مهن غريبة لسيدات سوريات بسبب الأوضاع المعيشية
مهن غريبة لسيدات سوريات بسبب الأوضاع المعيشية

شيلان شيخ موسى/ 7al- يبدو أن الحاجة المادية تدفع الإنسان إلى أمور لم يعتد على خوضها. وبسبب تردي الأوضاع المعيشية في سوريا وبظل تدني الرواتب والأجور، لجأت نسبة كبيرة من السيدات السوريات إلى العمل بمِهن تبدو غريبة على المجتمع السوري، مثل “جني الأعشاب وبيع الموالح والقهوة على الطرقات”، فضلا عن انتشار ظاهرة “المطابخ المنزلية” بالإضافة إلى التسويق الإلكتروني والعمل من داخل المنزل، من أجل تأمين سُبل عيشهم وتغيير واقعهم الاقتصادي الهش إلى مستويات تتناسب مع الواقع المعيشي الصعب الحالي.

العديد من النساء في سوريا تستدنّ المال من أقاربهنّ أو أصدقائهن من أجل فتح مشاريع صغيرة تدرّ عليهنّ مبالغ مالية حتى يتمكننّ من إعالة أنفسهن وعائلاتهن من براثن لهيب الأسعار “الجنونية” التي تواجه كل السوريين اليوم.

مهنة “جني الأعشاب”

من أجل إعالة أزواجهنّ أو حتى آبائهنّ وأخواتهنّ، لا تكاد توجد عائلة إلّا والأم أو الأخت تعملن بأي شكل من الأشكال للمساعدة في تلبية متطلبات أسرتها في ظل الظروف المعيشية الصعبة.

“الحاجة المادية هي أهم الأسباب التي تدفع المرأة للعمل جنبا إلى جنب مع الرجل”، هذا ما عبّرت عنه السيدة ميادة، وهي أم لثلاثة أطفال، لصحيفة “تشرين” المحلية، مؤخرا، عن عملها بجني الأعشاب من غابات قريتها، باب جنة التابعة لناحية صلنفة في الساحل السوري.

ميادة أردفت في حديثها عن عملها “في البداية لم يكن جني الأعشاب مهنة، لكن بسبب الإقبال المتزايد عليها أصبح ذلك مصدر رزق لي ولعائلتي”، مشيرة إلى أن جني الأعشاب يتطلب خبرة ودراسة في أصنافها وأنواعها التي هي تعلمتها من والدها، حيث إن قرية باب جنة جبلية ووفيرة المياه، ما ساعد على وجود وتنوع أصناف هذه الأعشاب حيث ينمو أغلبها قرب الأنهار والينابيع.

حول أهم الأعشاب التي تعمل ميادة على بيعها، بيّنت أن الزعتر الأخضر الذي لا يكاد يخلو بيت منه لأهميته الغذائية والعلاجية، إضافة إلى زهرة الأوركيد التي تدخل في صناعة مشروب السحلب، والسماق، والبابونج، والزوفا، وورق الغار، والمريمية، وأعشاب أخرى.

عن موسم جني هذه الأعشاب، بيّنت ميادة أنه يبدأ من الربيع حتى الخريف، حيث تبحث عن أصناف الأعشاب المفيدة المنتشرة في الجبال، ما يحتاج إلى وقت ومجهود للحصول عليها، ثم تقوم بتنقيتها وتجفيفها، ومن ثم تخزينها بطرق معينة لتبقى محتفظة بخصائصها لفترة زمنية طويلة.

ميادة واجهت في بداية عملها صعوبات وعواقب، لأنها كانت تبحث بمفردها عن الأعشاب، أما بعد أن زاد الإقبال على شراء الأعشاب فإنها استعانت بنساء من القرية يعملن معا في جني الأعشاب وتجفيفها وتسويقها، مؤكدة أنه يتم تسويق هذه الأعشاب إلى بقية المحافظات، وقد زاد الطلب بشكل كبير على هذه الأصناف من الأعشاب لجودتها وأسعارها المقبولة، مما يدرّ عليها وبعض نساء القرية بمبالغ تسعفهم في معيشتهم وسط الغلاء العام في البلاد.

بدورها، أكدت الدكتورة الصيدلانية ريم عبد الرحمن والمختصة بالأعشاب، أهمية هذه الأعشاب والتي تُصنّف على أنها “طبية”، خاصة أن أغلبية أصناف الأدوية تدخل في صناعتها هذه الأعشاب؛ كالزعتر البري الذي يُستخدم في علاج السعال، وعشبة الطيون المضاد للجراثيم، وإكليل الجبل للروماتيزم، وهو ما يساعد على عملية بيع هذه الأعشاب.

كذلك فإن قمة الإقبال المتزايد على الأعشاب كان بسبب ارتفاع أسعار الأدوية، ناهيك بأنها موروث الأجداد ولها أهميتها وفائدتها، كما أن هذه الأعشاب تساعد في علاج حالات الزكام، حيث تستخدم الأعشاب بكثرة، وخاصة في فصل الشتاء كالميرمية والزوفا والبابونج.

بيع الفستق والقهوة على الطرقات

في السياق ذاته، تعمل السيدة صفاء ببيع الفستق على عربة صغيرة في شوارع العاصمة دمشق لتأمين مصدر رزق لها ولأسرتها وسط تردي الأوضاع المعيشية. فمنذ حوالي ثمانية أشهر، قررت السيدة بمساعدة إحدى صديقاتها البدء في بيع الفستق وتقول لموقع “سناك سوري” المحلي، يوم الإثنين الماضي أنها “اقترضت مبلغا من المال من صديقة لشراء العرباية والمواد الأولية اللازمة لها”، كما تقول السيدة صفاء.

بيع الفستق ليس العمل الوحيد الذي زاولته “صفاء” بل زاولت العديد من الأعمال لكنها وجدت نفسها ببيع الفستق. وتضيف “عرباية الفستق فاتحة بيت وساترتني أنا وأولادي”. وتعرض أولادها في بادئ الأمر للسخرية والتنمر في المدرسة من قبل بعض الأولاد الذين يقولون لهم والدتكم تبيع فستق مع الاستهزاء. لكن بعد مرور الوقت تقول الأم “أصبحت مصدر فخر لأولادي فأنا أطعمهم من عرق جبيني برزق حلال”.

كذلك، تقف أمام آلة القهوة على الرصيف الحجري وعلى بعد أميال من مول كفرسوسة في دمشق، الشابة سلوى، 26 عاما لتبيع القهوة وغيرها من المشروبات الساخنة بهمة ونشاط لا ينقطعان طوال ثلاث عشرة ساعة من العمل. تبدأ سلوى عملها منذ الساعة التاسعة صباحا. وتصل إلى المنطقة التي اختارتها لتضع فيها آلة القهوة على دراجتها الهوائية قادمة من منزلها في منطقة الزاهرة.

لا تأبه الشابة لنظرات المارة الذين لم يعتد بعضهم حتى اليوم لعمل الفتيات في بيع القهوة على الطرقات. إذ إنه من غير المألوف في شوارع دمشق بعد رؤية فتيات يعملن في بيع القهوة الطرقية، وفق تقرير آخر للموقع المحلي.

سلوى تشرح عملها للموقع المحلي، فتقول “عملت في كثير من الأعمال. قبل أن أستدين مبلغا لأشتري آلة القهوة وافتتح البسطة المتواضعة في بيع القهوة والمشروبات الساخنة”. تكافح سلوى كما أقرانها الشباب الذين يواجهون الصعوبات الاقتصادية في البلاد وتشغلهم هموم الحياة لتأمين قوت يومهم الذي يحتاج لكثير من الجهد والروية والإصرار.

قبل عدة سنوات لم يكن مألوفا عمل النساء بجر العربة أو البيع عليها. بخلاف اليوم إذ باتت النساء تعملن بأي عمل يساعد أسرهنّ وعوائلهنّ في ظل الظروف المعيشية الحالية. ليثبتنّ أنهن قادرات على خوض غمار أي عمل مهما بدا صعبا.

مهن أفرزتها الحرب

في ظل تصدر سوريا قوائم البؤس والفقر والبطالة خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى ندرة فرص العمل لخريجي الجامعات السورية، يلجأ الشباب السوري، وخاصة الفتيات، إلى مِهن تبدو غير لائقة لهم، مثل بيع البنزين أو الخبز على الطرقات، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.

إزاء ذلك، أفاد تقرير لموقع “أثر برس” المحلي، مؤخرا، بأن فتيات يقتحمن سوق بيع البنزين في دمشق. تقف عبير “اسم وهمي” بالقرب من سيارة قديمة مغلقة في إحدى شوارع دمشق، وتشير إلى السيارات العابرة بـ “قمع ملء البنزين”، كمؤشر على أنها تبيع مادة البنزين. عند الاقتراب منها، يتضح أن السعر الذي تبيع به أغلى من سعر البائعين الذكور بنحو 5000 لكل عبوة تحتوي على 9 لترات من “بنزين لبناني” مهرّب ولا تقبل “المفاصلة”.

الفتاة تقول إن عمل المرأة ليس عيبا، وخاصة في ظل هذه الظروف الصعبة في سوريا، من غلاء المعيشة وإلى عدم توفر فرص عمل جيدة، وأغلبية النساء اللاتي يعملن في مِهن كبيع البنزين والخبز على الطرقات مجبرات، نظرا لأنهنّ المعيل الوحيد لأسرهنّ والحرب أفرزت أسوأ ما لديها على هذه البلاد، والفقراء هم الضحايا الرئيسيون.

في سياق عمل الفتيات، بحسب شهادات بعض الطالبات الجامعيات لموقع “الحل نت” في وقت سابق، فإنهن يعملن في بعض المطاعم أو محال الألبسة ومستحضرات التجميل، أو حتى في بعض الأماكن الأخرى، مثل مكاتب الحوالات المالية أو مراكز التجميل أو عيادات الأطباء والمهندسين، أو حتى تقمن بإعطاء دروس خصوصية لطلاب المدارس، إلى جانب دراستهنّ الجامعية، نظرا لأن التكاليف الدراسية باتت تفوق مستوى قدرة أهاليهنّ، وسط تدني مستوى الرواتب والأجور.

كما ولجأت نسبة كبيرة من العائلات السورية إلى مِهنٍ علّها تنتشلهم من الفقر الذي يلفّ معظم السوريين اليوم، مثل “تعقيب المعاملات”، وانتشار ظاهرة “المطابخ المنزلية” بالإضافة إلى التسويق الإلكتروني والعمل من داخل المنزل، من أجل تأمين لقمة عيشهم.

يبدو أن ثمة مِهنٌ أخرى ما زالت الأزمة السورية ستكشف عنها في الفترات المقبلة مع تدهور الوضع الاقتصادي الذي ليس هناك ما يؤشر بوجود تحسّن أو انفراجة فيه. كذلك، تواكب الإناث سوق العمل الرائج الحالي، لذلك خصصت بعض الفتيات ركنا صغيرا في منازلهن لعرض مستحضرات التجميل والسلع النسائية برأس مال صغير وخطوات ترويجية بسيطة مؤمنة بصفحتها على منصات التواصل الاجتماعي مثل “انستغرام” و”فيسبوك”، بهدف تأمين نفقاتهم الشخصية سواء كُنّ طالبات جامعيات أو غيرها ولكي تؤمنّ بعضا من الدعم لأسرهم، بحسب بعض الآراء من الداخل السوري.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

مهن غريبة لسيدات سوريات بسبب الأوضاع المعيشية

أترك تعليق

مقالات
خاص (تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية)- بعد عقودٍ من نضال النساء السوريات للوصول إلى حقوقهنّ، ما زال طريق النضال طويلاً مع فجوة هائلة في الحقوق الاقتصادية والمشاركة السياسية. ورغم تكثيف جهود المؤسسات النسوية والنسائية منذ بداية الحرب السورية في العام 2011 ،ورغم الدعم الدولي الظاهر، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015