قراءة ومناقشه وتفاعل مع كتاب: “المشاركة السياسية للمرأة السورية بين المتن والهامش”
الكاتبة: لمى قنوت. الناشر: اللوبي النسوي السوري. ط1. نسخة إلكترونية. 2017.

(كواليس النخب السياسية السورية التي تطرح نفسها بديلاً ديمقراطياً، والأسباب التي أدت إلى ضعف المشاركة السياسية للمرأة).

موقع “الأيام السورية”- الكتاب دراسة مهمه سدت نقصاً حول هذا الموضوع، يتميز بمنهجيته الاستقصائية، وأسلوب الاستجواب ومتابعاته حالة المرأة السورية السياسية في فترة زمنية ممتدة، وفي حالات متنوعة، كتاب مهم يستحق الاطلاع.

أولا. تبدأ الكاتبة عبر إطلالة على موضوع المشاركة السياسية للمرأة السورية، وأنها مقصية في واقع المجتمع والقوى السياسية وحتى في الدولة السورية، ورجعت لبعض الدراسات السابقة على دراستها لتؤكد ذلك، كما أنها أطلت على الاتفاقات الدولية المقرة لحقوق المرأة وعلى رأسها اتفاقية سيداو.

ثانياً. لا تمر الكاتبة على أسباب واقع المرأة التي تعيشه كتهميش سياسي ومجتمعي إلا بشكل عابر وكتسمية فقط، كالنظرة الأبوية، أو سيطرة الرجل على واقع المجال السياسي في المجتمع، أو المشاكل المجتمعية عموماً وحضور المرأة به كتابع وبحقوق مهضومة، أو من خلال قوانين الأحوال الشخصية المجحفة بحق المرأة… الخ.

ثالثاً. تطرح الكاتبة مشاركة المرأة السورية في الثورة وخاصة لجان التنسيق المحلية، التي كانت تقوم بدور المحضر والمتابع للمظاهرات ومكانها وزمانها وامتداداتها وتنسيق شعاراتها وأماكن فعلها وفاعليتها… إلخ، حيث تنامت التنسيقيات لتصل للمئات على مساحة سوريا، وتطرحها كنموذج لحضور المرأة القوي في أهم مناشط الثورة، وأن اللجان نموذجاً يضرب به المثل عن إمكانية المرأة ونسبة حضورها وقدرتها وقيادتها للأعمال أياً كانت اللهم إن أعطيت الفرصة المناسبة لممارسة دورها.

رابعاً. ثم تنتقل الكاتبة للحديث عن المجالس المحلية التي كانت طوراً آخر بعد لجان التنسيق المحلية. حيث انتقل العمل إلى إدارة الحياة في المناطق المحررة من النظام، وبتحول الثورة إلى مرحلة العمل المسلح، وبداية انحسار حضور المرأة في هذه المجالس رغم أنها مشاركة في كل المناشط في المناطق المحررة وحتى العسكرية منها.

خامساً. تطرح الكاتبة مشكلة قلة تواجد المرأة وانعدام فاعليتها في الأحزاب السياسية، فحضور المرأة في حزب النظام (البعث) أو في مجلس الشعب هو حضور شكلي تجميلي، كجزء من الصورة التي يقدمها النظام عن نفسه، لكن واقع حضورهن لا يتجاوز تنفيذهن لأجندات النظام، وهن غير معنيات بأي أمر له علاقه بالمرأة ومصالحها ومشاكلها وكيفية تطوير حضورها وتحسين حالتها، أما حضور المرأة في الأحزاب المعارضة يكاد يكون هامشياً كعدد وحضور واهتمام، رغم أن بعض الأحزاب تدرج قضية المرأة وحريتها وحقوقها في برامجها السياسية، لكن واقع الحال هي مغيبة أو مقصية، طبعاً يؤخذ بعين الاعتبار أن ظروف الواقع وعدم إقبال النساء عموماً على العمل السياسي، وضمن ظروف القمع والاعتقال والتخلف الاجتماعي، فقلائل النساء اللاتي استطعن تحدي واقعهن والتحقن في العمل السياسي، بكل الأحوال كان حضورهن قليل وغير فاعل وغير مفعل.

سادساً. تنتقل الكاتبة للتحدث عن واقع العمل السياسي للمرأة في الثورة. سواء في المجلس الوطني أو الائتلاف أو الهيئة العليا للتفاوض. والمشاركة في مؤتمرات جنيف أو بالهيئة الاستشارية. وتصل لمجموعة استنتاجات أهمها: أن واقع العمل بهذه الهيئات قد جعل نسبة حضور النساء العددي متواضع، والأهم أن فاعليتهم داخل هذه المؤسسات كانت شبه معدومة، حيث كان هناك تواطؤ ضمني على إقصائهن وعدم إعطائهن أدواراً فعالة إلا ما ندر، حتى إن وجدن في مواقع مهمة كنيابة رئاسة الائتلاف، كان الموقع شكلياً دون تفعيل وفاعلية وكن أحياناً ضحية مهاترة أو إساءة لكونهن نساء وأنهن غير كفؤات لأدوار سياسية مهمة، مما أدى لبعض الانسحابات النسائية من اللجنة الاستشارية التابعة للهيئة العليا للمفاوضات. ولم يستطع ديمستورا عبر المجلس الاستشاري النسائي السوري الذي أنشئ خصيصاً لأجل متابعة أمور المرأة السورية، سواء في التفاوض بين ممثلي الثورة والنظام، أو التفكير بمستقبل سوريا، فقد اصطدمت اللجنة الاستشارية بكون نسائها متناقضات سياسياً ولو أنهم متوافقين بخصوص المرأة، وظهر وكأن اللجنة الاستشارية أصبحت وسيلة لتعويم النظام بدل الاهتمام بالحقوق السياسية والمجتمعية للمرأة، وهذا وجه آخر لاختلاف سياسي بين النساء السوريات.

سابعاً. ثم تتناول الكاتبة أهم ضوابط مشاركة المرأة في السياسة السورية، وكان أول محاور استقصاءها موضوع الديمقراطية، وأكدت أن غياب الديمقراطية في الدولة والمجتمع وحتى في أغلب القوى السياسية جعل الحضور النسائي شبه معدوم أو رمزي في هياكل القوى السياسية، ففي الدولة السورية تحتل السلطة الاستبدادية حيز الشأن العام كاملاً، فلا حضور إلا لما يريده النظام، وأن أي وجود سياسي حزبي أو مجلس شعب… إلخ يكون مجرد ديكور لإخراج وتنفيذ ما يريده النظام، وحضور المرأة هنا مجرد كوتا شكلية لا معنى لها أبداً في موضوع الحقوق النسوية، فهي مهمة فقط لادعاء السلط بأنها مهتمة بموضوع المرأة وتعمل لتحقيق حضورها وفاعليتها، أما الأحزاب السياسية المعارضة قبل الثورة وكذلك التي تشكلت كأحزاب أو منظمات قوى سياسية في الثورة؛ فحضور المرأة فيه رمزي ويعاد ذلك لظروف القمع قبل الثورة أو العسكرة بعد الثورة، أو موقف الأهل والمجتمع الذي لا يفضل العمل السياسي للمرأة، وكذلك لعزوف النساء عن العمل السياسي ضمن هكذا مناخ، كل ذلك يجعل الديمقراطية كفكر وممارسة غير حاضرة في هذه القوى، وإن حضرت فهي غير فعاله.

ثامناً. تحدثت الكاتبة عن الكوتا(الحصة العددية المقرة سلفاً) النسائية في الأحزاب والهيئات السياسية، كحد أدنى يجب أن لا ينقص عنه الحضور النسوي، وأكدت من خلال استقصائها واستجواباتها أن هذه الحصص غير متحققة، وإن تحققت أحياناً فهي غير مفعلة، ويتحكم بمسار الأحزاب والهيئات مجموعات صغيرة يتحكم فيها قلة من الرجال ويقودون العمل وحضور الآخرين -وخاصة النساء- شكلي جداً، وتوقفت أيضاً عند النظرة النمطية للمرأة، المحكومة بالعقلية الذكورية الأبوية المتخلفة للمجتمع أو إعادتها لفهم ديني خاطئ. وإن ذلك من الاسباب الحقيقية لإقصاء المرأة وتهميشها سياسياً، وتوقفت عند العنف الموجه ضد المرأة بأنواعه الجنسي والقانوني والسياسي، وعنف يتمحور حول امتياز الرجل على المرأة، وحقه في تقويمها ومحاسبتها وحتى قتلها إن كان هناك تعدي على الشرف. وكذلك قوانين الأحوال الشخصية التي يؤسس بعضها لواقع دوني وتبعية وظلم للمرأة لمجرد أنها امرأة، وكذلك المظلومية السياسية من استبداد النظام ومن إقصاء المرأة وتهميشها عند الأحزاب والقوى السياسية قبل الثورة وبعدها.

تاسعاً. تقدم الكاتبة استجواباً حول أسباب ضعف الممارسة السياسية للمرأة السورية في ظروف الثورة، وتقسمها لأسباب متعددة: بدء من ممارسة النظام القمعية، إلى التخوين البيني، إلى عزوف المرأة عن النشاط السياسي، إلى الأداء السياسي السيئ للأحزاب والمجموعات والقوى، إلى عدم خبرة النساء السياسية الكافية، وإلى غياب فكرة الحصة النسائية (الكوتا) عند هذه المكونات السياسية، إلى سيطرة المحاصصة الطائفية أو الاثنية، إلى سيطرة العقلية الذكورية والتخلف الاجتماعي بخلفيته الدينية التقليدية…إلخ. وتستمزج أراء المستجوبين حول هذه الأسباب من حيث القوة والأولوية والفاعلية، وما يهمنا أن هذه الأسباب مجتمعة؛ وباختلاف قوة تأثير كل سبب، تمثل العوامل التي أدت لتهميش دور المرأة وتغييبها سياسياً ومجتمعياً.

عاشراً. تصل أخيراً إلى الاستنتاجات والتوصيات، وكلها تنصب على حق المرأة المجتمعي الكامل على قاعدة المساواة مع الرجل، وحقها بأداء دورها السياسي، وأنها إن كانت تعيش الآن واقع الإقصاء والتهميش، فلا بد من الانطلاق بخلق عقلية ديمقراطية، تنطلق من مواثيق حقوق الإنسان والحقوق النسوية، وأن يكون نظام الكوتا النسائي الحد الأدنى لحضورها وتمثيلها، لنصل لمرحلة اشغالها لموقعها الاجتماعي والسياسي المطلوب، ولأجل ذلك كان لا بد من العمل لمواجهة الاستبداد السياسي، وأرجعت الكثير مما يحصل للمرأة لما اسمته (الاستبداد الديني) الذي ينظر لتهميش دور المرأة او تحجيمه.

حادي عشر. وفي مناقشتنا للكتاب نقول: أنه رغم كونه نتاج جهد متميز واستقصاء واستجوابات، ويدخل لعمق مشكله المشاركه السياسية للمرأة السورية في فعاليات الثورة وما قبلها، لكنه ينصب على دراسة الحالة بما هي عليه؛ ويمر على أسباب ذلك مروراً عابراً، رغم كون فهم أسباب هذا التهميش والظلم السياسي مجتمعياً وفكرياً ودينياً وضمن نسق العلاقات الاجتماعية مهم جداً لمعالجة هذا الواقع، وذلك من باب معالجة أسبابه الحقيقية العميقة والكامنة فيه على كل المستويات،  فمجتمعنا بأغلبه وبما فيه أغلب النساء مازال يتعامل مع المرأة من منظور خاطئ؛ يستند بعض منه على اعتقاد بالضعف الفيزيولوجي للمرأة، والبعض ينظر إليها أنها أقل من الرجل بقدراتها العقلية، والكثير ينظر لها بصفتها شخص غير قادر على تسيير ذاته دون تدخل الآخرين، وأنها عاطفية، وأنها ذات اختصاص معين الانجاب وتربية الأولاد…إلخ..

وهذه الأفكار وما يتبعها من سلوكيات متأصلة بالواقع الاجتماعي، يدعمها عقلية متخلفة تقليدية غير علمية في فهم الحياة والآخرين، وعقلية تسلطية ضمن منظومة الاستبداد العمودي من أعلى هرم الدولة والمجتمع ليصل إلى المرأة التي تقع في قاع الهرم قمعاً واستغلالاً، ولا يلغي هذه الصورة القاتمة دخول المرأة منذ عقود باب التعليم وباب العمل لحاجات اقتصاديه بالأغلب، وقد نجد بعض النساء قد خرجن عن هذه المنظومة القهرية، لكن لم يصلن إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية المتنامية، فما مشاركة المرأة في بعض المناشط السياسية أو المجتمعة العامة إلا مقدمة لممارسة بعيدة المدى قد تحتاج لعقود حتى تحصل المرأة على حقوقها الإنسانية كاملة على قاعدة التساوي الإنساني والتكامل العائلي والمجتمعي، ويحتاج ذلك إلى عمل دؤوب فلا يكفي الوصول للدولة الديمقراطية لتصل المرأة إلى حقوقها، الديمقراطية في الدولة والمجتمع الوسيلة التي ستكون مع غيرها مقدمة تغيير العقلية والسلوك، وكذلك الدستور والقوانين المنصفة للمرأة هي ضمانات يجب ان تحصل للوصول لحقوق كل الناس ومنهم المرأة، وهذا يستوجب إعادة قراءة الدين متناغماً مع العقل ومع العصر ومع الحقوق النسوية الإنسانية، فالراسب الديني (الذي ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً أو مطابقاً لجوهر الدين ومقاصديته)، يحتاج لتنقية وإعادة تنوير الدين في المجتمع والحياة، واستتباعاً لذلك نقول عن قوانين الأحوال الشخصية وكون المدونات الموجودة تحتاج لمراجعات عميقة، لأن أغلبها لم يعد صالحا لهذا العصر، والانطلاق من فردية المرأة وحقوقها وتميزها عن/ وتكاملها مع الرجل، وأنها كاملة الأهلية إنسانياً لتأخذ كل حقوقها.

وأما عن القول أن هناك استبداد ديني كما أن هناك استبداد سياسي فهو توصيف غير دقيق لواقع الحال، فالتخلف في قراءة الدين أو تأويله في هذا العصر، مربوط بعضه برجال الدين في دولة الاستبداد -كسوريا- فهم مجرد أدوات تنفذ رغبات السلطة بلبوس ديني تنتزع فتاويها من مدونات الدين الكثيرة، كما أن الدين هو اعتقاد اجتماعي يراه البعض عقيدته التي يسير بهديها في الحياة ولا تصح حياته إلا بها، وهم الأغلبية المجتمعية، فتنوير الدين وتزاوجه مع العقل والعلم والعصر مهم جداً، وتحوله لخيار إنساني وقبول منتسبيه للخيار الديمقراطي في الدولة والمجتمع، سيجعل الدين والمتدينين يقتربون رويداً رويداً إلى مفاهيم العصر اتجاه كل القضايا ومنها المرأة، من الخطأ وضع حقوق المرأة في مواجهة الدين أو المجتمع، فذلك يخلق شرخاً اجتماعياً ومقدمة لانفصام اجتماعي وسلوكي ومقدمة صراع اجتماعي.

إن موضوع المرأة في الدولة الديمقراطية القادمة، هو أهم وأعقد وأصعب موضوع يحتاج لمعالجة، وبتحقيق حقوق المرأة تكتمل مصداقية عمل الثوار والشعب لتحقيق: الحرية والكرامة الإنسانية (نساء ورجال) والعدالة الاجتماعية والحياة الأفضل.

والحديث يطول.

جهد مشكور أخت لمى قنوت.

الكاتبة: لمى قنوت. الناشر: اللوبي النسوي السوري. ط1. نسخة إلكترونية. 2017.

الكاتبة: لمى قنوت.
الناشر: اللوبي النسوي السوري.
ط1. نسخة إلكترونية. 2017.

أترك تعليق

مقالات
شبكة المرأة السورية- تعتبر الحروب أحد أشكال العنف السياسي، يتولد عنها مباشرة، أشكال متعددة ومختلفة من أشكال العنف الأخرى لكن لا يوزع الموت بالتساوي في الحروب، بل ضحايا الحروب من الرجال أكثر من النساء، باعتبارهم الطرف الرئيسي في القتال، وعليه في محصلة أي حرب، بالأخص الطويلة منها  نجد ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015