكورية (لرجل أو امرأة) يتم تصدير الذات بكل يقين داخل النص، وربما تبدأ بعض الشاعرات مثلا بكتابة نسوية، لا تحمل اليقين ثم مع الوقت يتحولن إلى سلطة، تماما كما يتم تعيين امرأة قاضية أو وزيرة دفاع. يقول موسى إنه لا يعتبر ذلك تكريما للمرأة، بقدر ما هو محاولات لإخضاع المرأة للقضاء والهيمنة الذكورية، للتحول بشكل من الأشكال إلى ذراع للسلطة، أو قائدة لحرب إمبريالية سلطوية، تحت ما يمكن أن يطلق عليه مركزية القضيب.

وعن العلاقة بين قصيدة النثر حالياً والكتابة النسوية، ولماذا تمثّل الشاعرات العربيات النسبة الأكبر في كتابة قصيدة النثر، يقول موسى إن قصيدة النثر قصيدةُ متحررة بلا ضابط، شكلانيةٌ وليست معرفية، حسيّةٌ وفورية، تحتفي بالزائل بعيداً عن الثبات، المتمثّل في المعلّقات العربية مثلاً، قصيدةٌ لا يمكن التنبؤ بها، لا تحوي استقامة البناء الشعري بجوهره المعروف في أنماط الشعر الأخرى، بالإضافة إلى بعدها عن جماليات السلطة الشعرية المعتادة، ويكتبها النساء لتوثيق حياتهن حتى لو بعيداً عن النشر.

الكتابة النسوية

الكتابة النسوية

أترك تعليق

مقالات
طيبة فواز/ ساسة بوست- ظهرت الحركة النسوية في العلاقات الدولية في ثمانينات القرن العشرين، وقدمت نقدًا لاذعًا للطرق التي تشكلت بها معرفتنا للعلاقات الدولية من خلال خبرات الرجال والتي أهملت تمامًا الطرق المختلفة جدًا التي تمارس بها النساء السياسات الدولية. طرحت سينثيا إينول (1989) في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015