عن السينما النسوية العربية والأحوال الشخصية
السينما النسوية العربية والأحوال الشخصية

يزن جميل/ ضفة ثالثة- منذ بداية العصر السينمائي، وظهور التلفاز، أصبح هذا العالم الخيالي سلاحًا ذا حدود عدّة تستخدمه أشكال الهيمنة المختلفة لنشر خطاباتها ذات الدلالات الواضحة منها والمبطنة، النافعة منها والضارة للمجتمع، مثلها مثل جميع أشكال الحداثة وما بعدها.

كان لهذا العالم السينمائي الحصّة الأكبر في نشر الخطابات السامة عن طريق ما سماه عالم الاجتماع بيير بورديو بالعنف الرمزي، ذلك العنف الخفي الذي لا نراه ولا نشعر فيه، بل ينتشر فينا ومن خلالنا ولا ندركه إلا بعد أن نعيش فيه ويصبح جزءًا من ثقافتنا، كنظرتنا لجسد المرأة، التي زرعتها فينا أغلب أدوار عادل إمام، أو إلى صورة الأم المتخلية عن كرامتها لأجل أطفالها من خلال دور كريمة مختار في مسرحية “العيال كبرت”، وصولًا إلى المتحرش الجميل، وتطبيع التحرش وخلطه بالغزل والمزاح، من خلال أدوار تامر حسني في أفلامه.

تلك الصناعات التمثيليّة، وغيرها كثير، شكلت أجيالًا من الأمّهات الصامتات، كما شكلت أجيالًا من الآباء اللامبالين، وجيلًا ما زال لا يفرق بين التحرش والإعجاب، بين العنف والحب، أو بين الحريّة والفسق. ولكن بعيدًا عن ذلك العنف الرمزي وسلبيات هذه الصناعة الفنيّة، التي كان في طياتها كثير من الآثار الإيجابيّة ذات الدور الهام في تسليط الضوء على مجتمعنا العربي وقضاياه التي نعاني منها بصمت، ولم نكن لنتكلم عنها من دون تلك الصناعة التمثيليّة، فظهرت لنا أفلام مهمة حملت مهمة إيصال الأصوات الخافتة في مجتمعنا.

وفي هذا السياق، تعد أصوات النساء من أشد الأصوات التي كانت وما زالت في حاجة لكي تُسمع، وقد ساعدت الصناعة التمثيليّة في صنع ما يسمى بالسينما النسويّة، فظهرت أفلامٌ تناقش قضايا النساء المتعددة في مجتمعنا العربي، منها “أسرار البنات” (2001) الذي ناقش فكرة تربية الإناث وعملية الختان القسري، وفيلم “احكي يا شهرزاد” (2009) الذي تكلم عن الاستحقاق الذكوري والعنف المركب ضد المرأة، وفيلم “أحاسيس” (2010) الذي ناقش جنسانيّة المرأة، وفيلم “أسماء” (2011) الذي تحدث عن مرض الايدز وأثره على المرأة، وغيرها كثير من الأفلام النسويّة من أبرزها فيلم “678” (2010)، الذي كان بمثابة صرخة في وجه مشكلة التحرّش في مصر بشكل متنوع وشامل لقضايا عدة، وكان له أثر جلي في التأثير على ردّة فعل الشعب على مشكلة التحرّش، وتمكن من التأثير على نظرة القانون أيضًا لمشكلة التحرّش وسلط الضوء على فجوات هذا القانون الظالم.

كان لتلك الصناعة التمثيليّة أثر كبير في تغيير القانون وإظهار فجواته أو انعدام عدالته. كما أن فيلم “678” لم يكن الفيلم الوحيد الذي أثّر على القوانين الدستوريّة.

وبالتأكيد، لم يكن الأول من نوعه، فقد كانت علاقة الأفلام بتغير القوانين الدستوريّة أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا في فترة ما بين الستينيات والثمانينيات، مثل فيلم “آسفة أرفض الطلاق” (1980)، الذي ناقش سلطة الرجل في اتخاذ قرار الطلاق من دون مبرر، ومن دون أخذ رأي الزوجة، أو فيلم “عفوًا أيها القانون” (1985) الذي تناول الفجوة في العقوبات الواقعة على النساء والرجال على التهمة نفسها، أو فيلم “الشقة من حق الزوجة” (1985)، الذي وضّح المعركة الحاصلة بين المطلقين على شقة الزوجيّة ومن الأحق بها.

جميع تلك الأفلام أثّرت على قوانين الأحوال الشخصيّة بطريقة أدبيّة جميلة، وكان لها قدرها من المسؤوليّة على نقل الواقع كما هو بطريقة يرى فيها أصحاب العدالة ظلمهم للمرأة. كما كان لبعض الأفلام أثر لم يغيّر بقانون، أو بنظرة المجتمع إلى تظلم قانوني معين، بل صنع قانونًا جديدا كفيلم “أريد حلًا” (1975) لفاتن حمامة، حيث بيّن الفيلم سلطة الرجل في التحكم بزوجته، وتحديد مصيرها في حال طلبت الزوجة الطلاق، ولم يقبل الزوج به، فكان لهذا الفيلم الدور الأكبر والأهم في إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصيّة، والسماح للمرأة المصريّة بحق الخلع وترك الزوج.

آخر ما أنتجه هذا العالم التمثيلي هو مسلسل درامي بعنوان “فاتن أمل حربي” (2022)، من كتابة الصحافي إبراهيم عيسى، وإخراج محمد جمال العدل، في تعاونٍ أنتج أجمل الصور التعبيريّة وأوفاها كتابةً لهذا العام.

تدور أحداث المسلسل حول فاتن أمل حربي، من خلال الفنانة نيللي كريم، ورحلة طلاقها من والد طفلتيها، سيف الدندراوي، الذي يقوم بتجسيده الفنان شريف سلامة.

تتبّع هذا العمل الدرامي رحلة حربي التي امتلكت من الأمل ما يكفيها للصمود في الحرب الواقعة في ساحة المحكمة لإزالة ذلك السيف الذكوري عن عنقها، مرورًا بكثير من المعضلات التي تواجهها النساء من خلال الشخصيات الثانوية المساندة لبطلة العمل.

سلّط هذا العمل الدرامي الضوء على إظهار جوانب عدة للمعضلات نفسها التي تواجهها النساء، بدايةً بالجانب القانوني، إذ ناقشت القصة تظلّم النساء في قانون الأحوال الشخصيّة المتحيّز جنسيًا، وقدرة الرجال على التلاعب به، كون القانون لا ينظر إلى خصوصيّة كل قضية على حدة مرورًا بالجانب الديني، وكيف أن الخطاب الديني أصبح خطابًا ذكوريًا وشكلًا من أشكال الهيمنة، ولم يعد خطابًا يمثل الدين الإسلامي الحقيقي وجوهره بل تم التلاعب فيه ليتناسب مع المجتمع الأبوي الذي نعيش فيه. كما تناول العمل أيضًا الجانب الثقافي والاجتماعي، فلاحق ردّة فعل المجتمع الذي تعيش فيه البطلة على مطالبتها بحقوقها الذي عده كثير من الناس تطاولًا على سلطة الرجل المقدسة، في حين كانت ردّة الفعل نفسها موجودة على أرض الواقع ممن انتقدوا هذا العمل الدرامي. إضافة لكل ذلك تتبع الفيلم رحلة الأطفال النفسيّة والجسديّة في ساحة المعركة الواقعة بين الأم والأب، وبين الأم والقانون والمجتمع.

منذ عرض الحلقة الأولى لمسلسل” فاتن أمل حربي”، بدأ الهجوم الذكوري على العمل وأصحابه ومن شارك فيه، ونالت الفنانة نيللي كريم الحصة الأكبر من الانتقاد، كونها تبنت عددًا من الأعمال النسويّة من قبل.

بعيدًا عن ردّة الفعل السلبية، رافقت ذلك الهجوم حملات من التعزيز بحقيقة الموضوع وتطابقه مع الواقع الذي تعيش فيه النساء في المسلسل وأرض الواقع، مما جعل كثيرًا من النقاد الأدبيين، والمطالبين بالحقوق، وحتى صناع العمل، يتنبأون بأثر هذا العمل الدرامي على الشعب، وقانون الأحوال الشخصيّة في مصر، فتحدثوا عن هذا العمل الفني وقيمته وأهمية حدوث التغيير في قوانين الأحوال الشخصيّة في مصر.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

السينما النسوية العربية والأحوال الشخصية

أترك تعليق

مقالات
كيف تتعامل الأماكن العامة مع أجساد النساء؟ وكيف يُعاد إنتاج الجندر والهوية الجندرية من خلال المكان؟ وكيف يُعاد خلق الثنائيات وتطهير ممارسات الأفراد من خلال الفصل والجمع والتقريب والمباعدة بين أجسادهم المختلفة؟ تقدّم الباحثة والمخطّطة المدينية جنى نخّال قراءة نسويّة لإنتاج المكان في ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015